عرب فلسطينيون: في الموت والحياة

حجم الخط
13

نفهم تماماً أن يعتبر وزير الخارجية الأمريكي جون كيري العملية التي نفذها شابان فلسطينيان أمس «وحشية لا معنى لها» لأن كل الأعمال الوحشية التي تقوم بها الولايات المتحدة الأمريكية في العالم «لها معنى»، وأن يدين الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند الهجوم وأن يصفه بـ «الاعتداء البغيض»، فتاريخ فرنسا الحديث (والقديم) لا يحوي غير اعتداءات «حميدة» بما فيها قتل أكثر من مليون شخص في حربها على الجزائريين خلال معركتهم لنيل استقلالهم.
لكن أبدع التصريحات المعلقة على الهجوم فكان لأفيغدور ليبرمان وزير خارجية إسرائيل الذي يطالب الفلسطينيين بالاعتراف بـ «يهودية دولته» والذي حمّل كعادته الرئيس الفلسطيني محمود عباس المسؤولية عن العملية واتهمه بأنه حوّل الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني «الى صراع ديني بين اليهود والمسلمين»!
حاجة الرؤساء ووزراء الخارجية في العالم للتعليق على ما يجري من أحداث في فلسطين، كل من منظوره الخاص، مفهومة، لكن استمرارها بهذه الطريقة لعشرات السنين صار يحتاج مراجعة للكفّ عن ترداد ما يردد بالبلادة نفسها، وبقلة الاحترام للبشرية وللنفس، وبالتجاهل القاسي للحقائق الصلدة التي أنتجتها عشرات السنين من الوقائع، والتي تواطأ العالم على إنكارها منذ نشوء إسرائيل.
أوّل هذه الحقائق هو أن إسرائيل هي كيان إجحاف وظلم هائلين حاقا بالفلسطينيين وبالعالم العربي ككلّ مما أدى إلى اختلال خطير بالنسيج الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للمنطقة، الأمر الذي أسس لجدار هائل معاد للتكامل الجغرافي والبشري، مانعاً بذلك التواصل بين آسيا وأفريقيا وهي فظاعة لا تستطيع الطبيعة نفسها هضمها.
والحقيقة الثانية هي أن الفلسطينيين، الذين تحمّلوا العبء الأكبر في مواجهة هذا الإخلال الكبير بالطبيعة، لا يمكنهم أن يتحدّدوا كشعب وهوية وسلطة إلا بالتناقض مع هذا الكيان العدوانيّ، وبالتالي فإن إسرائيل، لا يمكنها أن تستمر في هذا الغيتو الكبير الذي اخترعته (ولا تتوقف عن إعادة تكريره بالأسلاك الشائكة والأسوار ومئات الحواجز) إلا إذا زال الشعب الفلسطيني عن الوجود، وتمّ بتر العرب والمسلمين عن قوميتهم ودينهم وجغرافيتهم.
يجيء الهجوم على «اليشيفا» اليهودي في القدس كفاصلة فحسب ضمن جملة طويلة من ردود الفعل على سياسات إسرائيل والمستوطنين والتي نذكر منها مثلا عملية دهس العجوز صالح مليحات (70 عاما) التي نفذها مستوطن شرق رام الله في آذار/مارس الماضي، وخطف المستوطنين للفتى الفلسطيني محمد أبو خضير من أمام باب بيته في شعفاط وحرقه حيّاً، ودهس طفلة من بلدة يطا بالخليل في أيلول/سبتمبر الماضي، ودهس فتى فلسطيني قرب بيت لحم في تشرين الثاني/أكتوبر، وقتل طفلة فلسطينية (5 سنوات) في الشهر نفسه، وشنق سائق حافلة شاب من القدس الشرقية قبل حوالى الأسبوع، وبين أول وآخر حادثة شنّت إسرائيل حربها على غزة التي أدت لاستشهاد 2190 واصابة أكثر من 11 ألفا، وتدمير 17 ألف منزل (كلّيا أو جزئياً).
في الفترة نفسها قتل من الإسرائيليين 3 مستوطنين في حزيران/يونيو الماضي، وأصيب في حرب غزة 68 عسكريا و4 مدنيين، وأصيب 2522 إسرائيليا، وقتلت طفلة وامرأة في عملية دهس، وجُرح الحاخام المتطرف يهودا غليك في هجوم، وجرح ثلاثة جنود في عملية دهس، وقتل جندي بطعنه، ثم قتلت مستوطنة وجرح اثنان، وأصيب إسرائيلي بجروح بعد طعنه.
يعود تصاعد العمليات والاحتجاجات في القدس تحديداً إلى إحساس متعاظم لدى الفلسطينيين باستهداف مدينتهم وأماكنها المقدسة، فالقدس أصبحت مطوّقة بـ 600 ألف مستوطن في الضفة تقوم حكومتهم منهجياً بعمل ممنهج لفصلها عن الجسم الفلسطيني وقمع وتهجير سكانها.
تشير العمليات والاحتجاجات أيضاً إلى رغبة فلسطينية متصاعدة في مواجهة التطرّف الإسرائيلي المتزايد الذي لا يقابله غير تواطؤ سياسي عربيّ وتراجع فلسطيني رسميّ من دون مشروع سياسي مقنع لمجابهة العدوانية الإسرائيلية غير التفاوض، وهو الخيار الذي لا يملك في الظروف العربية والعالمية الراهنة فرصة حقيقية لمقاومة إسرائيل.
وتؤشر العمليات أيضاً إلى بدء التحاق الحالة الفلسطينية بحالة التغيير الكبرى التي تجري في المنطقة العربية، والتي بدل استيعابها والتكيف معها، عملت بعض الأنظمة العربية والإقليمية والدولية (و»منتجاتها التاريخية» من تشكيلات طائفية شيعية وسنّية مسلّحة) على حرف أو صد موجتها الأولى في مصر، واليمن، وساهمت في إدخال سوريا وليبيا في فوضى هائلة.
يلتقي الفلسطينيون الهاربون من فظائع الحروب بإخوتهم العرب في سفن اللجوء وطرقه البرية والجوية، كما يلتقون، مجدداً، في مكافحة الاحتلال العنصري الإسرائيلي والاستبداد العربي، وهي مهمة تبدو مستحيلة لكن أوانها قد جاء.

رأي القدس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية