دمشق – «القدس العربي»: نفذت المقاتلات الحربية السورية والروسية، أكثر من 70 غارة أمس على مدن وبلدات شمال غربي سوريا، مواصلة تصعيدها الأعنف من نوعه، في وقت تشهد فيه جبهات محافظة إدلب ومحيطها محاولات متكررة للتقدّم من قبل قوات النظام السوري المدعومة جويّاً وبريّاً من روسيا وإيران، حيث خسرت القوات المهاجمة أكثر من 10 عناصر، في رد المعارضة على الهجمات المتكررة التي استهدفت مناطق نفوذها في ريف إدلب، ما خلف قتلى وجرحى بين المدنيين، وهو ما دفع الأمم المتحدة، إلى تجديد قلقها إزاء الأوضاع الإنسانية ووصفها بـالمأساوية، لا سيما مع عجزها عن تأمين سلامة حوالي 3 ملايين شخص في إدلب والمناطق المحيطة بها، بينهم أكثر من مليون شخص من النازحين داخلياً.
من ناحيتهم لم يتخيل نازحون لجأوا منذ سنوات إلى مخيم قرب الحدود التركية أن صاروخاً سيلاحقهم إلى خيام يسكنوها هرباً من نيران المعارك على الأرض في شمال غرب سوريا. فمساء الأربعاء، حصدت ضربة صاروخية نفذتها قوات النظام، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان، حياة 16 مدنياً بينهم ثمانية أطفال وست نساء من عائلات تقيم في مخيم للنازحين في قرية قاح في محافظة إدلب. وغداة القصف، بدا حجم الأضرار في المخيم الذي يؤوي 3800 شخص موزعين على عشرات الخيم المغطاة بشوادر بلاستيكية زرقاء أو بيضاء اللون، كبيرًا. ويروي أبو محمود الذي نزح مع عائلته وأشقائه من محافظة حماة المجاورة قبل سبع سنوات، لوكالة «فرانس برس»، «بعد صلاة العشاء، سمعنا دوي انفجار قوي (..) جئت لتفقد منزل أخي لأجد النار مشتعلة في الخيمة».
قنابل محرمّة
وفي ريف اللاذقية يُحاول النظام السوري السيطرة على تلال كبينة الاستراتيجية، وكذلك على ريف معرّة النعمان الشرقي في محور تل الصرمان حيث تتمركز نقطة المراقبة التركية، فيما يقابل ذلك دفاع مستميت من قبل فصائل الجيش الوطني، التي تدافع عن آخر قلاعها شمالاً.
وعلى ضوء المواجهات المشتعلة بين قوات النظام السوري ومن خلفه موسكو وطهران، وقوات «الجيش الوطني» ومن خلفه أنقرة، استعادة الأخيرة الخميس السيطرة على قرية المشيرفة، وقتل مجموعتين من قوات النظام وأسر مجموعة أخرى تضم 7 عناصر، فضلاً عن اغتنام دبابة وتدمير بعض الآليات العسكرية.
المتحدث العسكري باسم الجبهة الوطنية للتحرير، المنضوية ضمن فيالق الجيش الوطني شرح حول المعارك التي تشهدها جبهات إدلب، وقال «بعدما بدأت قوات العدو بالتقدم على محور سنجار في ريف إدلب الشرقي وسط تمهيد مدفعي وجوي عنيف وبدأت بالاشتباك مع مقاتلينا في محاولة للسيطرة على قرية المشيرفة، تصدت قواتنا للهجوم حيث استهدفت مجموعة متقدمة بصاروخ موجه أرداهم بين قتيل وجريح مما اضطر بقية المجموعات للانسحاب، ثم عاودوا تكثيف نيران المدفعية والطيران باتجاه القرية حيث استخدمت الطائرات الروسية قنابل الفوسفور المحرم دولياً، فقام مقاتلونا بالانسحاب عن بعض النقاط وتجهيز كمائن عدة وانتظار القوات المهاجمة للدخول إلى أطراف القرية ثم الانقضاض عليهم والتنكيل بها حيث وقعوا بين قتيل وجريح وتم أسر 7 عناصر واغتنام آليات عدة وأسلحة وذخائر متنوعة واستعادة السيطرة التامة على المنطقة».
صواريخ النظام تطارد النازحين وتقتل 16 منهم في مخيم على الحدود مع تركيا
من جانبه قال المرصد السوري لحقوق الإنسان إن فصائل مقاتلة، ردت على مجازر قوات النظام والضامن الروسي في إدلب فقصفت «بالمدفعية الثقيلة أحياء مدينة حلب الخاضعة لسيطرة قوات النظام، استهدفت أماكن في السوق المحلية وأحياء الشهباء والخالدية وشارع النيل والـ3000 شقة بالحمدانية» لافتاً إلى ان الفصائل، استهدفت بقذيفة مدفعية، دشمة رشاش 12.7 تابع لقوات النظام على محور جمعية الزهراء بريف حلب الغربي».
وتزيد حدة المواجهات بين النظام والمعارضة ومن ورائهما من قوى دولية، بنسبة تتماشى مع ارتفاع وتيرة القصف على مدن وقرى آخر منطقة منخفضة التصعيد، حيث وثق الدفاع المدني السوري، أمس، استهداف 12 منطقة بعشرات الغارات 26 منها بفعل الطيران الحربي الروسي، بالإضافة إلى 11 قذيفة مدفعية وصاروخاً ثقيلاً محملاً بقنابل عنقودية، و 6 براميل متفجرة، حيث شمل القصف عشرات المدن والقرى في المنطقة بينها مدينتا معرة النعمان وكفرنبل. ورصد المرصد السوري، غارات من طائرات حربية روسية استهدفت مناطق عدة في الشمال بعشرات الغارات.
الباحث السياسي عبد الوهاب عاصي، اعتبر محاولات تقدم قوات النظام والقوى الداعمة له إصراراً على فرض أمر واقع في الميدان مع تجاهل أي تصريح من شأنه الإيحاء بانتهاء وقف إطلاق النار، ولفت في حديثه مع «القدس العربي» إلى أن ذلك لا يُشكّل مجرد خرق للتهدئة أحادية الجانب التي أعلنت عنها روسيا في 31 آب/ أغسطس 2019، التي تسعى تركيا للحفاظ عليها، انما يشير إلى إلحاح وعزم روسي على رسم خريطة جديدة للمنطقة.
ويُمكن فهم سلوك روسيا في التصعيد الصامت على إدلب، حسب المتحدث، من خلال حرصها على ممارسة قصارى ضغطها على تركيا بدون أن يؤثر ذلك على رغبتها بالحفاظ على سير التفاهمات الثنائية، لا سيما في ظل سعيها الدؤوب لتكريس انتشارها ووجودها شرق الفرات عقب إعادة انتشار الولايات المتحدة من مناطق الشريط الحدودي، ما أتاح المجال إلى تركيا لممارسة دور كبير ومؤثر فيه كفاعل رئيسي. لذا فضغط روسيا يهدف إلى تحقيق مطالبها في إقامة منطقة عازلة في إدلب تستجيب إلى شروطها بالتوازي مع تحقيق انتشار مؤثر وفاعل في المنطقة الآمنة شرق الفرات أي بإخضاعها لإدارة ورقابة مشتركة مع تركيا تعزز من نفوذها على حساب هذه الأخيرة، حسب رأي المتحدث.
قلق أممي
وفي الأثناء، جددت الأمم المتحدة، أمس، قلقها إزاء الأوضاع الإنسانية في جميع أنحاء سوريا ووصفتها بـالمأساوية، وأوضح المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك في مؤتمر صحافي في مقر المنظمة الدولية بنيويورك «أن أكثر من 11 مليون سوري منهم أكثر من 6 ملايين نازح بحاجة إلى المساعدة». وقال المتحدث «نشعر بقلق خاص بشأن سلامة وحماية حوالي 3 ملايين شخص في إدلب والمناطق المحيطة بها شمال غربي البلاد، بما في ذلك حوالي 1.6 مليون شخص من النازحين داخلياً».
من جانبها وثقت «الشبكة السورية لحقوق الإنسان»، في تقرير أصدرته الخميس بمناسبة اليوم العالمي للطفل، مقتل 29017 طفلاً في سوريا منذ اندلاع الحراك الشعبي نحو الديمقراطية، عام 2011، مشيرة إلى أنَّ السلطات الحاكمة لم تفشل فقط في تحقيق الحماية والاستقرار لأطفال سوريا، بل هي من قامت ونفذت أفظع الانتهاكات بحقهم، التي بلغت حد الجرائم ضد الإنسانية.
وحسب إحصائية الشبكة فإن أكثر من 22 ألف طفل قتلوا من قبل قوات النظام السوري منذ بداية الاحتجاجات ضد النظام السوري بينهم 186 قضوا خنقاً إثر هجمات كيميائية، و404 أطفال قتلوا في هجمات استخدم فيها النظام السوري ذخائر عنقودية أو إثرَ انفجار مخلفات قديمة لذخائر عنقودية، و305 طفلاً قضوا بسبب نقص الغذاء والدواء في العديد من المناطق التي تعرضت للحصار.