فنان موهوب وشغوف يجتهد ويبرع في الابتكار
بيروت-»القدس العربي»: يتابع الكاتب والمخرج والممثل عصام بوخالد مسيرته بثبات ونضوج فكري يتراكم بقوة. المسارح مقفلة منذ أكثر من سنة بفعل كورونا، التي حاصرت دور السينما أيضاً. لكنّ «أيام بيروت السينمائية» في نسختها الحادية عشرة وجدت مساحتها في الفضاء الافتراضي. وكان لعصام بوخالد دور مميز في فيلم «جدار الصوت» والذي عُرِض في بدايته. في المسرح وكذلك في السينما نال عصام بوخالد نقداً أثنى على حضور جسده الحاد والمتين الذي غاص ملياً في مشاعر القلق. ومسرحياً لا يزال عرض «مأساتي» الذي لزّم خلاله للدمية مجموعة الأمراض المزمنة التي تفتك ببنية النظام اللبناني، موضع تندر وإعجاب لفرادته.
عصام بوخالد يشكل مع الممثلة القديرة برناديت حديب ثنائياً مسرحياً ناجحاً، فغالباً تشاركه العمل، تماماً كما يتشاركان الحياة الزوجية. مع عصام بو خالد هذا الحوار:
○ دورك في فيلم «جدار الصوت» هو الأحدث حيث أجمع النقّاد على جسد قلق من شعر رأسك إلى قدميك. كيف دخلت إلى مسام الشخصية؟
• يقول مقترح الفيلم بوجود خمس شخصيات في غرفة واحدة مستنفرين دائماً. إنه المكان المغلق والانتظار لحدث ما غير معروف. الحدث داخلي، وللشخصيات جميعها الوضعية عينها سواء أنا أم عادل سرحان رحمه الله، أو بطرس روحانا وكرم غصين وسحر منقارة. بالمطلق أن يصيب الممثل في تجسيد هذه اللحظة فهذا مرتبط بطريقة التمثيل وكيفية التحضير. وكذلك يعود للشخصية بحد ذاتها. مثلت شخصية الإنسان غير مرتاح مع ذاته، وساهمت حرب تموز بتفجير القضايا العالقة بينه وبين زوجته. لهذه الشخصيات ظروفها ورد فعلها، وليس لنا إدراك إن كان جباناً أو إنساناً عادياً؟ وإن كان بخيلاً أم لا؟
○ هل أنت من اختار الدور في «جدار الصوت»؟
• بالتأكيد المخرج. في الشكل والمُعطى لم تكن الشخصية تشبهني. تجمعني صداقة قديمة بأحمد، وكان لقاء بيننا تحدثنا خلاله عن الفيلم، وعن الكاستينغ الذي طال كثيرين. وفي معرض الحديث سألني رغبتي بالكاستينغ للدور نفسه. ناقشته طويلاً لأقنعه بأن الشخصية ليست شبيهتي. أصر على التجريب، ومن ثمّ طلب مني تمثيلها، فأعدنا رسمها معاً. عملت على تفاصيل الشخصية، وبنيت كركتراً خاصا بها. وعبر إدارة الممثل من قبل المخرج وصلت الشخصية إلى هذا المكان.
○ أين حضرت في السينما قبل «جدار الصوت»؟
• في أفلام متعددة. منها «فلافل» مع ميشال كمون. وفي ثلاثة أفلام مع غسان سلهب. وشاركت في فيلم فرنسي متوسط الطول. وفي أفلام قصيرة كثيرة، آخرها «طعم السمكات» لمارك سلامة الذي يواصل حصد الجوائز. كذلك في فيلم «بيت الزهر» مع خليل جريج وجوانا توما. وفي ثلاثية «كارلوس» مع أساياس. وقبل «جدار الصوت» صورت مع ميشال كمّون فيلماً طويلاً ينتظر توقيتاً مناسباً ليُعرض، وسيكون من أجمل الأفلام. ولا أتذكر كافة الأفلام التي مثّلت.
○ هل تجذبك السينما أكثر من المسرح؟
• أحبهما معاً، ومن يتابع مسرحي يدرك وجود النفس السينمائي. يظهر في تركيب الأمور البصرية، وبنية المسرحيات، وتركيب المشاهد، إلى علاقتي بالتمثيل. تغريني السينما جداً، وأتمنى فرصة أكبر للعمل من خلالها، ليس كممثل، بل كتابة أيضاً. وفي وقت قريب سيصبح التمني حقيقة. ولن أكون مخرجاً سينمائياً في الجانب التقني. ليس لي الإختيار بين السينما والمسرح، وعندما أكون بصدد أي منهما أكرّس نفسي للمهمة كلياً. أنا شغوف بالسينما والمسرح معاً.
○ هل نقول أن مشروعك المقبل سينمائي؟
• في حوزتي مشروع سينما وآخر مسرحي، عندما تتاح الظروف لأي منهما سأبدأ التنفيذ.
○ هل توافق على مقولة المسرح للنخبة والسينما ذات شعبية أوسع؟
• في السينما كما المسرح ليست كافة الإنتاجات للشريحة الواسعة من الناس والمشاهدة بالملايين. ثمة أفلام على درجة عالية من العبقرية لم تتعد مشاهدتها الآلاف حول العالم، ولا تزال موجودة وتعود إليها الناس لأنها مصنفة «شيه دوفر». وهذا حاصل في المسرح، مع احتساب الفرق بعدد مقاعد صالة المسرح بقياساً للسينما. المسرح مُكلف في كل عرض إضافي. السينما تُكلّف كثيراً إنما لمرة واحدة.
○ أعرفك منذ قدمت مسرحية «أرخبيل» على خشبة مسرح بيروت ومعها حجزت مكاناً يشبهك وحدك في المسرح اللبناني. هل واجهتك معوقات في مساحة التعبير؟
• المسرح هو المجال الأكثر اكتظاظاً بالمعوقات. نحن حيال سباق حواجز مختلفة الارتفاع، وبعضها يكون محفوراً في العمق. الإشكالية تكمن في جهل ارتفاع الحاجز. حالياً نعجز عن تفسير خطر المسارح في نقل عدوى كورونا. بينما إجبار المواطنين على الوقوف صفوفاً متراصة ينتظرون كيلو الأرز والسكر سيحمل لهم العافية؟ للأسف، كل ما هو مرتبط بالثقافة يخضع للتسويات. ولأنه مجال حسّاس جداً فهو من القطاعات الأولى التي تتأثر بأية أزمة. مع العلم أن العاملين في قطاع الثقافة هم الأكثر إلتزاماً بإجراءات السلامة إنطلاقاً من خلفياتهم السياسية والفكرية والاجتماعية والثقافية، إضافة إلى التمرد والثورة. ومع ذلك المعاناة مفروضة بعد كل نكسة، لنعود بعدها للإنطلاق من الصفر. لا ندري مدى قدرة الاحتمال بعد أكثر من سنة ونصف من الإقفال، مع العلم أن المعاناة سبقته بكثير. نحن في حال اقفال إلى أجل غير مسمّى بحسب المعنيين، وبانتظار المُسمّى. فيما أعياد الميلاد ورأس السنة والرقص بالسيف والترس والكوارث التي خلّفتها، ليست مشمولة بالأجل غير المُسمّى. زميلنا سرمد لويس عرض مسرحه قبل أيام في مدريد التي عرف العالم برمته معاناتها مع جائحة كورونا. نحن بانتظار التفسير «الخنتريشي» للمسؤولين العظام.
○ اكتسبت حرفية تجسيد الواقع وفي السنوات العشر الأخيرة قدمت مسرحيات مغرقة في الكوميديا السوداء مثل «كارنيفورس» و»مأساتي». ماذا يقول لك نجاح هذين العملين؟
• نتناول موضوعات حسّاسة جداً، ونعبّر عنها حتى وإن كانت شديدة القساوة والسوداوية. وهذا مرتبط بالخبرة والتجربة، والتفكير والبحث، وبالخلفية السياسية بالتأكيد. نضع تلك الموضوعات في قالب مغري جداً كي يُقبل الجمهور على المسرح. وهذا ما تمّ، في عروض المسرحيات التي ذكرتها وغيرها بحيث تكون الصالة «مفولِة». بدأت هذا البحث مع «أرخبيل» وهو ينضُج ويتطور. مقولة البعض بأن الأشكال المسرحية الملتزمة والجدية والمليئة بالبحث والغرابة والتجريب، لا تستقطب متفرجين، ليست صحيحة. المسرح الذي يتعاطى مع المتفرجين باحترام سيجذبهم إليه بشوق وترقب، وستبقى الصالات «مفولِة».
○ ما سرّ التوافق في كتابة النصوص المسرحية مع سعيد سرحان؟ ومن يسند الآخر؟
• أعرف سعيد منذ كان طالباً في معهد الفنون مثّل معي في مسرحيتي «مارش وبنفسج». ومن ثمّ مثّل وكتب معي في مسرحية «بلاك بوكس» التي عُرضت فقط في ألمانيا. تطورت تجارب الكتابة المشتركة وبرزت أكثر في عمل مسرحي للأطفال والعائلة «أحب أطير» عُرض في الدوحة، ونال نجاحاً كبيراً جداً، ولم نتمكن من عرضه في بيروت بسبب الأوضاع. وكتبت مع سعيد سرحان «مأساتي وكارنيفورس». وحالياً نتشارك كتابة سيناريو فيلم. كما ونتعاون معاً في أمور خاصة بالمسلسلات التلفزيونية سواء بشكل رسمي أو دونه. نعم أنا وسعيد نتسلّى بالكتابة سوية، دون أن يسند أي منا الآخر. بل لدى سعيد ما يُسهّل عملي، ولديّ ما يُسهّل ويسرّع عمله. إنها الكيمياء.
○ هل تتسلّى بالمسرح والتمثيل؟ أم يلفك القلق؟
• أتسلّى في جزء من المسرح، وفي جزء آخر أكون تعباً. في التمثيل أجد متعتي الكبيرة وهو شغفي. وهذا يظهر جلياً في مسرحية «صفحة 7» و»كارنيفورس». وحتى في مسرحية «مأساتي» ومن لا يعرف اقتصر العرض على دمية واحدة يحركها رشاد زعيتر، فيما كنت مستلقياً تحت قدميه، واستعملت صوتي في بعض مفاصل العرض. أحب التمثيل في المسرح أكثر بكثير من الكتابة والإخراج.
○ متى تخصص دوراً لبرناديت حديب في عروضك المسرحية؟
• برناديت مثّلت في كافة مسرحياتي التي تستدعي دوراً نسائياً باستثناء «مارش». لم تحضر على الخشبة، بل صوتاً وتركيباً. كانت حاملا بإبنتنا لولوة. إنها موجودة منذ أول مسرحية لي «تريو» وإلى الآن. برناديت ممثلة تملك قدرة كبيرة على التلوين والتنويع وأداء الشخصيات، إضافة إلى شكلها. بعيداً عن العلاقة التي تربطنا هي ممثلة تضيف إلى العمل، وتغري لتكون موجودة فيه.
○ وهل تختلفان في الرأي حول تجسيد الدور المسند لها؟
• كثيراً جداً.
○ وكيف يتم الحسم وأنتما شريكا حياة؟
• ليس لهذه صلة بتلك. وإن حدث، نخطو إلى الوراء خطوة ونفكر بروية. يتخلل العمل الكثير من الضغوط، وتختلف المقترحات حياله. وخلال التمارين قد لا يعجبني أسلوبها. وتطور الخلاف بوجهتي النظر، يلجأ المخرج إلى سلطته. وإن تبين لاحقاً أني على خطأ أتراجع تكتيكياً دون أن اعترف بالخسارة «ويضحك».
○ ومتى تفرض رأيك كشريك حياة على برناديت حديب؟
• في العمل ليس وارداً مطلقاً، وفي المنزل نحن كما كافة الشركاء. نحن معاً منذ كنا على مقاعد الدراسة الجامعية. الحياة في صعود وهبوط كما هو سائد لدى الجميع، دون فرض الرأي من أحدنا على الآخر. يبدو كلامي مثالياً فما من أحد يشوه سمعته بيده «ويضحك».
○ تمتلك برناديت حديب جسداً معجونا بالفن وهذا ما اعترفت به كمخرج. فماذا يقول لك صوتها؟
• نعم لديها خامة صوت مميزة ومعبرة. إنها ممثلة تمتلك كافة الطاقات، وهي تجيد استعمالها. أعمل في مشاريع فيديوهات خاصة بالشباب مع جمعيات أهلية، وأغلبها تكون بصوت برناديت. فإن كنا حيال مادة خاصة بالقوانين، فإن صوتها يمنحها بعض العاطفة. مهما كان نوع النص فصوتها يمكنه من ملامسة الناس. وهذا مرتبط بخامة الصوت وكيفية استعماله، وبكونها ممثلة جيدة جداً.
○ شهادة مجروحة؟
• ليست شهادتي وحدي، بل كذلك شهادة الكثير من المخرجين الذين عملت معهم.
○ أخيراً؟
• أنا بصدد تحضير عرض مسرحي يتضمن أفكاراً جديدة بالتعاون مع برناديت وسعيد سرحان، ومجموعة أخرى من الممثلين. وآمل أن نتجاوز مرحلة كورونا لتعود السينما والمسرح إلى سابق عهدهما، رغم علمنا بالتحديات التي تواجه لبنان. فنحن على سبيل المثال نتساءل عن الأسعار التي سنعتمدها لبطاقات المسرح. إنه تفصيل، لكنه حقيقة سيواجهها المتفرج وكل من يعمل في العرض المسرحي والمسرح بحد ذاته. نحن قادرون على بناء وطن شرط ابتعاد تلك المنظومة الملوثة بكافة الموبقات، وعندها سيتمكن وطننا من النهوض مهما كان وضعه. بعيداً عن هؤلاء هناك مجموعات كبيرة من المواطنين لا تزال لديها أحلام.