عدنان أبو عودة وزير البلاط ورئيس الديوان الملكي الأردني سابقا: إسرائيل جسم غريب في المنطقة ولا بد أن ينتهي إما بالاندماج او بالاستئصال

حاوره: عبد الحميد صيام
حجم الخط
1

على هامش مؤتمر “القدس واقع التحديات وإمكانيات المواجهة” الذي عقد في الجامعة الأردنية خلال أيام 15 -17 حزيران/يونيو بتنظيم ثلاثي من المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة، ومركز الدراسات الفلسطينية في بيروت، والجامعة الأردنية، التقت “القدس العربي” بأحد أبرز المشاركين في المؤتمر والذي يعتبر أن قضية القدس هي قضية فلسطين وقضية فلسطين هي قضية العرب الأولى. إنه عدنان أبو عودة وزير الإعلام والثقافة الأردني الأسبق، ووزير البلاط ورئيس الديوان الملكي سابقا ومن أقرب المستشارين إلى العاهل الأردني الراحل الملك حسين بن طلال. جرى هذا الحديث العادي الحر المنطلق بدون قواعد محددة، فأبو عودة يغرف من بحر ولا ينحت من صخر عندما يتعلق الأمر بالأوضاع العربية البائسة التي تعيشها أمتنا العربية بالأخص القضية الفلسطينية والتي كانت لعقود خلت قضية العرب الأولى وما زالت رغم المحاولات الدؤوبة من أعداء الأمة لطمسها وتهميشها وخلق أعداء وهميين لحرف الأنظار عن العدو الحقيقي والتمكن من ثرواتها وإقامة الجدران الوهمية بين شعوبها.

* لتكن نقطة الانطلاق في هذا الحديث المؤتمر، فماذا يعني لك مؤتمر مخصص للقدس بوجود هذا العدد من الأكاديميين والمعنيين بملفات القدس؟

** جاء هذا المؤتمر في وقت مناسب جدا خاصة وأن الأمة العربية تمر في مرحلة مخاض عسير وتعيش حالة فوضى فكرية التي تأتي انعكاسا لحالة فوضى سياسية نتيجة لعوامل عدة سنتحدث عنها لاحقا. موضوع المؤتمر القدس والقدس هي جوهر القضية الفلسطينية والقضية الفلسطينية من المفروض أن تظل القضية المركزية للأمة العربية. لكن القضية الفلسطينية تشهد حالة تراجع. الفلسطينيون أيضا يمرون في حالة تراجع. كل شيء الآن في الأمة العربية يشير إلى حالة تراجع.

* هل لنا أن نتوقف هنا لتحليل أسباب حالة التراجع؟

** أهم سبب في حالة التراجع التي تعيشها الأمة هو نظام الاستبداد بشكل عام.  فالاستبداد يغلق المنافذ نحو التطوير والإبداع والنهوض الشامل. خطورة الاستبداد أنه لا يفتح الأبواب أمام المثقفين والمبدعين ليدلوا بدلائهم في نهضة البلاد ومواجهة أزماتها السياسية والاقتصادية. ولو نظرنا إلى البلاد الديمقراطية المستقرة والمتطورة فسنجد أنها تحترم مثقفيها وأصحاب الفكر وتسود فيها حرية الرأي وحرية التفكير وحرية النقد وحرية الصحافة.  إن الاستبداد هو علة العلل وأم المصائب حيث تم استبدال الإخلاص للوطن بالولاء للحاكم. فيتم تغييب الواقع وتقديم صورة وردية للمسؤول بعيدة عن الحقيقة بهدف إرضاء غروره وخلق صورة غير دقيقة لأوضاع متردية، ثم عندما يتم الانفجار أو التململ الشعبي يكتشف الحاكم أن المريدين من حوله قد خدعوه وأن الأوضاع على الأرض ليست كما كانوا يصورونها له عبر التقارير. إذن نقطة الانطلاق نحو اللحاق بركب الحضارة الإنسانية والكف عن التغني بالماضي وأمجاده هو إنهاء نظام الاستبداد.

 * إلى أين يمضي هذا الوطن في ظل التفتيت والحروب الأهلية وصفقة القرن والتطبيع العلني وورشة المنامة؟

** لنبدأ منذ البداية، فبعد مؤتمر ويستفاليا عام 1648 تبلورت فكرة “الدولة الوطنية”

 أي أن هناك أمة قد تبلورت ولها شخصية مميزة تختلف عن الأمم المجاورة تحتاج أن تقام حولها دولة بحدود لحمايتها. فالأمة الفرنسية تختلف عن الأمة الألمانية وعن الإيطالية أو الانكليزية أو الإسبانية. الأمم تتكون وتتشكل وتتبلور ثم تأتي الدولة. في حالة الوطن العربي تكونت الدولة قبل الأمة ضمن حدود رسمها الاستعمار كما يراها من منظور مصالحه، ثم بدأت محاولات تكوين الأمة وبطريقة أحيانا غير طبيعية وغير ناجحة. هناك أمة عربية واحدة تبلورت داخلها تجمعات متقاربة يمكن أن تنتقل بسهولة لمرحلة الدولة الوطنية مثل المغرب ومصر وعُمان. أما بلاد الشام فهي من التقارب ما يجعلها أقرب لتكوين “دولة وطنية”. ولأن الكثير من الدول العربية جاءت نتيجة ترتيبات استعمارية فقد حملت في ثناياها بذور النزاع لأسباب عرقية أو دينية أو قبائلية يستطيع المركز الاستعماري أن يحركها ويوسع خلافاتها أو يخلق خلافات جديدة مع دول الجوار. أي أن الدول الاستعمارية أبقت في يدها عوامل تفرقة ونزاعات داخل الأمة العربية نشهد بعضها الآن. لقد جاء ميثاق الجامعة العربية عام 1945 ليثبت موضوع العلاقات العربية بين دول وليس بين شعوب. فمن السهل عليهم أن يتعاملوا مع الدول كلا على حدة بدل التعامل مع الأمة العربية بشكل جماعي. إن محاولات التقارب والوحدة بين الدول العربية جوبهت بالرفض من قبل الدول الاستعمارية. فأكثر ما تخشاه هذه الدول هو التقارب العربي الحقيقي. كانت الصراعات في الفترة الأولى بين الدول العربية ثم انتقلت النزاعات لتكون داخل مكونات البلد الواحد. لقد ظلت مصلحة إسرائيل هي الأهم بالنسبة للغرب وكل ما يجري من نزاعات في المنطقة يصب في المحصلة لمصلحة إسرائيل.

* إسرائيل أين تتجه وهل ترى مستقبلا لها في المنطقة؟

** إسرائيل دولة من الناحية الهيكلية لكنها ليست أمة كما يحاولون أن يفرضوا ذلك على العالم بأنها دولة الأمة اليهودية. إسرائيل كيان غريب زرع في قلب الأمة العربية عنوة. إنها أشبه بالفيروس الذي يخترق الجسم فيسبب في البداية وهناً في الجسد لكن ما يبلث الجسم أن يحرك عناصر الوقاية ثم المقاومة فيبدا ألجسم يسترد عافيته ويقضي على الفيروس. لا خوف على الأمة العربية من هذا الجسم الغريب فليس أمامه إلا أن يصبح مع الوقت جزءا من نسيج الأمة وطيفا صغيرا من مكوناتها أو أن تلفظه الأمة. قد تحاول إسرائيل عبر المرحلة الانتقالية أن تحافظ على نظام الأبارتهايد إلا أن هذا النظام محكوم عليه بالموت. لم يعد العالم يتحمل مثل هكذا نظام بعد ما حدث في جنوب أفريقيا.

ودعني أعود للتاريخ قليلا لنرى أن كل الغزاة الغرباء من خارج الأرض ينتهون إلى زوال في الماضي والحاضر. فقد أقام العرب دولة في الأندلس استمرت أكثر من سبعة قرون ثم اضمحلت وزالت بعد أن تناحرت الإمارات العربية وأصبح كل أمير يطلب العون من حاكم إسباني إلى أن انتهت دول الطوائف إلى زوال. والمثال الأخر من العصور القديمة الحروب الصليبية التي وصلت إلى قلب الدولة الإسلامية واحتلت القدس عام 1099 ولكنها كانت خارج سياق المنطقة فلم تتقبلها وما لبثت المنطقة أن جمعت مصادر قوتها ونظمت صفوفها وبرزت فيها قيادات فذة مثل صلاح الدين الذي استطاع أن يهزم الصليبيين بعد أن وحد بلاد الشام ومصر عقائديا وجغرافيا ثم عسكريا وطويت صفحة الحروب الصليبية على ما خلفته من دمار.

أما في العصر الحديث فلنا مثل في ما جرى في روديسيا وجنوب أفريقيا فرغم قوة الأقلية البيضاء التي تحكمت في مفاصل الحياة في البلدين إلا أن نظام الفصل العنصري المفروض من الخارج على السكان الأصليين انتهي إلى الهاوية وطويت صفحته.  لقد شاهدنا في بلدين مثل الولايات المتحدة وإستراليا نموذجا آخر وهو الإبادة الجماعية للسكان الأصليين كي يتم إفساح المجال للمهاجرين الجدد الاستيلاء على الأرض من دون سكانها. موضوع الإبادة الجماعية لم يعد مقبولا بعد ما حدث في المحرقة الجماعية في ألمانيا ودول أوروبا. لقد كانت المحرقة هي الخلفية التي أدت إلى اعتماد الاتفاقية الدولية لمنع جريمة الإبادة الجماعية عام 1948. ما تحاول إسرائيل أن تقوم به نوع من الإبادة البطيئة بحيث تستولي على الأرض ثم تطرد سكانها. لكن هذا المخطط مصيره إلى فشل مؤكد فالمئة والخمسون ألف فلسطيني الذين بقوا في ديارهم عام 1948 ولم يهاجروا أصبحو يشكلون الآن 20 في المئة من سكان إسرائيل كما أن هويتهم الوطنية تتجذر أكثر رغم أنهم يحملون الجنسية الإسرائيلة التي فرضت عليهم. إن دروس التاريخ واضحة فلا مكان لجسم غريب زرع في المنطقة عنوة فلا هو قادر على الإبادة ولا يستطيع أن يستمر عنوة من خلال نظام الفصل العنصري وليس أمامه إلا الانصهار أو الإندثار.

*ماذا عن صفقة القرن وورشة المنامة؟ هل أصبح التطبيع العلني مع إسرائيل موضة العصر؟

** لم تأت إلى البيت الأبيض إدارة مثل إدارة ترامب في الانصياع إلى السياسة الإسرائيلية التي تقوم على استخدام قانون القوة بدل قوة القانون. إن إدارة ترامب تتنكر للقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن بشكل سافر. وهذا شي غير مقبول في السياسة الدولية. وأعتقد أن جزءا هاما من صفقة القرن قد نفذ فعلا على الأرض خاصة في موضوع القدس والاعتراف بها عاصمة موحدة لإسرائيل ونقل السفارة ووقف تمويل الأونروا وغير ذلك من إجراءات.  لقد تمادى النظام الأمريكي في التعدي على الحقوق العربية واستغلت إسرائيل الوضع فاستمرت في إجراءاتها الأحادية الجانب. ولكن هذا ليس قدرا فكل هذا يعتمد على مقاومة الناس للإجراءات الإسرائيلية. والمقاومة ليست مسؤولية الفلسطينيين فقط بل مسؤولية جماعية يتحمل تبعاتها العرب والمسلمون وخاصة في مدينة القدس وما يجري لها وفيها من تهويد متواصل وهادئ على الأرض. يجب أن تكون هناك إستراتيجية متكاملة عربية – إسلامية ضد إجراءات إسرائيل في القدس والتي يعتقد أنها تسير في اتجاه هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل على أنقاضه. ما يحدث من اقتحامات للأقصى يجب أن ينبه العرب والمسلمين، حكومات وشعوبا، إلى الخطر الداهم وضرورة وضع إستراتيجية مضادة يتم نشرها عالميا للتنبيه على خطورة النهج الإسرائيلي الصدامي والمستفز. حل الدوليتن انتهى وربما إلى الأبد وحل الدولة الواحدة، رغم ما فيه من مخاطر، إلا أنه قد يصبح البديل المقبول لغالبية الفلسطينيين والعرب. لكن لا يعتقدن أحد أن إسرائيل ستقف مكتوفة الأيدي وهي ترى أنها بدأت تخسر القوة التي تمتلكها.  فمهوم حل الدولة الواحدة عند العرب مختلف تماما عن مفهومه عند إسرائيل.  إسرائيل لا يمكن لها أن تستمر بهذا النظام إلى الأبد وليس أمامها إلا أن ترضخ وتقبل الأمر الواقع. لقد تم اختراق الوضع العربي بمعاهدة كامب ديفيد مع مصر عام 1978 ثم تبع ذلك معاهدات أوسلو ووادي عربة. وقد تبين لنا جميعا أن سياسة إسرائيل لم تتغير بالنسبة لفلسطين من ابتلاع مزيد من الأرض وطرد المزيد من السكان. تريد أن تنفرد بالفلسطينيين بعيدا عن أي تضامن عربي وتريد أن تغيب الشعوب وأن تتعامل مع الحكام معا وهذا يعيدني إلى مفهوم الطغيان.

أما عن ورشة المنامة فأنا لا أتخوف من المشاركة. ليذهب من يذهب وليقل كلمة قوية منددا بممارسات الاحتلال ونظام الفصل العنصري الذي اعتمدته عندما قامت بزرع المستوطنات عميقا في الأرض الفلسطينية. أرادت إسرائيل لورشة المنامة أن تكون منبرا للتطبيع العلني والمجاني لكن الورشة بدأت فاشلة بغياب فلسطين والرفض الشعبي لها وخاصة في الأردن فلسطين. أنا لا أخشى من الذهاب في حد ذاته بل المهم ما يقال عند المشاركة. كنا نقاطع كل مؤتمر تحضره إسرائيل وبالتالي نعطيها فرصة أن تستفرد في الآخرين. يجب أن نكون موجودين في كل منبر.  فمشاركتنا في لقاء أو مؤتمر ضرورة لمحاصرة الباطل الإسرائيلي بالحق العربي.

عدنان أبو عودة في سطور

ولد عدنان أبو عودة في مدينة نابلس، فلسطين بتاريخ 10 تشرين الثاني/نوفمبر 1933.  وبعد إكمال دراسته في كلية تدريب المعلمين في عمان عام 954 أصبح مدرسًا في الأردن. وفي عام 1959 تخرج من كلية الآداب بجامعة دمشق وانتقل للتدريس في الكويت.

التحق عام 1965 بدائرة المخابرات العامة الأردنية كمحلل سياسي. وفي هذه الفترة تعرف عليه الملك حسين عاهل الأردن. وفي أيلول/سبتمبر 1970 اختاره الملك حسين ليكون وزيرا للثقافة والإعلام في حكومة الطوارئ العسكرية التي لم تدم طويلًا. توطدت العلاقة أكثر بينه وبين الملك حسين فعينه عام 1984 وزيرًا للبلاط الملكي وفي عام 1988 أصبح مستشاره السياسي ثم رئيسا للديوان الملكي عام 1991. شغل أبو عودة منصب الممثل الدائم للأردن لدى الأمم المتحدة في نيويورك بين عامي عام 1992 و1995. وبعد تقاعده أصبح زميلًا كبيرًا لمدة عام في معهد الولايات المتحدة للسلام في واشنطن العاصمة. عينه الملك عبد الله الثاني ملك الأردن مستشاره السياسي عام 1999. وفي عام 2000 استقال أبو عودة من منصبه واعتزل السياسة.

صدر له عام 1999 كتاب باللغة الإنكليزية بعنوان: “الأردنيون والفلسطينيون والمملكة الهاشمية في عملية السلام في الشرق الأوسط”. كما نشر: “يوميات عدنان أبو عودة 1970-1988”. نشر العديد من المقالات في عدد من الدوريات أهمها مجلة فورن أفيرز.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية