«عزلة» للشاعر جلال باباي: من ألم الروح إلى ألم الجسد

حجم الخط
0

ظل الشاعر جلال باباي سنوات طويلة شاديا وحالما ملوحا براية الشعر، ومساهما في تنشيط المشهد الشعري، باعثا الكثير من التظاهرات الأدبية ومساهما في أخرى. انطلاقا من»أكودة» في الساحل التونسي بعث بكلماته ونشرها في كل الدروب، مفعما بالفرح والعشق والأمل. لكنه يعود في هذه المجموعة الشعرية متألما وملوحا بعزلته وآلامه، ومحتفيا من جديد بالشعر.
ولعل هذه الحالة يمكن فهمها من خلال قراءة عامة للمجموعة، ولكننا سنحاول ارتيادها من زاوية الصور الشعرية، التي لن تتناولها من زاويتها البلاغية ولا في طبيعتها الفردية، ولكن بصفتها تنتمي إلى حقل دلالي معين، وإلى استعارة كبرى تتفرع عنها الصور والمعاجم الشعرية، وبصفـتها تنتمي إلى ظاهرة من ظواهر المجموعة. وهو ما يجعلنا نقترب من بعدها الدلالي، فهذه الصور تنتج المعنى إنتاجا جماليا. وقد ارتأينا الخوض فيها من خلال ثلاثة نماذج من الصور التي تشكل بعض ظواهر هذا العمل. فالشاعر بنى كونه الشعري مستندا إلى عالم الفصول وأصداء الذاكرة وأوجاع الجسد.

فضاء الفصول

تتواتر في هذه المجموعة مفردات تحيل إلى الفصول الأربعة، وتتصل بها، فالشاعر يجعل الفصول منبعا من منابع صوره الشعرية، مستعيرا منها طبيعتها وألوانها وطقوسها، موظفا بذلك رمزية هذه الفصول ودلالاتها، لتسهم في إنتاج المعنى ورسم ملامح الذات الشاعرة، لكن الغالب على هذا الاستخدام أن هذه الفصول ترد على غير صورتها الطبيعية المألوفة، فكأن الشاعر عمد إلى قلبها وتحويلها من صورتها الأولى إلى صورة جديدة، فلا الشتاء شتاء ولا الربيع ربيعا. فالشتاء يفقد صلته بالبرد ويرتبط بالنار واللهب:
«ظلت صبابتي تحترق بلهيب الشتاء»
ويتصل بالقحط والرماد:
«ثم أهرع إلى شتاء ممتلئ بالقحط والرماد»
ولعل هذا الاستعمال للنار يحيلنا إلى إنشائية بلاشر واعتباره النار من أهم مصادر التخييل الشعري، فالنار تشكل واحدا من أهم ينابيع الصورة الشعرية. أما الربيع المعروف بالاخضرار فيقترن باليباس والجفاف:
«خلت خريف عمري في حضرتها ربيعا
فعم اليباس ونضب ياقوت المنجم»
وعلى هذا النحو ترد الفصول في عدد من القصائد فاقدة دلالاتها المألوفة، وموحية بدلالات جديدة يكتب الشاعر عبر مراياها أوجاعه ويرسم عزلته. ولعل في هذا الاستعمال نوعا من شكوى الزمن. هذه الشكوى التي يدور حولها هذا العمل الشعري.

فضاء الذاكرة

تتسلل الذاكرة إلى قصائد المجموعة، وتنسج صورها الشعرية وتعطرها بالماضي الحالم، فتظهر صورة الطفل وعوالمه منبعا من منابع الصور الشعرية. فالشاعر يكتب صوت الطفل فيه، مستعيدا طفولته وأشياءها. ولعل هذا ما نسجله في أمثلة عديدة منها قوله: «حلمت البارحة ببلهوان القفز» أو «ألاعب كجتي تحت أصابع من رخام». فهذه الألعاب مرتبطة بالطفولة الحالمة، وهي تبني عالم الطفولة المستعاد في هذه المجموعة شأنها شأن دروس المدرسة، إذ نجد توظيفا لمواد القراءة والمحفوظات والحساب على غرار ما نجده في هذا المقطع: «ومثل رفقاء دربي ورّقت كراس المحفوظات». ولكن فضاء الذاكرة لا يقتصر على عوالم الطفولة، بل نجد حضورا للعديد من الأشخاص ممن أهداهم بعض القصائد، أو استعاد ذاكرته معهم. ويمتد هذا الفضاء إلى الأماكن التي مرّ بها الشاعر فتحضر في قصائده قريته أكودة موطن رأسه التي استعار لها تسمية أم القرى:
«كدية تتماهى بفتنة مناراتها
بيوت تتطاول على غيمات السماء
صومعة القرية تحمي خطاطيفها من صهيل الخريف
هي غواية أخلفت مسار الوافدين
شوقي لم يطل عتبات «اتيكودا»
وتأخذه الذاكرة إلى «لافابياس» الإسبانية:
«هي أزقة مدريد حوت حلمي بلا مزايدة
ودعتنا أرصفتها الأندلسية إلى مأدبة من تمر ولبن»
فالشاعر يزخرف قصائده بالذاكرة، ولعله يستعيد بذلك لحظات حالمة من عمره، ويكتب اندفاعه وحماسه للحياة والإبداع، ولكن هذه الذكريات الجميلة تقابلها حالة العزلة وانقلاب الحياة، فكأن الذاكرة تحضر من باب التحسر على الماضي.

فضاء الجسد

يلمس القارئ حضور الجسد في هذه المجموعة، فالشاعر يستدعي صورة الكهل المريض العاجز عن المشي، ويكرر حضورها في عدد من القصائد فيصبح ألم الجسد منبعا للقول الشعري وهما من همومه. فالشاعر يلاقي قراءه بهذا الجسد المريض:
«الآن وهنا أتكئ على وتدين» و«خانتني صيف المسير يسراي» و«أنا طريح الرصيف كسير»
صارخا ضد الألم ومعبرا عن الملل:
«أعيدوني مترجلا إلى دفء منفاي
مللت دثار الفراش»
وهو يكتب فراش المرض والعزلة:
«أنا ماكث فوق ربوة الفراش يتيما
يلازمني نزر من وريقات عذراء»
ولعل الشاعر يقترب في هذا المستوى من ذاته وواقعه وهو يصور حالته الخاصة فهو يكتب مرضه المفاجئ الذي حل به مقاوما الألم بالكتابة. ولعلنا نخلص إلى أن هذه الصور تبدو متداخلة ومتضاربة، لكنها تتضافر لتكتب حالة الشاعر وترسم المعنى. فاضطراب الفصول وتبدلها والحنين إلى الماضي هو رسم لعزلة الروح، أما استدعاء الجسد فكتابة للألم والمعاناة التي يمر بها الشاعر أثر حالة المرض الذي داهمه. ولا يمكن في نهاية المطاف إلا أن نعبر عن خالص تعاطفنا مع الشاعر جلال باباي ونتمنى له الفـــرج والخلاص فساحة الكلمة مازالت تحتاج إلى شدوه وصداحه.

٭ كاتب تونسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية