الاستنساخ والتقليد وإعادة طرح الأفكار السينمائية ظاهرة قديمة ترتبط بعوامل كثيرة من أهمها الإفلاس في الأفكار وعدم وجود جديد لدى كُتاب السيناريو الذين يستهلكون طاقاتهم الإبداعية في الكتابة التجارية التي تعجب جمهور العامة وتحقق الأرباح. ولأن البحث عن فكرة سينمائية جديدة بمذاق مُختلف يستغرق وقتاً طويلاً ويحتاج لجهد مُضاعف، يلجأ بعض المُحترفين من الكُتاب إلى استنساخ الأفلام الأجنبية الشهيرة أو إعادة ما تم عرضة من أفلام مصرية، وهذه عملية يُدخلها من يقوم بهذا الفعل ضمن ما يُسمى بالرؤى المتطورة للأفكار الكلاسيكية وهي حجة ليس أكثر للتغطية على مشكلة العُطل الإبداعي.
وبالنظر لسلسلة أفلام «الحرافيش» المأخوذة عن الرواية المعروفة للكاتب الكبير نجيب محفوظ، نجد أنها صيغت بأكثر من طريقة وبعدة عناوين مختلفة، كـ»الحرافيش والمطارد» و«التوت والنبوت» و«الجوع» وكلها لم تخرج عن جو الحارة وسيرة عاشور الناجي وأولاده وأحفاده والصراع الدائر بين الفتوات في الأحياء الشعبية على مناطق النفوذ وحكم الحرافيش بالحديد والنار، إلى آخر الجوانب الفلسفية التي طرحها الكاتب وأعمل من خلالها إسقاطاته السياسية لاستهداف معان خاصة تُشير إلى غياب العدالة واستبداد النُظم الدكتاتورية في مراحل زمنية معينة.
وبرغم المُتعة السينمائية المُتحققة في مجموعة الأفلام المذكورة، إلا أن تحويل الرواية كلها إلى فيلم واحد بإمكانيات إنتاجية مناسبة كان من الممكن أن يُعلي من القيمة الأدبية والإبداعية لها بدلاً من تفتيتها وتشرذمها بالشكل الذي تم تنفيذه.
كذلك رواية «بين الأطلال» للكاتب يوسف السباعي تم تحويلها لفيلم بنفس العنوان قام ببطولته فاتن حمامة وعماد حمدي وحقق نجاحاً كبيراً في حينه، وبعد سنوات طويلة أعيدت صياغة السيناريو وأنتج الفيلم تحت عنوان «أذكريني» وأسندت البطولة فيه لمحمود يسن ونجلاء فتحي. ولكن ظل التأثير الأول لفيلم «بين الأطلال» هو القائم والعالق بقوة في أذهان المشاهدين ولم تُضف الرؤية الجديدة شيئاً يُذكر لا على مستوى الأحداث ولا مستوى التفاعل، غير أنها حيلة صُناع الفيلم في استثمار نجاح الرواية واستغلال اسم الكاتب والاستفادة القصوى من تأثير الفيلم الأول بين الأطلال جماهيرياً وشعبياً.
كذلك تم توظيف قصة «روميو وجولييت» العالمية بأشكال كثيرة وبرز من بين المحاولات المصرية التي عملت على استغلالها تجارياً بشكل مُسف محاولتين لفيلمين كل منهما أضعف من الآخر، الأول بعنوان «غرام الأفاعي» بطولة ليلى علوي وهشام عبد الحميد وصلاح قابيل وصابرين.
وقد طاف كاتب السيناريو حول الفكرة طوافاً عابراً في بداية الأحداث كنوع من التمويه، إلا أنه أوغل بعد ذلك وصور مشهد النهاية تصويراً مطابقاً للنهاية الأصلية المأسوية بموت البطلين متأثرين بمفعول السُم القاتل.
أما الفيلم الثاني فكان عنوانه «حبك نار» لمصطفى قمر ونيللي كريم ومجدي كامل وسعيد عبد الغني، وهذا الفيلم اجتهد كاتبه اجتهاداً مُضنياً في احتواء تفاصيل الرواية العالمية بالكامل فلم يُفرط في شيء منها، لكن خانته عملية التمصير فقد انقلبت القصة العاطفية الأسطورية إلى معركة بالأسلحة النارية بين عائلتي روميو وجولييت الافتراضيين بحسب الاقتباس العشوائي مع تغيير اضطراري في أسماء الأبطال والشخصيات، وتحول الفيلم الرومانسي الإنساني إلى فيلم أكشن بفضل القدرة الإبداعية الفذة للكاتب والمخرج، وبالطبع كان الفشل حليف التجربة المنسوخة غير المُستساغة.
وفي فيلم «سيدتي الجميلة» الذي قام ببطولته محمود يسن ونيللي وحسن مصطفى والممثل اللبناني شوشو، كانت القصة مأخوذة عن المسرحية التي لعبت فيها شويكار دور البطولة أمام فؤاد المهندس، حيث دارت الأحداث فيها حول تحويل البنت الشعبية النشالة إلى فتاة أرستقراطية عصرية، للتأكيد على إمكانية تحقيق الرهان الصعب في تغيير طبيعة الفتاة المسكينة التي اكتسبت من البيئة الشعبية صفات رديئة بحكم احتكاكها ببعض العناصر المُنحرفة، لكنها بعد محو أميتها وإخضاعها لعدة تدريبات اتصلت بالقواعد السليمة للتربية القويمة، نجح محمود يسن الذي خاض معها تجربة التغيير الاجتماعي والسلوكي الجذري في ضبط سلوكها وتهذيبه فخلق منها نموذجاً لفتاة مُثقفة مُتحضرة.
الفيلم الذي تم تصويره في لبنان لم ينحرف بالقصة الأصلية كثيراً، بل حافظ على البناء الدرامي بالكامل ولم يُحدث سوى بعض التعديلات الطفيفة غير المؤثرة جوهرياً، حيث جعل من الفتاة النشالة، تاجرة شنطة تعمل بالتهريب وتتمتع بذكاء فطري حاد، ومر السياق كله كما هو في مساره الأصلي فنجح الفيلم وفق المستوى المطلوب. ومن القديم للحديث تتنوع التجارب وتتشكل الرؤى فآخر ما أتحفنا به النجم محمد سعد صاحب سلسلة أفلام «اللمبي» فيلمه الجديد «اللمبي أيام الجاهلية» وهو تنويع على ذات الحكاية المُتكررة لشخصية البطل الأبله التي قدمها بصور وأنماط مُختلفة في أكثر من فيلم كوميدي. ففي تجربته الأخيرة المُشابهة لتجاربه السابقة تشاركه البطولة إيمي سمير غانم التي حاولت جاهدة أن تخلق لنفسها حيزاً درامياً يتميز فيه أداؤها حتى لا تُصبح مجرد سنيد فحسب للممثل الذي يستحوذ على نصيب الأسد من المساحة ويدخر لنفسه الإفيهات والتعليقات الساخرة فيطفئ بريق الممثلين المساعدين لأن التركيز كله ينصب عادة على الشخصية الرئيسية، وبما أنه البطل المُطلق فهو الفائز بالضرورة بالاهتمام الجماهيري والأضواء والتكثيف الدعائي.
«اللمبي أيام الجاهلية» تجربة لم تحظ كغيرها من التجارب الكوميدية لسعد بالاهتمام الشعبي الذي كان معهوداً قبل أن يُصاب الجمهور بالملل من فرط التكرار واللعب على ذات الأفكار المُستهلكة لحمل الجمهور على الضحك عنوة بلا مبرر، فما يشاهده اليوم سبق أن شاهده بالأمس، وهكذا مُعظم الأفلام تدور في فلك واحد فلم تنطلي حيل القص واللزق والرتق إلا على الأطفال والصبية.