تلقت معظم الصناعات الثقافيّة، صحافة وسينما ومتاحف ومعارض ومدارس فنون وغيرها، ضربة تكاد تكون قاصمة، على يد من أقفل الباب في وجه الحياة والصخب وضجيج البشر: “الملك كوفيد التاسع عشر”، بعد أن فرضت معظم دول العالم إجراءات عزل منزلي وتباعد اجتماعي وإغلاقاً للفضاء العام غير مسبوقة في التاريخ الحديث، واضطر معظمها إلى الإقفال أو تقديم خدمات جزئيّة تهدد بدفعها إلى إفلاس محتّم، إذا استمرت الأمور على تلك الشّاكلة.
الاستثناء الذي ظلّ كالنخيل واقفاً، بعد هذه المجزرة كان عملاق صناعة “الستريمنغ” الأمريكي “نتفليكس”، الذي بدا خارج القواعد الجديدة تماماً، وتحوّل إلى ما يشبه جليساً لأعداد متزايدة من البشر، ومن ضرورات الانعزال، كما أفراد عائلة التعقيم والمواد الغذائيّة الأساسيّة.
وقد أظهرت أرقام الربع الأوّل من هذا العام أن عدد المشتركين في خدمة الشّركة قد زاد في حوالي 16 مليوناً ليصل إلى 183 مليوناً. لا شك يتابعها حول العالم ما لا يقلّ عن نصف مليار إنسان يودعون شهرياً لحسابها ملياريّ دولار أمريكيّ.
وربمّا وحدها – إلى جانب شركة “نينتيندو”، التي تَصادفَ إطلاق لعبتها الجديدة عن عالم افتراضي، لا وعثاء فيه ولا صخب، مع انحباس الناس كباراً وصغاراً في بيوتهم، فتضاعفت مبيعاتها – من بين شركات صناعة الثقافة ارتفعت قيمة سندات دينها التي كانت مقوّمة سلبياً لتتفوق على قيمة سندات شركات كانت قبل الجائحة مقومة بـ”إيجابي بلس” – أي أعلى المستويات إطلاقا – بعدما حققت وللمرّة الأولى فائضاً من النقد منذ 2014.
قلعة الأوسكار أعلنت استسلامها
وكأن “نتفليكس” لم تكتف من الجائحة بالذهب، إذ أعلنت أكاديميّة علوم وفنون السينما الأمريكيّة – التي يمنح أعضاؤها جوائز الأوسكار السنويّة لأفضل الأعمال في دنيا السينما – أنها، وعلى نحو استثنائيّ، سوف تسمح للأفلام المقدّمة على منصّات (الستريمنغ) في الترشّح لدورة العام الحالي (التي أُجلت لنهاية فبراير/شباط المقبل) وذلك بسبب ظروف الإغلاق، التي فرضها انتشار فيروس كورونا.
وفي هذا القرار، تكون آخر قلاع الدّفاع عن السينما التقليديّة قد استسلمت أمام المدّ النتفليكسي، الذي لم يعد لأحد طاقة على احتجازه.
ورغم أنّ الأكاديميّة حاولت شرب حليب السبّاع والإصرار على تصوير القرار مقتصراً على الدّورة الحاليّة، فإن أكثر المتفائلين تطرفاً يعلم أن الجمهور لن يعود قريباً إلى دور السينما، وحتى لو حصل ذلك في وقت ما بعد عدّة أشهر فسيكون خاضعاً لترتيبات تباعد اجتماعي ستقلل حكماً من أعداد المشاهدين ومبيعات التّذاكر.
وهكذا، بعدما كان عملاق الستريمنغ (وأخواته الأصغر “أمازون” و”أتش بي أو” و”هولو” وغيرها) عدّواً، صار منقذاً أعظم، وستلجأ إليه شركات إنتاج سينمائي كبرى لإنقاذ استثماراتها في أفلام حالية، لم يُمكن عملياً إطلاقها بسبب الإغلاق، ناهيك أن بعضها سيجد صناعة الأفلام المخصصة لدور العرض لن تتعافى من كورونا قبل عدّة سنوات، والبقاء على البرّ دون الالتحاق بقارب “نتفليكس” قد يعني الموت جوعاً أو الوقوع فريسة سهلة في شباك صيّادي الفرص.
والشبكة في ذلك سيكون عندها الوقت الكافي لبناء سلسلة من صالات قليلة لعرض أفلامها أمام جمهور محدود حتى تعدّ أعمالاً سينمائيّة وتتأهل للمنافسة على جوائز المهرجانات العالميّة (وهي بالفعل اشترت صالة عرض وحيدة مشهورة في نيويورك لهذا الغرض)، فيما تكفلّت السفارة الأمريكيّة في باريس بالضغط على إدارة مهرجان “كان” الأهم في أوروبا من خلال الرئاسة الفرنسيّة لفتح الباب أمام مشاركة “نتفليكس” وهو ما حدث بالفعل وفي تلفيقة استثنائيّة في دورة 2018).
المعارك تُكسب قبل وقت طويل من وقوعها
“نتفليكس” اليافعة (تأسست 1997) التي شيدت تاريخا من فتوحات متراكما حدّ الألق، رغم كل المنافسة – سواء مع حصون صناعة التليفزيون والسينما التقليديّة أو مع نسّاخ النجاح ممن أخذوا نموذج الستريمنغ وأطلقوا منصات موازية (أبل بلاس وديزني بلس وبِريت بوكس (البريطاني)، وغيرها – تبدو استراتيجيتها للأعمال وكأنها مستلّة من نظريّة البروفيسور منظّم الهجوم على بنك إسبانيا المركزي، كما في السلسلة الإسبانيّة المشهورة “لا كازا دي بابل”، التي أخذت بألباب ملايين مشتركي “نتفليكس” حول العالم.
فكما البروفيسور الشهير تماماً، لديها خطّة، وتسبق أعداءها في خطوة أو خطوتين دائماً.
فهي انتقلت بسرعة من نموذج توزيع إسطوانات (الدي في دي) إلى منصّة العرض عبر الإنترنت، ومنها إلى صناعة المحتوى الى جانب تطوير المنصّة، ومن ضيق الإنتاج الأمريكي إلى سعة فضاءات الإنتاج العالمي.
وفي كل مرحلة كانت تخطو قبل منافسيها وتتفوق فتقطف أكواماً من النّقد توظفها لبناء الخطوة التالية، بينما منافسوها في الكاد يزحفون للّحاق بخطوتها السابقة، وهكذا.
وعندما وقعت واقعة كورونا، كانت الشركة جاهزة في البنية التحتيّة التقنيّة، وسعة العرض من الأعمال السينمائيّة والتليفزيونيّة التي تناسب كل الأذواق والمجموعات العمريّة والثقافيّة واللغوية.
لذا ليس غريباً أن معظم النّمو في سوق المشتركين عندها يأتي من آسيا وأوروبا، فيما يتقاتل بقيّة اللاعبين على حصص متناقصة من السوق الأمريكي المحليّ المتشبّع – نسبياً -، وهي فوق ذلك بنت منهجيتها على توفير خدمة عملاء ممتازة، وسيل متتابع من الأعمال المؤثرة، مع العرض دون إعلانات اعتماداً على الاشتراكات فحسب، وهو ما جعلها أقل تأثراً بالتقلبات، ومنها التراجع الدراماتيكي في ميزانيات الإعلان بعد كورونا، الذي أنهك كثيراً من منتجي الثقافة الآخرين. ورغم توقف أجزاء واسعة من صناعة الأفلام الأمريكيّة عن العمل، فإن الشركة لديها رصيد من الأعمال الجديدة التي يتم وضع اللمسات الأخيرة عليها من ورشات إنتاج صغيرة في المنازل.
لا وجبات مجانية:
السّمّ مدسوساً في العسل
تغوّل “نتفليكس” الأمريكيّة هذا يمكن أن يُرى من بلدان الجنوب عموماً – والفضاء العربيّ خصوصاً – كما لو تفسّخ العالم عن وحش يتغذى على أوراق الشجر، هنا وهناك، ويكبر يوماً بيوم أمام ناظرينا.
إذ يبدو الاشتراك الشهري في متناول معظم الشرائح المجتمعية، فلا طبقية هنا ولا تنازع على شهية الفرجة بين غني وفقير، ترافقاً مع تشظ غير مسبوق في انتشار الإنترنت، عبر كثير من الدول، وهي توفرّ للمتلقي في ذلك فرصة لتسنِّمِ جبال ضخمة معولمة من الأعمال التليفزيونيّة والسينمائيّة والوثائقيّة بملاليم. فيما نجحت المنصة وعبر إنتاج أو شراء أبدع الأعمال المحليّة من الأقاليم الثّقافية المختلفة (فرنسا والصين والهند وتركيا والعالم الناطق في الإسبانية والشرق الأوسط وغيرها) وظفتها لتوريط الجمهور والمنتجين المحليين في لعبتها، وتسهيل عملية انتقالهم من مربّع التليفزيونات المحليّة الخشبيّة القديمة إلى شاشتها الافتراضية. وفور تذوق الجمهور لموائدها البصرية فإنهم سرعان ما يُدمنون عليها ويتحولون إلى رعايا للغول الأمريكي يقبلون صاغرين على دفع الجزية (الاشتراك) له، مقابل استمرار تلقيهم جرعة فُرجتهم مادة ووقتاً.
هذا الانخراط، سواء كان واعياً أو غير واع في استهلاك منتجات نتفليكس، يعني أن السكان المحليين في كل بلد قد أصبحوا يعتمدون عليها كمصدر رئيس للمعلومات والترفيه، الأمر الذي سيسمح للأمريكيين في احتكار صناعة التاريخ مُلَفقاً، وإجبار الرؤية على المرور عبر شبكية العيون المتأمركة، كما التأثير الناعم على سلوكيّات ضحايا الرأسماليّة اليمينيّة استهلاكاً وعنفاً وانحلالاً واغتراباً من خلال أعمال بصريّة يمتزج فيها السمّ بالعسل، دون أن يتسنّى لمعظم هؤلاء البشر الوقت أو القدرة على تفكيك رموزها، أو البحث عن سرديّات نقيضة لها ليجدوا أنفسهم مجرّد مستهلكين تائهين، يبتلعون ما يلقى إليهم من أفكار ومعلومات دون عميق تمحيص.
مثالٌ ليس يتيما مسلسل فوضى (الإسرائيلي) الذّي طرحت الشبكة موسمه الثّالث مؤخراً. هنا يتعيّن على السكان في العالم العربي، مقابل اشتراك الترفيه الرخيص على المنصّة المعولمة القبول سلباً أو إيجاباً بسرديّة مؤدلجة مسمومة تقدّم حصراً وجهة نظر أعدائهم في صراع المنطقة الأخطر.
ولا شكّ أن حالا مثل هذه من الخضوع الذهني مع غياب كلّي لبدائل فاعلة أو حتى توفر سرديّات مضادة ولو خارج فضاء البصريات، يعني بالضرورة نفاذ الاحتلال وثقافته وموسيقى لغته الغاشمة إلى قلوب الناس قبل عقولهم، لا سيما أجيالهم الجديدة، التي وُلدت بعد “أوسلو”، وترى العالم من ثقب بوابة مبنى المقاطعة في رام الله، مما سيعني استلاباً تاماً لوعي المواطن العربي، وتسربلاً بالهيمنة الإسرائيلية.
كي لا نخسر الفكرة والدولة معاً.
إعلامية وكاتبة لبنانية – لندن