من أسوأ التجارب الوقوع تحت طائلة شخص يذيق المرء ألواناً من العذاب النفسي غير المبرر، خاصة إن كان يتخذ غطاء الدماثة والأدب ستاراً، وفي بعض الأحيان قد يتنكر في ثوب الضحية. فلو وجدت نفسك في وقت ما تحت ضغط نفسي شديد قد يفقدك توازنك، إعلم أنك قد وقعت ضحية لشخص نرجسي عديم الرحمة.
والنرجسي ما هو إلا مريض يجب أن يتلقى علاجا نفسيا مكثفا؛ لأنه يشكل خطرا كبيرا، ليس فقط على من حوله، لكن على المجتمع. فالنرجسي ليس بالضرورة فرد نشأ على حب الذات، بسبب تدليله في الصغر، بل على العكس، قد يكون الحرمان والمعاملة السيئة التي تجرعها في مراحل تكوينه هي السبب الرئيسي في تشويه نفسيته. أضف إلى ذلك، النرجسية التي يعتنقها بعض الأشخاص محاولة للتخلص من إحساس شديد بالدونية، واحتقار الذات، فيهرب النرجسي من ذاك الشعور بالتمسك بأحقيته في نيْل كل ما هو جميل في الحياة، خاصة لو كان على حساب الآخرين.. ولا عجب، فالشعور بالأهمية والتصوُّر بأنه الأفضل، يعطيه الحق في إيذاء من يشاء؛ حتى يصل لمآربه.
ومن الأمارات الشهيرة للشخص النرجسي، احتقاره للآخرين ومحاولاته المستمرة لتقزيمهم، وسهولة دخوله في نوبات غضب، والشعور بالإهانة من أبسط الأشياء. أضف إلى ذلك، أن من السهل عليه إقصاء أي فرد تحت شعار: «إما معي أو ضدي» والمقصود بذلك إما أن يصير ضحاياه تحت سيطرته المرضية التامة، إلى أن يفرغ منهم، أو يتخلص ممن يشذ بأقصى سرعة؛ حتى لا يتعرض لفشل جديد، يزيد من إحساسه بالدونية واحتقار ضعفه. مع الأخذ في الاعتبار أن الإفلات من قبضة النرجسي يكون قبل الوقوع تحت سيطرته، وإلا سيكون قد فات الأوان.
ومن الجدير بالذكر، أن النرجسية المرضية لا يصاب بها أفراد فقط، بل إن هناك دولًا نرجسية بشكل مرضي، والذي جعلها كذلك حكام ديكتاتوريون نسجوا حبائل السيطرة على شعوبهم، حتى أغرقوهم في شعور النرجسي بالتفوق، وأحقيتهم في الهيمنة، ما يسهِّل عليه إخضاعهم لتطبيق أوامره بدم بارد. وبعيدا عن النموذج التقليدي لهتلر، مجرم الحرب الذي أحرق وعذب شعوب أوروبا عندما استعمرها، هناك دولة أخرى لم يسلَّط على جرائم الحرب التي اقترفتها الضوء، ولم يحاكم أي من قادتها على ما اقترفوه من شنائع. والمفاجأة، أن تلك الدولة الشنعاء هي نفسها الدولة التي تظهر حاليا للعالم في ظل إطار من الدماثة والكياسة، وحب الخير للآخرين، وهي دولة الساموراي النبيل والأنيمي والمانجا والتقدم التكنولوجي المذهل، إنها اليابان، التي كان لها باع طويل في احتلال وإذلال جيرانها من الشعوب الآسيوية، بدون أدنى رحمة أو شفقة، ولعل أكثر دولة ذاقت لهيب قسوتها الصين إبان الحرب الصينية اليابانية الأولى (1894- 1895)، وإن وصلت وتيرة القسوة والبطش لذروتها خلال الحرب الصينية اليابانية الثانية (1937-1945).
ولإظهار مدى تلك النرجسية الشنعاء، يكفي الإشارة لشنائع الوحدة 731 التي تعد النقطة السوداء في تاريخ اليابان، ولم تستطع محوها من سجلاتها الدموية حتى الآن؛ لأنها تخصصت في إجراء تجارب علمية وحشية على البشر.
تمكنت الصين من إنهاء الحرب بعد أن هزمت اليابان، الذي استسلم جيشها وطردته من أراضيها مريضا فيزيقيا ويشعر بالدونية.
الصبر والسعي الدؤوب هو السبيل الوحيد للقضاء على الأهوال، وبالتأكيد، على النرجسيين.
واليابان ليست الأولى في ذلك؛ فعلى مرّ العصور والدول الراغبة في التقدم والتطور تُجرى التجارب على البشر والحيوانات، مثل التجارب الشنعاء التي كانت تجريها ألمانيا والولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي على البشر. أما بشاعة اليابان في الوحدة 731، التي تعرف أيضا باسم مختبر الشيطان، أنها كانت تجري هذه التجارب على الأسرى، خاصة الصينيين منهم. وهذه الوحدة نقطة سوداء؛ لأنها لم تكن معمل تجارب، بل معسكرا للتعذيب، تم إنشاؤه عام 1932 أثناء الحرب الصينية اليابانية الثانية. وهذا المعسكر لم يكن إلا نموذجاً مصغرا من حرب شعواء شنتها اليابان على الصين، حتى أضعفت مفاصلها، وجعلتها دولة هشة غير قادرة على صد العدوان والتخلص منها.
لكن لم تستسلم الصين للمستعمر الياباني، ووجدت أن أفضل سبيل للتخلص من سيطرة تلك الدولة النرجسية، هو بذل المقاومة التي تنخر في صفوف الجيش الياباني حتى تضعفه تماما، وذلك بتطبيق ما يسمى باستراتيجية فابيان Fabian Strategy. وتقضي تلك الاستراتيجية العسكرية بتجنب الدخول في معارك ضارية، أو اشتباكات مباشرة مع الصفوف الأمامية لجيش العدو، أو حتى الدخول في حرب حاسمة، وعوضاً عن ذلك تستمر في استنزاف العدو ومراوغته أطول مدى، من أجل إضعاف صفوفه، إلى أن يصير غير قادر على المقاومة. وأسهل وسيلة لتحقيق ذاك المأرب هي عمل مناوشات مستمرة، ومضايقة العدو بالحول دون وصول الإمدادات له، وحرق مخازنه، والتأثير بالسلب في روحه المعنوية. والجانب الذي يتبنى هذه الاستراتيجية يجب أن يكون على ثقة بأن الوقت في صالحه، والتأخير ميزة، وأنه يحارب على أرضه، أما العدو فهو موجود على أرض غيره، ووصول الإمدادات له مكلف، ناهيك من أنها تصله بعد وقت، وقد تتأخر، وأحيانا التأخير سلبي النتائج، حتى لو كان لمدة ساعة واحدة. ويلجأ لهذه الاستراتيجية دوما الطرف الضعيف، الذي تقطعت السبل أمامه لاعتماد استراتيجية بديلة.
وأول من فكر في هذه الاستراتيجية ذات النتائج الأكيدة، سياسي وديكتاتور الإمبراطوية الرومانية كوينتوس فابيوس ماكسيموس فيروكوسوس Verrocosus Quintus Fabius Maximus الذي أُوكلت له مهمة هزيمة القائد العظيم هانيبال القرطاجي في حرب البيونيق الثانية (21-201 قبل الميلاد)، والذي عبر جبال الألب، وتمركز في جنوب إيطاليا، وأذاق الإمبراطورية الرومانية أشد الهزائم. لكن أخذ فابيوس بإضعافه والتأثير في الروح المعنوية لجيوشه من خلال قطع الإمدادات وحرق المعسكرات ومخازن المؤن وتجويع الجيوش بقطع الإمدادات الغذائية عنهم. وبعد سنوات طوال من حرب الاستنزاف، ثار قادة الجيش الروماني على تلك النظرية وعزلوا فابيوس؛ لتعجلهم القضاء على عدوهم بعد أن ملُّوا طول سنوات المناوشات، لكن سرعان ما اكتشفوا خطأهم، بعد أن قويت شوكة هانيبال بتوقف حروب الاستنزاف، فأعادوا تطبيق استراتيجية فابيان، إلى أن قضوا على جيش هانيبال بسهولة. وعلى المنوال نفسه، اعتنق الصينيون الاستراتيجية، وصبروا لأطول فترة ممكنة، خلالها استطاعوا جمع المعسكر الغربي حولهم، واستفادوا من المساعدات الأمريكية، التي زادت بعد هجوم اليابان على بيرل هاربور.
وأخيرا، تمكنت الصين من إنهاء الحرب بعد أن هزمت اليابان، الذي استسلم جيشها وطردته من أراضيها مريضا فيزيقيا ويشعر بالدونية.
الصبر والسعي الدؤوب هو السبيل الوحيد للقضاء على الأهوال، وبالتأكيد، على النرجسيين. أما الاستكانة والتسليم بتفوق النرجسي فيعطيه الفرصة لتكرار شنائعه وزيادة عدد ضحاياه.
كاتبة مصرية