عشرة دروس دينية للملحدين!

في كتابه Relegion for Atheists الذي يمكن ترجمته (بتصرّف) بـ«شرح الدين للملحدين»، المتبوع بعنوان فرعي: «دليل لغير المؤمنين إلى استخدام الدين»، يقدم ألين دي بوتّون Alain de Botton أطــــروحة مثـــيرة للتفـكّر، فالفيلسوف البريطاني من أصـــل سويسري (ومصريّ) الذي يطرح نفسه ملحدا، يجد أن نظراءه من الملحدين يضيعون وقتا في مناقشة إن كانت الأديان «حقيقية» أم لا، وفي إنكار أنها هبطت من السماء على الأنبياء والقديسين.
كتاب دي بوتون، حسب رأيه، ليس للأشخاص المؤمنين بالمعجزات، وهو يقترح على قارئه «الملحد الملتزم» فكرة أن الأديان مفيدة ومثيرة للاهتمام، وتساعد على السلوان، ويطالبه بأن يكون منفتحا على إمكانيات توظيف أفكار وممارسات دينية في العالم غير الديني.
يتذكر ألين أن والده جيلبير (الذي ولد وعاش في الإسكندرية في مصر إلى أن اضطرّ للهجرة في حقبة جمال عبد الناصر) أبكى أخته ذات الثمانية أعوام لأنها افترضت وجود إله، وأن والديه كانا يشعران بالازدراء وبالشفقة التي يظهرها الناس للمعاقين عقليا، لمن يبدي لمحة عاطفة دينية من معارفهم، ورغم أن الكاتب كان مقتنعا بأفكار أبويه لكنه، في عشرينياته، دخل في «أزمة شكّ» (تشبه أزمات الشكّ التي تصيب المؤمنين)، بأثر من موسيقى باخ وأفكار فلسفة الزن، وهو ما جعله يفكّر في أن من الممكن استحضار أفكار دينية إلى العالم العلماني.
يتوقع الكاتب أن أطروحة كتابه ستزعج المتدينين والملحدين معاً، الأوائل بسبب الانتقائية التي يتبعها (فالأديان، حسب أتباعها، ليست «بوفيه» مفتوحا لاختيار ما تستسيغه وترمي ما لا تحبّ) أما بالنسبة للملحدين، فقد تكون الاستعارة من الأديان، التي قام مبدأهم على إنكارها، وإثبات بطلان معانيها ومبانيها، «جريمة أخلاقية».

تضامن الجماعة والجاهلية المتوحشة

بدلا من مقارنة ديانة من الديانات، أو تفضيلها على أخرى، يختار المؤلف مقارنة عالمين، يرتكز الأول على الدين، والثاني على الابتعاد عنه، مقسّما هذه المقارنة إلى عشرة دروس دينية يطرحها على الملحدين.
أول هذه الدروس (وأطولها) يتفحّص العلاقة الاجتماعية للمتدينين بالجماعة العامّة التي ينتمون إليها Community، وبناء على هذا التفحص يرى دي بوتون أن نقص الإحساس بالانتماء إلى جماعة هو أحد الخسائر التي تعانيها المجتمعات الحديثة (الغربيّة خصوصا)، وأنه تم استبدال تضامن أفراد هذه الجماعة وتضامن الجوار، بالمجهولية المتوحشة (ماذا لو استخدمنا مصطلح جاهلية؟) حيث يتواصل البشر على أسس فردية مقيدة بعلاقات المال والمصلحة والتقدم الوظيفي أو علاقات الحب الرومانتيكية والجنس. يرى الكاتب أن الناس في المدن الكبرى صاروا يعيشون في غيتوات قبلية مرتّبة على درجات التعليم والطبقة والمهنة، وتقوم هذه «القبائل» باعتبار باقي الإنسانية عدوّا، ويظهر هذا على المستوى الفردي بصعوبة إقامة محادثة مع أشخاص لا نعرفهم، وغالبا ما يكون صعبا، بعد عمر الثلاثين، إضافة أصدقاء جدد، ملاحظا أن هذه التطورات نشأت في الفترة التي بدأ فيها الغرب بالابتعاد عن الدين.

الطقس الديني يزعج العقل

يعتبر دي بوتون الطقس الديني مكانا نابذا للملحد التقليدي، فما يجري فيه «يزعج العقل» ولا يمكن استيعابه. طقس يستمر لفترة طويلة ويصعب عليك أن تغالب رغبتك في النوم خلاله، ورغم ذلك فإن هذا الطقس مليء بالعناصر التي تربط المشاركين فيه وتجعلهم متعاطفين، وهو «أمر على الملحدين أن يتدارسوه وأن يفـكـــروا بالاستعانة به في عالمهم». يجمع الطقس الديني بين الأجناس والأعمار والأعراق والجنسيات والمهن والطبقات، وهي تتجاوز الفرد والعائلة، وهو مبعث للإلهام في كونه يفرض على الجميع، بمن فيهم الملوك، على الانحناء أمام أشخاص مثل محمد وعيسى وبوذا، وأن يترك البشر أشغالهم ومصالحهم الماديّة ومراتبهم الدنيوية للاجتماع معا.

بعد درسي الفن والهندسة يصل الكاتب بنا إلى «المؤسسات»، فيشير إلى أن الفكر الديني تشعّب عبر مؤسسات ضخمة للفن والبناء والمدارس والأزياء والشعارات والطقوس والأضرحة والمواقيت الزمنية، وأن هذه التقابل، جعل المثقفين الملحدين على عداء مع المؤسسات، بدلا من بناء مؤسسات شبيهة

الدرس الثاني، حسب بوتون، هو اللطف Kindness، ففي رأيه أن اليمين واليسار الغربيين يؤمنان بالأيديولوجية الليبرالية التي ترفض تدخل الدولة برفاه مواطنيها الداخلي، أو سلوكهم الخارجي، خوفا من تحولها إلى دولة سلطوية أو «دولة مربّية» Nanny State، أما الأديان فلديها دائما أفكار عن كيفية تصرف أتباعها. من جهة أخرى، فإن الدولة الليبرالية تتدخل بتفاصيل، كيف نتصرف مع عائلاتنا وزملائنا والغرباء والحيوانات، كما يقيم الفكر الليبرالي خطا حادا بين السلوك الخاضع للقانون والسلوك الخاضع لأخلاقنا الشخصية.
يشير الكاتب في درسه الثالث عن «التعلّم»، إلى أن التعليم صار منذ عصر النهضة الأوروبية، أكثر ما تؤمن به المجتمعات الحديثة، وهو في اعتبار أغلب المجتمعات الإنسانية الآن، علاج لكل مرض، والطريق إلى مواطنة عقلانية مزدهرة ومتحضرة، ويركز هذا التعليم على المعارف التي تؤمن عملا في مجتمعات تجارية تكنولوجية: من الكيمياء لإدارة الأعمال، الأحياء الدقيقة، القانون، التسويق والصحة العامة، وأنه رغم تحويل الجامعات إلى مصانع لإنتاج الصناعيين والبيروقراطيين، فهي تزعم أنها تجعل الناس أفضل، وأكثر حكمة، وأكثر سعادة، ولكن ما يحصل، برأيه، هو أن الجامعات تقوم بإنتاج غالبية من المحترفين القادرين على التركيز على موضوع بعينه (محامين، أطباء، مهندسين)، وأقلية من طلاب الفن والإنسانية المثقفين الواسعي المعرفة ولكنهم مشوشون أخلاقيا لا يعرفون ماذا يصنعون بحيواتهم.
في درس «الرؤية» (بمعنى طريقة النظر إلى القضايا ضمن منظور)، الذي يأتي بعد درسي «الرقّة» و«التشاؤم»، يقارن دي بوتون بين رؤية أيوب، في الكتاب المقدّس، وكيف وجد حلا دينيا للكوارث التي حلّت به، ورؤية سبينوزا، الذي قام بمقاربة فلسفية يتفهم فيها الإنسان، برؤية غير دينية، لهامشيته الوجودية، خالصا إلى أن الإشارة الخطيرة للحياة في مجتمعات بدون إله هي فقدان ما يذكر البشر بما فوق العادي والطبيعي واللانهائي، وكونهم يفتقدون الطقوس التي تموضعنا بلطف في موقعنا ضمن العالم والكون.

ارتباك الملحدين أمام الفن الديني

في موضوع «الفن»، يلاحظ المؤلف ارتباك الملحدين، أمام الفنّ الديني، فالتعبير عن إعجابهم بهذا الفن قد يؤدي لاتهامهم بالنوستالجيا العاطفية. يلاحظ أيضا أن كبار المهندسين يتوقون لتصميم المعابد، لكونها تحتلّ مراكز رئيسية في المدن، وتجتذب سياحا وحجاجا، ويقابل ذلك دفاعات من قبيل أن المجتمعات غير الدينية أنشأت فنونها الحديثة، وأن المتاحف هي أماكن العبادة الحديثة للعالم.
بعد درسي الفن والهندسة يصل الكاتب بنا إلى «المؤسسات»، فيشير إلى أن الفكر الديني تشعّب عبر مؤسسات ضخمة للفن والبناء والمدارس والأزياء والشعارات والطقوس والأضرحة والمواقيت الزمنية، وأن المثقفين الملحدين عادوا المؤسسات، بدلا من بناء مؤسسات شبيهة.
يعيد الكاتب في نهاية كتابه التأكيد على كيفية التعلّم من الأديان: كيف نولد أحاسيس بالتضامن الجماعي، كيف ننشر اللطف، كيف نلغي النزوع نحو القيم التجارية، كما تظهرها الإعلانات، كيف نختار «قديسين» علمانيين، كيف نعيد التفكير في استراتيجيات الجامعات ومنظورنا للثقافة، كيف نعيد تصميم الفنادق، وكيف نعترف بحاجاتنا الطفولية، وكيف نتخلص من تفاؤلنا غير الخلاق، وكيف نصل إلى منظور عبر ما فوق الطبيعي، كيف نستخدم الهندسة لاحتضان القيم وكيف نوحد الجهود المشتتة للأفراد المهتمين بالعناية بأرواحهم في مؤسسات.
تتمتع أفكار دي بوتون بالجدّة والخصوصية، ولكنّها قد تبدو شديدة النتوء والغرابة ضمن المنظومات الفكرية المتداولة عربيّا وإسلاميا، فهي تتجه، صراحة، نحو قارئ غربيّ، والكلام يدور حول المجتمعات العلمانية الغربية وبالتالي فإن أمثلتها عن الأديان مستقاة من المسيحية واليهودية، من دون أن نذكر التعقيدات البالغة، في العالم الإسلامي، لكلّ ما يتعلّق بقضايا الدين والسياسة والإلحاد.
فيما يحاول كتاب ومثقفون من دي بوتون، جسر المسافة الشاسعة بين عالمي الدين والإلحاد، فإنهم يلتقون، على ما يظهر، مع نظرائهم الملحدين من العالم، في استبعاد/ كراهية الدين الإسلامي، وهو أمر يحتاج وقفة خاصة به.

٭ كاتب من أسرة «القدس العربي»

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية