عفوية المسار الشعري في ديوان «تركت رأسي أعلى الشجرة»

يستقبل الشعر في «تركت رأسي أعلى الشجرة» لعبد الله الهامل العالم بفرح الصحراء، حين تتكرر في القصائد وتتوهج كحالة: «يوم طويل في صحراء الملل»، حين يعترف الشاعر: «لا شيء يوقف برد قلبي وقلبك إلا الرقص عند آخر/الغابة هناك».
الصحراء هي الاغتراب وهي الهوية أيضا، هي تراجيديا الشعر منذ انسكابه في رؤية العربي الأول كسعلة صباح، يفتتح بها فرح اللقاء مع الحياة، الفرح ليس سعادة وحسب، إنه اليأس الوجودي أيضا، لذلك نضحك على وجودنا حين نفرح بالحياة، كل الخيبات والانكسارات إنما يسبقها الفرح كل صباح ونحن نتحسس أعيننا، هل مازالها ترى؟

عفوية المسار/الانفصال
بين الأنا المفكرة والأنا الوجودية:

«تركت رأسي أعلى الشجرة»، مفهوم يضعنا أمام هشاشة الإنسان في مساره الوجودي، والتزامه الدائم بفلسفة الإيواء إلى حضن يعيده إلى هويته الأولى، ذلك أن عبد الله الهامل يعترف في ثلاثية مفاهيمية تجمع الصحراء، صحراءه، والشعر والشجرة قائلا: «الصحراء تتسع والشعر طفلها الذي يتسلق الشجر مقلدا جده الأول»، هذا المفهوم قد يفكك بنية عنوان المجموعة. وجوديا، لا يمكن أن نرى الأشياء إلا من خارجنا، مستحيل أن نندمج مع العالم ونعرفه، شجرة الوجود هي ملاذنا، كي ننفصل عن ذواتنا لمعرفة الوجود، والشعر في حد ذاته شجرة تنمو في خواء الأشياء مانعة تعطيل إحساس إدراكنا للعالم. يفتتح الشاعر ديوانه بنص قريب من العتبات، إذ يرد غير معنون بعد عتبة ما سماه «ملاحظة»: «في حلم يقظة/تركت رأسي أعلى الشجرة/ ونزلت../كان رائعا أن أشم العشب بأصابع قدمي»، انفصال بين الأنا المفكرة (الرأس) والأنا الوجودية العفوية السائرة في أرجاء العالم متخلية عن عقلنته، العقلنة تعيق شم العشب بأصابع أٌقدامنا، رامبو أدرك ذلك مبكرا حين قال في إحدى قصائده: «إن عقلنا الباهت يمنعنا الأبدية»، يمنعنا الرأس بثقله الصارم في إخضاع العالم إلى المنطق التراتبي، من رؤية العشب يدغدغ أصابع أرجلنا التي تعلمنا الحرية أكثر من أن نصنع لها تمثالا هشا وشفافا في رؤوسنا، الشعر ينبع من لقاء أصبع صغير بعشبة لا ننتبه لها، إنه الزمن الوجودي المنفصل عن ميثاق العقلنة في عنجهية التفكير المحض، فحين يمر الشاعر على أشياء العالم متلبسا مسوح عقله لا ينتبه إلى وشوشاتها الدقيقة: كأن «يقوم نهر لاستقبالي/أن يعانقني كصديق قديم»، وهذا ما جعل رامبو يسكن بعيدا عن فسحة العقل فهو كما بليك، العقل بالنسبة إليه، يعني «الرؤية الأحادية ونوم نيوتن»، ويقول كولن ويلسن في «سقوط الحضارة» عن رامبو: «وانطلق يتحكم في عقله هادفا إلى نوع من تركيز تجربته الذاتية وحسب».

مسار العفوية في مقاربة الإنساني

عند قراءة المجموعة الشعرية «تركت رأسي أعلى الشجرة»، أو «اقترافات» الشاعر عبد الله الهامل، وجدت أن الشعر زيادة على أنه فردي وذاتي، هو عفوي، فالكلام الشعري في هذه المجموعة يتخلل القراءة، كما لو إنه المتاح السهل الذي نشعره كلامنا، فقط الشاعر أناب عنا وتكلم به: «أنا عبد الله الهامل/أنهيت رسم كل أحلامي قبل سنوات عديدة»، لا تنتهي الأحلام عادة، الشاعر أنهى رسمها إلى أن تتحقق، ويبقى الحلم مستمرا فينا نرجئه بالأمنيات. رسم الشاعر مسارا آخر يقرب الشعر من العفوية المنجَزة في ضوضاء معنى قد لا ندركه سوى برؤية الشعر: «حمل الشاعر يأسه في زوادة وخرج إلى الصحراء». يحرك الشاعر ما لا نستطيع أن نبوح به على قارعة وجودنا الهش، اليأس ذلك المعنى الذي سكن إرجاءنا للحلم، فاتسعت بذلك مجالية العبث، أي الفراغ المديد الذي نفقد فيه بداياتنا وحتى النهاية، تماما كما الخروج إلى الصحراء.

العدم سيرورة شعرية يكتشف الشاعر فجأة أنه يمكن أن يقوله، وبالعفوية التي يسير بها في شوارع العالم، ويقوله أيضا كما يشرب فنجان قهوة، أو يقرأ جريدة أو يجالس الشمس في صبيحة باردة، لهذا يأوي إلى «شرح» العدم، لأن العدم شعريا كينونة مستقرة في حركة الشاعر

لا يختلف عبد الله الهامل الشاعر عن عبد الله الإنسان. تعتبر القصيدة لديه استمرارا لحركته في الحياة والواقع. يثير الشعر في المجموعة إشكالية إنسانية الشعر، إذ يصبح تاريخ الشعر واحدا تتراكم فيه التجارب البشرية غربيها وشرقيها، فملامح الكلام الشعري ترتسم متشابهة عند أبي الطيب المتنبي، كما هي عند قسطنطين كفافيس، لأن «ذاك الذي حدث كل هذه السنوات لم يكن سوى/إعادة لقصيدة كافافيس الخالدة «في انتظار البرابرة»، فالتاريخ الشعري للعالم يتعامد مع تاريخ الألم الوجودي، وبالتالي لا وجود للشعر خارج مأساة الذات، وهي تنظم قصائدها على قارعة الجرح: «أما قصائدي فلم تكن سوى ضمادات أضعها على الجرح لأوقف انتشاره…»، إنها متاهة الإرجاء التي تفصل الحلم عن مسار العالم الهارب في توهماته وزيف تمظهراته التي تفرض عليه تأهبا افتعاليا في كل لحظة تتسمى «في انتظار البرابرة»، إنها القصيدة التي تكشف مسار العفوية في مقاربة الإنساني.

الكينونة المستقرة للعدم:

مم ينبت العدم في شعرية عبد الله الهامل؟
العدم لا يمكن أن يكون لا شيء أو فراغا مميتا، العدم سيرورة شعرية يكتشف الشاعر فجأة أنه يمكن أن يقوله، وبالعفوية التي يسير بها في شوارع العالم، ويقوله أيضا كما يشرب فنجان قهوة، أو يقرأ جريدة أو يجالس الشمس في صبيحة باردة، لهذا يأوي إلى «شرح» العدم، لأن العدم شعريا كينونة مستقرة في حركة الشاعر: «سأشرح العدم/بمطرقة تدق مسمارا/في الفراغ»، بين العدم والفراغ يتأثث كون الشاعر المحسوس النازع إلى استحداث عناصر وجودية تحيل إلى القفز الوجودي المرح والأسيان في أزقة الوجود، المطرقة تتوسد نبض العدم وفرح الفراغ، باعتبار الشعر الذي أوجد لهما معنى يرافق مزاحه في ظلال الشمس الممتعة، هذه «المطرقة» التي تهوي على الخشب، الوجودية العاملة تحت سقف العبث: «ذلك أن الخشب لا يتألم/لذته في الطرق»، تلك هي اللذة التي أرادها الشاعر، من خلال تركه رأسه أعلى الشجرة ونزوله إلى الوجود متسلحا بعفوية اللقاء مع الأشياء، الخشب يجد لذته في الطرق، التجربة لا تأتينا من مرح النوم والخلود إلى عقلنة العالم، التجربة هي تهشيم «اللهبة» لعجينة الشمع، حينها ستدرك الشمعة أن اللهبة لم تستهلكها، وسوف تكف عن التشاكي وتتوسل للهب: «أضئني»، كما تقول المعمارية مها الآلوسي. الشاعر وهو يتفطن إلى العدم ويشرحه، لم ينس أن يستمر في تمتين أواصر عفويته وهويته مع العالم والناس، موقظا ذاكرة المكان: «شجرة وحيدة في صحراء بلبالة..، «بلبالة» هي مسقط رأس الشاعر، وحينما ترد في نص «سيرة ناقصة – محاولة شرح العدم ـ « مثْبَتَة في صحرائيتها، تؤكد وجودية العدم وشرحه بما يشحن الهوية بوعي النوستالجيا: «ما اسمك يا أختي الشجرة؟». لا يريد وعي الهوية الشعرية الخلاص من تعقيدات العقلنة، إنما يمعلم عناصر الخلاص «الشجرة التي ترك فيها رأسه»، والمَعْلم كان «بلبالة» التي وعى بها الشاعر أنفاس الخروج من رحم البيولوجيا الحانية إلى رحم الشعر العرفانية، لهذا سوف يرسم هذا العدم في صوت الأم وصورتها. يجمع بين الرحمين البيولوجي والشعري: «صوت أمي في الهاتف»، المكان والأم صورتان لكليهما، والشاعر يفلت شيئا ذا أهمية قصوى بالنسبة للكيان الذي ترك رأسه في أعلى الشجرة ونزل، ما من شك إن النزول من غير الرأس ينتج هوية مغتربة أو بتعبير الشاعر «سيرة ناقصة»، لكنه يستعيض عن هذا النقص باستدعاءات جمة من التاريخ وأصدقائه الذين عبروا شاطئ الوجود معبئين بالشعر ككافافيس وسركون بولص وهولدرلين، ولكن أيضا يستدعي «صوت» أمه كي يتكرس صدى في عمق هويته الباحثة في العالم عن صورة تشبه شاعرا يعيد ترتيب ما علق في ذاكرة الشعر من تعريف للهويات المختلفة: «صوت أمي في الهاتف/يوقظ في كل الذي ضاع مني..»، فهل ما ضاع منه هو برهة الترك لرأسه أعلى الشجرة؟ أم ذاك كان فعلا ضرورة شعرية لمعرفة المخبوء في عفوية اللقاء مع الوجود؟

عود على بدء:

أنهى عبد الله الهامل اقترافات «تركت رأسي في أعلى الشجرة» بالمقطع التالي: «عصافير الليل في القصيدة/هجعت على شجر الكلام/أطفأ القمر مصابيحه/وعلا شخير الكون»، غربة كما خشبة تطفأ فيها الأنوار ويتسلل الجمهور نحو خشبة الحياة، تماما كما أطفأ الشاعر مصباح رأسه في أعلى الشجرة وتسلل إلى تعب السيرورة ليكتشفها في جوهرها وبدون مساحيق.

٭ كاتب جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية