آسف لقراء هذا العنوان العابرين أو العالقين لأني لن أحدثهم عن موت هاتفي على الحقيقة، كما أني لن أحدثهم عن هذه الاستعارة الجميلة المترجمة حرفيا من العبارة الأنكليزية Sorry my phone died التي يعني بها مستعملوها أن بطارية هاتفهم باتت فارغة، وهي تحتاج شحنا، وأن الهاتف فقد بذلك نبضاته، وأسلم الروح. حتى تقول هذه الجملة عليك أن تشحن بطاريتك وتتكلم لتعتذر ممن انقطعت مكالمتهم فجأة انقطاعا خارجا عن نطاقك.
يقول بعض الذين يحصون أشد الكلام تواترا، إن هذه العبارة ونظيراتها في لغات العالم هي من أكثر الجمل ترددا على الألسن في التواصل اليومي عن بعد، وهي من الكاذب القابل للتصديق، لكنهم يقولون إنها من أكثر الجمل كذبا في أيامنا، هكذا يقولون وقد يكون قولهم أيضا من الكاذب القابل للتصديق.
أوضح أشكال الكذب في هذه الجملة أن تقولها لمن اتصل بك، ولم ترد عليه ثم تدعي أن المشكل في البطارية التي فقدت شحنها. آداب التواصل اليومي تقتضي أن تحمل هذه الجملة معنى آخر غير معناها الحرفي، وهو الاعتذار عن عدم الرد أو التأخر فيه. نحن نكذب يوميا بالكلام، ويذهب بعض دارسي التواصل اليومي، إلى أننا نسمع من الناس بين عشر كذبات ومئتي كذبة من نوع كذبة «عفوا لقد فرغ هاتفي من الشحن» ومن نوع «أنا بخير» يقولها شخص عليل أو «مستورة والحمد لله» يقولها شخص مدقع لا فلس في جيبه ولا كسرة في داره. هذا الضرب من الكذب الذي لا يصدق، ولكنه يُستملح لأنه يصور لنا الآخرين على أنهم لا يكذبون، بل يلطفون الحقائق التي لولا هذا الكذب لكان المشهد قبيحا، والمستور فضيحا. حين يقول شخص عن نفسه إنه لا يكذب، أو حين يؤمر صغير بأن لا يكذب فهو في الحقيقة يتحدث عن الكذب الأخلاقي، الذي لا ينسب إلى شخص إلا شانه، ولا ينسب الصدق إليه إلا زانه. حديثنا عن الكذب هنا يشبه حديثنا عن الخيانة والغدر والسرقة وغيرها من الرذائل، التي يأتيها الأفراد ويتبرأ منها المجتمع، ويعاقب عليها بشتى أنواع العقوبات، لكنها تظل موجودة فيه ما وجد.
الكذب الذي يعنينا هنا ليس هو نفسه الكذب الذي ينجز في الكلام ونتلقاه على أنه كذب لنتفاعل معه بأشكال مختلفة، بأن نفرح به أو نتقبله على أنه عمل من أعمال القول، يقال ظاهره ولا يقصد معناه الحقيقي؛ ويمكن أن نجعله مطية لأشياء أخرى من بينها الحكم على الأشخاص، أو تأويل كلامهم تأويلا معينا.
الكذب اللغوي يمكن أن يدرس بأشكال مختلفة، ونريد أن ندرسه ههنا بوسائل ذهنية عرفانية، هي التي تجعلنا نفهمه على أنه كذب ونتعامل معه على أنه ليس كذبا بالمعنى الأخلاقي للكلمة، بل ننخرط فيه بما هو استراتيجية استنتاجية. نقصد بالاستراتيجية الاستنتاجية التماشي الذهني، الذي ينخرط فيه المتلقي لقول فيه كذب لكنه لا يفهمه على أنه كذب، بل على أنه قول له خبيء وأنه قول مرتبط في مضمونه بكلام آخر يقتضيه ذلك الكذب هو المقصود وليس الكذب. وهذا يعني أن الكذب في الكلام ليس عملا لغويا مباشرا، بل هو عمل لغوي غير مباشر يقودك بالاستنتاج إلى قول خفي، أو قضية ضمنية هي القضية الحقيقية أو «الصادقة». يستعمل العرفانيون مفهوم المنوال العرفاني Cognitive Model في معنى الوسائل الأساسية التي يكتسب من خلالها الأفراد المعرفة بالأكوان المحيطة بهم في مختلف الميادين، فتجاربنا اليومية اكتسبناها في أشكال نمطية نشترك فيها باعتبارنا أفرادا مع مجموعاتنا الثقاقية الضيقة أو الواسعة. نحن نتلقى معارفنا بالمحيط في شكل أبنية تسمىى المناويل العرفانية الذهنية، ويعرفها جيبس بأنها «نظرية طرازية تخص مجموعة شعبية، أو هو منوال ثقافي يبتكره الناس لكي ينظموا معارفهم». فعلى سبيل المثال نحن نبيع ونشتري وفق مناويل عرفانية استقيناها من تجاربنا اليومية في البيع والشراء، من بينها أن يقدم البائع البضاعة ويقدم الشاري بدلا منها مالا. والبيع والشراء ليس عملية، بل هي عملية تقتضي علاقات وسلوكات متقابلة، وهي ذهنية لأننا ونحن ننخرط فيها نتمثل سيروراتها وسيناريوهاتها المركبة من تجاربنا في البيع والشراء. وحين نستعمل اللغة في الحديث عن البيع والشراء، نتحدث عنهما من زاوية نظر معينة تكون تمثيلا لجزء من المنوال كاملا.
في العشق وحين تتصل بمن تحب مرات وفي المرة الأخيرة حين يأتيك صوته: «عفوا، فهاتفي قد مات» قد تقفز على المراحل الاستنتاجية وستقول له: «ماذا فعلت؟» هل ارتكبت حماقة؟ ستبني جسرا بين الاعتذار عن شح البطارية واللوم عن فتور العلاقة.
يمكن أن ندرس الكذب في حقول الحياة أو تجارب الكون المختلفة، أو بعبارة لايكوف وفق هذه المناويل العرفانية الذهنية، التي تمثل تجربة من تجاربنا؛ وفي ذلك المنوال يقودنا الكلام الكاذب من نوع «لقد مات هاتفي» ونظيره في اللغات المختلفة إلى الكلام الصادق، أو لنقل إلى المعنى المقصود. هناك ميادين عرفانية تستعمل الكذب اللغوي الذي يقود إلى المضامين الصادقة، استعمالات مختلفة عن ميادين أخرى. فعلى سبيل المثال فإن «مات هاتفي» التي تقال في السياسة هي غير «مات هاتفي» التي تقال في التجارة، وغير «مات هاتفي» التي تقال في العشق هذا بديهي لا شك، لكن الطريف ليست الفكرة في ذاتها، بل ربطها بالمناويل الذهنية العرفانية. توجد ميادين تقبل أكثر من غيرها التعامل بالقضايا الكاذبة، تلك القضايا التي لا يطلب منها قائلها أن توصل مضمونا يقال عنه إنه كاذب، بل يطلب منها أن تفهم على أنها اعتذار أو شكوى أو غزل أو غضب أو غيرها من الأعمال اللغوية غير المباشرة.
أشهر ميدان عرف به الكذب هو السياسة، التي هي ميدان لا يمكن أن يجد توازنه إلا باللعب الذكي على الكذب والصدق. لنفترض أن نائبا في البرلمان لا يريد أن يرد على بعض من انتخبه ووعده بغير ما يستطيع أن ينفذه ويتأخر في الرد عليه حتى إذا ألح قال له «عفوا لقد مات هاتفي» الاعتذار عن الرد هو اعتذار عن الوعد، هذا هو مسار الاستنتاج الصحيح، لكن أتباع هذا المسار قد يكون غير متاح لمن يصدق وعودا كاذبة. بالطبع هذه الجملة ينبغي أن تقرأ داخل استراتيجية العلاقات الهرمية المنظمة في الدوائر السياسية، فلا يمكن أن يقولها غالبا من هو في رتبة عالية لمن هو في رتبة أدنى، إلا في وضعيات لا تكون فيها الهرمية ولا البيروقراطية هي الحل. حين تقول وأنت تاجر «عفوا لقد مات هاتفي» ستكون الجملة مفيدة في سياق وغير مفيدة في سياق آخر، هي مفيدة في سياق من أقرضك مالا أو باعك بضاعة، وحان وقت تسديدها، ولكنك تريد أن تتنصل من الموعد، عندها لن ترد على هاتفك في وقته، وستقول لمن اتصل بك من هاتف آخر: «عفوا لقد مات هاتفي». سوف يفهم المتصل الجملة فهما يقتضيه مبدأ التعامل مع هذا النوع من البشر، سيفهم أن خلاص الديْن سيتأخر، وعليه ستكون المحاورة في اتجاه التذكير بالموعد. لن يكون لهذه الجملة من فائدة حين يتصل بك زبون ويريد منك بضاعة سيكون الهاتف كله حياة وستشحن كل البطاريات.
في العشق وحين تتصل بمن تحب مرات وفي المرة الأخيرة حين يأتيك صوته: «عفوا، فهاتفي قد مات» قد تقفز على المراحل الاستنتاجية وستقول له: «ماذا فعلت؟» هل ارتكبت حماقة؟ ستبني جسرا بين الاعتذار عن شح البطارية واللوم عن فتور العلاقة. عندها، لو شحن الرابط مرات لن يفيد، لأن البرودة ليست في بطارية الهاتف، بل في روح من هو على الطرف الآخر من الهاتف. ستكون الجملة «مات هاتفي» في كثير من الأحيان بمعنى «مات مُهَاتِفي» الرحمة على من مات مشحونا بلا شاحن.
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية