قال عز الدين ميهوبي الوزير السابق والأمين العام بالنيابة لحزب التجمع الوطني الديمقراطي، إن مهمته على رأس هذا الحزب الذي يوجد أمينه العام السابق في السجن ثقيلة، مشيرا إلى أن ما حدث في 22 شباط/فبراير كان هزة عنيفة لم يتوقعها أحد، ولا يمكن لأي حزب أو تنظيم أن يدعي وصايته على الحراك، مشيدا بالدور الذي لعبه الجيش منذ بداية الأزمة السياسية، لأنه حفظ دروس التاريخ السياسي الجزائري، ورفض الدخول في متاهة المراحل الانتقالية وأدار ظهره لإغواءات السلطة عكس جيوش أخرى أقبلت على السلطة كلية أو تقاسمتها مع جيوش أخرى.
* أنت اليوم على رأس التجمع الوطني الديمقراطي، هذا الحزب ودعني أقولها لك بصراحة، لديه سمعة سيئة لدى عموم الجزائريين، ويكفي أن نقول إن أمينه العام السابق أحمد أويحيى موجود في السجن بتهم فساد، هل تشعر بثقل المسؤولية ولماذا قبلتها؟
**أي مسؤولية هي ثقيلة مهما كانت طبيعتها، خاصة في الظروف التي تعرفها الجزائر حاليا، وهي تمر بمرحلة تقتضي الكثير من الصبر والحكمة، واستجماع القدرات الذهنية لمواجهة كل الأسئلة التي تطرح. التجمع الوطني مكرس في الساحة السياسية منذ 1997 والجميع يعلم طبيعتها، كانت مؤسسات الدولة مهددة، وكان ضروريا أن تظهر قوة سياسية لتساعدة في مرور بالبلاد من مرحلة انهيار ركائز الدولة، وهو ما حدث. الجيش بكلّ مكوّناته قام بدور كبير في تلك الفترة، في التصدي لقوى الإجرام والإرهاب التي استهدفت الدولة والمجتمع معا، وبالتالي فإنّ استرجاع الشرعية المفقودة يقتضي المرور عبر مؤسسات منتخبة، وكان التجمع الوطني الديمقراطي من الأحزاب التي ساهمت في استعادة هذه الشرعية من خلال أول برلمان تعددي عرفته الجزائر منذ الاستقلال، وعلى صعيد شخصيّ، كنت من الذين انتسبوا إليه منذ تأسيسه، وبالتالي هناك رابطة حميمية بيني وبينه، إذ أصبحت نائبا باسمه عن الدائرة الانتخابية للمسيلة، واستفدت كثيرا من الممارسة البرلمانية، وبقيت وفيا له، رغم الهزات التي عرفَها وعرفتها البلاد خلال مراحل كثيرة، إذْ أنّهُ ضم كفاءات قدمت الكثير للجزائر، وإذا كان هذا الحزب قد حصل على 156 مقعدًا في الانتخابات البرلمانية لسنة 1997 فإنه تعرض إلى هزة عنيفة في انتخابات 2002 إذ فقد أكثر من الثلثين، وللتذكير فإنّ النّاس اعتقدوا منذ البداية أنه وُلد من صلب من الإدارة والسلطة.
* وُلد بشنبات كما يقال.
**نعم، ولد كبيرا بالقامات السياسيّة التي كانت تمثّله.
*وزُور له في انتخابات 1997؟
**هكذا يقولون.. أيّ انتخابات، في أيّ بلد ولو كان ديمقراطيا، تكون مشوبة بتهمة التزوير.
* لكن هناك لجنة تقصي حقائق برلمانية أقرت بوجود تزوير كبير.
**تقرير هذه اللجنة لم يظهر.
* التقرير اختفى…
** لا أدري، ولا علم لي بمصير التقرير.
*على الأقل في المخيال العام، هذا حزب التزوير، حزب السلطة الأول في عهد زورال، ولما جاء بوتفليقة فضل عليه حزب جبهة التحرير الوطني، أليس صحيحا؟
** من بديهيات السلطة أن يكون هناك حزبٌ حاكم.
*لكن لا يُزور له، ولا يمنح المقرات والتسهيلات، فضلا عن أنّ كوادر الدولة انتسبوا بشكل جماعي إلى التجمع.
**هذه مسألة اختيار مبنيّة على قناعات، أنا شخصيا لم يسبق لي الانتساب إلى أيّ حزب، التجمع هو أول وآخر حزب انتسبُ إليه، الميلاد كانت تشوبه الكثير من الصعوبات، لأن التوقيت لم يكن سهلا، فحزب جبهة التحرير الوطني عاد من بعيد، فأنا كنت رئيس تحرير جريدة “الشعب” وأذكر جيدا أن الحزب (جبهة التحرير) لم ينل سوى 15 مقعدًا في الدور الأول من انتخابات 1991 الملغاة. الحزب واجه صعوبات في مواجهة الاستحقاقات المقبلة، فالشعور العام الذي كان سائدا في تلك الفترة لدى الكثير في التيار الوطني، أنّهُ، أي التيار، كان يبدي مخاوف على مستقبل البلاد ووحدتها، لذا جاءت مبادرة إنشاء هذه القوة السياسية الجديدة، بالتفاف التنظيمات النقابية والمهنيّة الكبيرة، العمّال والفلاحين والمجاهدين، وشخصيات سياسية كثيرة حول مشروع التجمّع الوطني الديمقراطي، والتوقيت كان مناسبا لإنشاء قوة للمساعدة في إخراج البلاد من الأزمة، هذه مرحلة يمكن أن يكتبَ فيها الكثير، في 2002 تعرض التجمُّع إلى ضربة قوية، وهذا ما حرره من أيّ تبعيّة، وبدأ في التخلّص مما ساد آنذاك من أنّهُ حزب السلطة والإدارة، بدليل أنه في انتخابات 2002 لم يحصل في 15 ولاية على أي مقعد. وربّ ضارّة نافعة.
* ألا يعود هذا للتغيير الذي وقع في الرئاسة؟ فبوتفليقة لما جاء إلى السلطة أعاد جبهة التحرير إلى الواجهة على حساب التجمع الوطني الديمقراطي؟
** هناك من فسّر هذا التحوّل لكون الرئيس في تلك الفترة قال أنتم تعرفون انتمائي. نحن في التجمّع شعرنا أنّ هناك حاجة لأن يكون لنا حزبٌ ينظر إليه كحزب وطنيّ جمهوريّ عادي كبقية التشكيلات السياسية في الساحة.
* وهل كان حزبا عاديا؟
** نعم كان حزبا عاديا، وبدأ يعمل على أن يوسّع في قاعدته الشعبية، وهذا ما سمح له تدريجيّا بتحسين مركزه في مختلف الانتخابات، وأصبح عدد منتخبينا يعدُّ بالآلاف في المجالس المحلية، فضلا عن النواب في البرلمان بغرفتيه.
*كل هذا مطعون فيه، لأنكم حزب السلطة، الإدارة كانت تدعمكم، الكثير من الوزراء كانوا من التجمع، طوال 20 سنة كنتم جهازا داعما لبوتفليقة، مثلكم مثل جبهة التحرير الوطني وغيرها من الأحزاب.
**الحزب عندما تأسس منذ البداية كان هدفه دعم مؤسسات الدولة، لأنّ مفهوم الدّولة عند الجزائريين يكتسي قيمة ذاتيّة، أي لكل جزائريّ نصيبٌ في بناء هذه الدّولة، وممارسة ذلك تتمّ عبر تعميق حسّ المواطنة، وللحزب مشروعه وتصوره وقناعاته، أما ربطه دائما بكيان معين، فهذه صورة نمطيّة أعتقدُ أنّها في حاجة إلى إعادة تحميض، شخصيا واكبتُ الحزب وسايرت كل مراحله، وأعرف الصعوبات التي تعرض لها في الكثير من الاستحقاقات الانتخابات، بل وتعرّض إلى الكثير من المظالم، ويمكن العودة إلى مختلف الانتخابات، وآخرها انتخابات تجديد مجلس الأمة، ولكننا آثرنا الصمت بعد الذي تعرّضنا له حفاظًا على الاستقرار، وعدم الدخول في سجالات لا تنتهي.
* وربما فعلتم خوفا من الدخول في صدام مع الرئاسة السابقة. دعنا نتكلم بصراحة كان هناك تيار جارف في عهد بوتفليقة، إما أنك تساير التيار أو يجرفك، أليس صحيحا؟
** قد لا يختلف اثنان حول هذه المسألة، وطبيعي أنّ أيّ مجموعة تسعى للاستفادة من المكونات السياسية لمرحلة معينة لتحقق الكثير من الأهداف. التجمع الوطني كان يسعى للنّأي بنفسه عن الكثير من الممارسات، وهذا ليس بالأمر الهيّن، ولا مغالاة إذا قلت إن هناك مقاومة كبيرة كان يبديها مناضلوه بعد أيّ استحقاق انتخابيّ، وشخصيّا عايشتُ في دورات المجلس الوطني للحزب الغضب الشديد الذي يَعْقُبُ هذه الانتخابات، يعبّر عنه قياديون ومناضلون بسبب السقف المحدود للردّ على ما تعرض إليه الحزب، وهذا يبيّن أن هناك غيرةً كبيرة على الحزب. ولعلّ هذا ما يفسّرُ عدمَ تعرّضه إلى هزات عنيفة بعد حراك 22 فبراير، لأنّ مناضليه مقتنعون أكثر من أيّ وقت مضى أنّ حزبهم بحاجة إلى مراجعات أعمق في تعاطيه مع المتغيّرات الجديدة.
* بما أنك تتكلم عن المراجعات، وأنت كنت وزيرا في عهد بوتفليقة مرتين، هل بالنظر إلى التطور الذي عرفته الأحداث، هل ندمتم على دعم بوتفليقة، والتكلم عنه بذلك التبجيل والتفخيم، واليوم معظم رجال بوتفليقة في السجن؟
** يجب أن نأخذ كل شيء في سياقه الزمني، أنا واحد من جيل الاستقلال، درستُ في المدارس الشعبية النظاميّة، وعشت ربما حرمانا كبيرا في طفولتي مثل الآلاف من أبناء الشعب، لكني اجتهدت وآمنت بأن أكون ذلك المواطن الذي يستفيد مما أتاحت له دولة الاستقلال من إمكانيات النجاح، لم نولد وفي أفواهنا ملاعق من ذهب.
*وعرفت الذهب بعد ذلك.
**(يضحك) الحمد لله، كل ما حصلت عليه هو في النهاية نتيجة جهد وتعب، ولم يأت من فراغ، ووجدت الدعم والمساعدة من المحيط الذي آمن بوجود قدرات ما لديّ في مجالات معينة، وبالتالي علينا ألاّ نختزل مسار شخص ما في حالة عابرة، أو نلغيه تمامًا لمجرّد أنّنا نختلف معه في الرؤية أو الهدف، لذا كل شيء يؤخذ في سياقه، وكل مرحلة تتسم بأسلوب في إدارة شؤون الحكم، قد تكون بعض المؤسسات مشوبة بنقص في الشرعية، أو مطعون في وجودها، لكن نحن تربينا على أن هناك شيئا اسمه الدولة، والدولة كما قلت آنفًا في مفهوم الجزائريين أن كل عائلة تشعر أنّ لها نصيبا فيها، إما بدماء أبنائها كشهداء، أو من عرق أبنائها في إرساء ركائز مؤسسات هذه الدولة، إذن في بعض الدول تسعى فئات للاستفادة أكثر من خلال ممارسات سلبية، نحن كان لدينا إيمانٌ بالدولة، أجيبُك بشفافية عالية، أنا كنت وزيرا في الدولة الجزائريّة وفقط.
*أكيد، سؤالي لم يكن من هذا الباب، سألتك أنت كنت وزيرا من وزراء بوتفليقة، لأن في تلك المرحلة، الدولة تمت شخصنتها، بوتفليقة كان يقول أنا الدولة، وأنا أجسد الدولة، وحتى كحزب هل التجمع نادم على دعم بوتفليقة بتلك الطريقة؟
** أحيانا تضعك الأقدار في مثل هذه الفترات التي تعرفها الدولة، توكل لك مهمة في مجال الإعلام والاتصال أو الإدارة أو الثقافة، أنا كنت وزيرا ثم مديرا ثم في مسؤولا على رأس هيئة، لا إشكال لدي، أنا في كل موقع أشعر أنني خادم للدولة ومن خلالها للشعب، أنتَ تسعى دائمًا لتحسين أدائك وتقويم أخطائك، ولما تقوم بشيء إيجابي أيضًا تكون في حاجة إلى من يدعمك أكثر ليكون أداؤك أفضل، وكلّ الذين مارسوا مسؤوليات ما في مواقع للدولة يدركون أنّ إغواءاتها صعبة جدا.
*هل أغوتك المسؤولية يوما؟
** أبدا، كلُّ تعرف أنني إنسان شعبيّ، لما انتهي من مهامي الرسميّة أتصرف بشكل عادي، تجدني في المقهى أو في الشارع أو في السوق، لهذا كنتُ كثيرًا ما أعثر على صور لي في مواقع التواصل الاجتماعي، اختطفها لي مواطنون في مواقع عامة. المعضلة هي أنّهُ إذا استقرّت المسؤولية في رأس الشّخص يصير من الصّعب إعادتها إلى الأرض. يجب ألاّ يتخلّى المسؤول عن المواطن الذي يسكنه.
*خلال السنوات الخمس الأخيرة على الأقل، عندما غيب المرض الرئيس بوتفليقة، كان الإلحاح على ذكر اسم الرئيس مبالغا فيه، هل هذا طبيعي؟
**السائد آنذاك كان تطبيق برنامج الرئيس في كلّ المجالات، وبالتالي إنّ ما تقوم به في هذا القطاع أو ذاك من منجز يقال هذا يدخل في إطار برنامج رئيس الجمهورية، وبالتالي هذه المسألة تكرست بطريقة آلية في أدبيات تلك المرحلة.
*سألح عليك مجددا، هل التجمع اليوم نادم على دعم بوتفليقة، وإن لم يكن نادما، هل حفظ الدرس ومهما كان الرئيس المقبل لن يندفع في دعمه بطريقة دعمه لبوتفليقة؟
** كنت قلت قبل أيام، طبيعي جدا، أن الهزة أو الصدمة التي أحدثها حراك 22 شباط/فبراير الماضي، إن لم نقرأه جيدا، ونفكك أسئلته بصورة واعية فما الفائدة من أن تحدث مثل هذه الأشياء، كانت عبارة عن صرخة مواطن يطالب بتغيير ممارسة الحكم، ومراجعة كل الأشياء التي يشعر المواطن أنها كانت سببا فيما آل إليه الوضع، لهذا أنا أتحدث عن ضرورة الحديث عن الدخول في مرحلة المراجعات، مثلما كانت تعمل الجماعات الجهادية، نحن أيضا بحاجة إلى مراجعات بشأن ممارسة السلطة، وسيكون النقد الذاتي عميقًا جدّا، بل سيكون تجمُّع ما بعد 22 فبراير مختلفا عمّا قبله، لا بدّ من التكيُّف مع المتغيّرات دون التخلّي عن المبادئ.
*هل تشعر أنكم كنتم من الضالين؟
**كنا نشعر بحاجة إلى إعادة النظر في الكثير من الأشياء، وهذا لا يعني التجمع الوطني وحده، بل الجميع، أحزاب موالاة ومعارضة، لأن المواطن الذي خرج إلى الشارع لم يكن في ذهنه التجمع الوطني فقط، بل هو كان ناقما على كل شيء، لا أحد بمنأى عن غضب الشارع، لهذا فإن التوقيت مهم لمراجعة الكثير من الأساليب والممارسات، وجبَ علينا أن نقيم مسافة بيننا وبين الكثير من الأشياء السائدة، بل إنّ أول مطلب كان من شباب التجمع الذي التحق بالحراك منذ الأسابيع الأولى هو إعادة النظر في الكثير من المسلّمات.
* لكن هناك من يتهمكم في هذه النقطة بمحاولة الاستيلاء على الحراك؟
**لا أبدًا، أنا أتحدّثُ عن شبابنا الذين نزلوا بعفويّة إلى حراك الشارع وهذا حقُّهم، هذه حقائق وليس ادعاء، وهم لم يتمردوا على الحزب، بل تصرفوا كمواطنين، لهذا فإن ما حدث في 22 شباط/فبراير لا يمكن لأي حزب أو تنظيم أن يدعي وصايته عليه، لأنه كان عبارة عن حركة مواطنية تولدت نتيجة تراكم وضع عام وصل في لحظة ما حالة انفجار رفضًا للوضع القائم الذي كاد يودي بالذهاب بالدولة إلى ما لا يحمد عقباه. التجمع يدرك التحديات التي تواجهه، وسنقوم بحراك ذهني لدى مناضلينا، وهم جاهزون لتجاوز المرحلة بإيجابية وبوعي كبير، ومثلما قلتُ، سيحافظُ الحزب على المبادئ التي تأسس عليها، سيظل داعمًا للدولة من خلال ما يراه مفيدا لاستقرارها ومناعتها، وسنتقاطع مع كل من نرى أنه يتفق معنا في بعض القناعات والتصورات.
* حتى مع أحزاب المعارضة؟
** طبعا، مهما كانت التوجهات، الذين نتقاطع معهم في القناعات والتصورات سيتمُّ ذلك بشكل علني. بعيدًا عن المنطق الشعبوي.
*هل يمكن لحزبكم أن يرى نفسه في المعارضة؟
** يمكن أن يعارض بعض الممارسات السلبية، لا يمكنه أن يغلق الأبواب دون إبداء رأيه، لكن إذا أصبحت السلطة في يد أناس تختلف معهم في الخط والتوجه العام، تلقائيا تجد نفسك معارضًا هذا الخط الجديد. إذا كانت فقدتَ أغلبيّتك البرلمانية تعيد النظر في حساباتك.
*بالنسبة لأحمد أويحيى الموجود في السجن، هل ما حدث له كان متوقعا بالنسبة لك؟
** لا أستطيع أن أقول لك إنني توقعت ذلك، لأنّ الذي يحدث في الجزائر ارتفع فيه السقف عاليا جدا، لا أحد كان يتصور أنّ الذي يحدث تجاوز ما كان يتصوره المواطن العادي، لأنه اعتاد على أنّ ثقافة اللاعقاب كانت سائدة، وإن تم الحساب والعقاب فبمستويات دنيا، والآن هناك مسعى كبير من طرف القضاء لاستعاد دوره القوي، وهنا أقول، وهذا موقفنا المبدئي، العدالة اليوم تمتلك السلطة والقدرة وهي الأدرى بمضامين الملفات المعروضة عليه.
*هناك من يطالب بالتحقيق في تسيير وزارة الثقافة في فترة استوزارك، ألا يزعجك الأمر؟
** أبدا، ولماذا أنزعج، لا أعتقد أنّ هناك استثناء أمام القانون. كل الناس معرّضون للحساب، ويجب أن تكون تسود هذه الثقافة، حتى لا يشعر أي كان أنه بمنأى عن المحاسبة بخصوص تسييره، وفي المقابل يجب أن تكون هناك ثقافة تثمين الأداء المغيّبة في أدبيات الحوكمة.
* هل ترى أن القضاء يسير في الطريق السليم، رغم انتقادات وتحفظات البعض؟
** المواطن كان يخشى الذهاب إلى القضاء، ويشعر أنه سيخسر قضيته، وأنه لن يحصل على الحكم المنصف له، يجب أن نخلص العدالة من كلمة جهاز، نريد عدالة مستقلة، تُصدر أحكامها باسم الشعب الجزائري، وألا نحاول أن نطرح أحكاما قيمية بشأنها. لهذا فنحن ننأى بأنفسنا عن التعليق على أحكام العدالة.
* لما نرى عدد المسؤولين السابقين الموجودين في السجن وكذا عدد رجال الأعمال المحسوبين على السلطة البائدة، هل يمكن القول إن فترة حكم عبد العزيز بوتفليقة كانت فترة فساد بامتياز؟
** الفساد ظاهرة موجودة في مجتمعات العالم كله.
* لكن لا يوجد بلد في العالم لديه هذا العدد الكبير من المسؤولين السابقين في السجن، هل هذا طبيعي؟
** ربّما هذا يعكس حجم الذي استشرى في مفاصل الدّولة. قلتُ ما نعرفه هو أن ظاهرة الفساد منتشرة في الكثير من الدول، وتُطلعنا أحيانًا وسائل الإعلام على التقارير التي تصدرها منظمة شفافية دولية، التي تتتبّعُ أحوال الدّول فيما إذا كانت الممارسة الاقتصادية والمالية نظيفة وشفافة، وكل الدول تضع آليات لمواجهة هذا الداء المنتشر في السياسة والاقتصاد ومجالات أخرى، والجزائر للأسف تصنّف في الخانة السوداء، والملفات التي يكشف عنها القضاء يوميا في هذه الفترة تؤكّد ذلك، نتمنى أن تتخلص الجزائر من هذا الوباء الذي ينخر جسم الاقتصاد ويمتد إلى مفاصل الدولة، وهذه مسألة تقتضي عملا كبيرا وصبرا أكبر على المؤسسات القائمة عليها، حتى يستعيد المجتمع عافيته.
* هيئة الحوار والوساطة، تقول إن الأحزاب التي شاركت في السلطة السابقة لن تكون جزءا من الحل، أي التجمع الوطني وجبهة التحرير وغيرها، ما رأيك؟
** نحن منذ البداية رحبنا بإنشاء هذه الهيئة، وثمنا وجود شحصيات فيها، وندعمها بلا شروط، فدعمنا للحوار يبقى ثابتا انطلاقا من قناعتنا أن المصلحة العليا للوطن تعلو عن المصالح السياسية والحزبية الضيقة، حتى رغم انتشار هذا الكلام، الذي هو بحاجة إلى تعمّق أكثر، لأن المسألة لا تخص حزبنا فقط إنّما قوى سياسية لها حضور في الساحة، ونشأت بموجب الدستور وقوانين الجمهورية، وبالتالي فإن التفكير في استبعادها أو إقصائها لا أعتقد أنّه سيعزّز مناخ الحريات السائد، ونحن قلنا إن دور الهيئة هو أن تكون مديرة للحوار وأداة مهمة في بنائه، ووضع الأرضية التي تقود إلى انتخابات رئاسية سريعة يخرج عنها انتخاب رئيس جمهورية بطريقة ديمقراطية في إطار من النزاهة والنظافة، أردنا من الهيئة أن تكون على مسافة واحدة من الجميع، وأن تتعامل مع الجميع بدون خلفيات مسبقة، ودون تأثير أي طرف، نحن لدينا وجود في المجالس المحلية والبرلمان بغرفتيه، يجب أن نستمع لهذه الأحزاب قبل أن نحكم عليها، ربما ما تقدمه يشكّل قيمة مضافة في الحوار.
* لكن ألا تشعرون في التجمع أن الشارع على الأٌقل في جزء كبير منه يرفضكم، لأنكم جزء من النظام السابق؟
** شخصيا عندما ألتقي الناس في الشارع يقولون نتمنى أن يتم تنظيف الحزب، وأن يكون خادما للمجتمع، أنا أسمع كلاما مثل هذا، وأقرأ أشياء أخرى في وسائل الإعلام أو مواقع التواصل الاجتماعي، هذه مسألة ربّما تحتاج إلى استفتاء لأن الذي يلغي حزبا هو الدستور والقانون، ومناضلو الحزب الذين يمكنهم أن يقرروا حله إذا لم يعد مجديّا، أنا سمعت بعض الحقوقيين الذين لهم مسار في الممارسة الديمقراطية يدعون إلى إقصاء أو حلّ الحزب أو أحزاب أخرى، في هذا الوقت بالذات الذي تعززت فيه الحريات بعد 22 شباط/فبراير، هل في زمن الحريات نتحدث عن الإقصاء، إذا تعرضت إلى الإقصاء بالأمس لا أعتقد أنّه من المجدي أن تُشهرُ مفردة الإقصاء وتعمل على توظيفها من جديد، نحن نرضى بحكم الصندوق.
* لكن تعلم أن الجزائري لا يثق بالصندوق، وكل النقاش والصراع القائم هو بشأن الصندوق؟
** نحن محكوم علينا ببناء مناخ من الثقة، بداية كأحزاب هل من المعقول أن يُغلق هذا الحزبُ بابه في وجه الآخر، يجب أن نقترب أكثر من بعض من بعض، ولا بأس من المكاشفات.
* ما هي نظرتك للطريقة التي تعاطت بها المؤسسة العسكرية مع الأزمة القائمة؟
** يمكنني القول إننا محظوظون بوجود مؤسسة عسكرية أدركت منذ البداية حجم التحدي الذي تواجهه الجزائر، واكبت منذ بدايته الحراك وأمّنت له شروط السلمية، وأكثر من هذا تفاعلت معه وساعدت في تحقيق أغلب مطالبه، وأولاها الدفع نحو استقالة الرئيس السابق، وبعد 25 أسبوعا لم يحدث أي انزلاق والحمد لله، في حين أن مؤسسة الجيش أبقت على التزامها بالإطار الدستوري.
*وهذا ما تسبب في لبس ربما لدى جزء من الحراك، والذي أصبح ينتقد قيادة الجيش، أليس كذلك؟
**جرت في أعراف الكثير من البلدان عند تعرّضها لأزمات سياسية عميقة، يتدخل الجيش، وأول ما يقوم به هو تعطيل العمل بالدستور، ويقوم بحل الأحزاب وحل المؤسسات القائمة، ويحدث الفراغ التام، ثم يعلن عن فترة انتقالية لثلاث أو أربع سنوات، هذا لم يحدث في بلادنا لأن المؤسسة العسكرية قرأت جيدا تاريخ الجزائر السياسي، ففترة الرئيس بومدين الانتقالية دامت 11 سنة، والفترة الانتقالية بعد استقالة الرئيس الشاذلي بن جديد دامت 4 أو 5 سنوات، وهي تدرك أنه في المراحل الانتقالية يتم إفراغ البلد من الشرعية، وإدارته بمشروعية استحداث هيئات انتقالية، وهذه تنطوي على مخاطر كثيرة، وتعطل المسار الديمقراطي، والجيش الجزائري قدم درسا كبيرا في هذه المرحلة، لأنه التزم بالدستور، ورغم ذلك وُجهت إليه سهام بعض الدوائر، ماذا لو خرج الجيش بمترين أو ثلاث عن الدستور، هل كانوا سيمدحونه؟ الأكيد لا، وأنه كان سيتعرض لانتقادات قاسيّة من منظمات دولية، ثمّ إنّ الجيش أعلن على لسان قائد أركانه أن المؤسسة العسكرية غير معنيّة بالسلطة رغم إغواءاتها، ونحن نرى كيف أن الجيوش تتقاسم السلطة مع قوى أخرى، لكن الجيش الجزائري يدفع بقوة نحو الحوار بهدف تنظيم انتخابات رئاسية في أقرب الآجال حتى يتحمل الرئيس المقبل مسؤولياته كاملة.