عقب “عملية جنين”.. هل تنجح إسرائيل في خلق شرط إقليمي والسيطرة على مناطق “ج”؟

حجم الخط
1

يمكننا إجمال الحملة الناجحة في جنين بثلاثة أبعاد لتفعيل القوة العسكرية: البعد المادي – التكتيكي، والبعد المنظوماتي، والبعد الاستراتيجي.

بالبعد التكتيكي، كما تعرض المعطيات الكمية، يتلخص الإنجاز بتصفية ناجعة لعناصر من البنية التحتية جعلت مخيم اللاجئين جنين قلعة إرهاب منظمة للقتال. بين العناصر المركزية – غرفة حربية في قلب المخيم بنيت للتحكم المركزي في تفعيل مئات المخربين من عموم المنظمات، وتعطيل العبوات الناسفة في المحاور ومخازن السلاح المخفية، وتصفية مختبرات المتفجرات، واقتلاع شبكة الكاميرات وقتل مخربين.

في كل نقاط اللقاء في القتال مع المخربين، أظهر مقاتلو الجيش تفوقاً عملياتياً أتاح لهم حركة آمنة بين بيوت مخيم اللاجئين للعثور على شقق المخربين ومخازن السلاح وتعطيلها. إن معنى هذا الانجاز واضح للغاية أيضاً لباقي تنظيمات المخربين مثلما في نابلس.

في البعد المنظوماتي، فقد نجحت قيادة المنطقة الوسطى وفرقة المناطق بمشاركة هيئة الأركان، في بلورة وتنفيذ طريقة عمل ذات صلة برد خاص على تعقيدات الاضطرارات والقيود في المنطقة. في المنطق الذي وجه بلورة شكل العمل في هذه الحملة، كان المخططون مطالبين بخلق نقطة توازن بين ضرورة الوجود القوي والفتاك بقوة كبيرة، مسنودة بمساعدة جوية وبين التطلع إلى الامتناع قدر الإمكان عن المس بالمواطنين غير المشاركين وعن تدمير زائد للبنى التحتية. منع استخدام الدبابات والآليات الثقيلة من داخل هذا التوتر.

في نظرة مهنية شاملة، يمكن مثلاً تشبيه نتائج الحملة بنتائج قتال الجيش الأمريكي في مدينة الفلوجة بالعراق في نيسان 2004. إذ قاتلت هناك فرقة مارينز على مدى أشهر بمساعدة جوية واسعة، وخلفت مدينة مدمرة وكمية كبيرة من المواطنين المصابين من غير المشاركين.

في البعد الاستراتيجي، كان سير الحملة من بدايتها حتى نهايتها قد منح حكومة إسرائيل الثقة بأن لديها قدرة مناسبة ومتوازنة على عملية عسكرية واسعة لمنع انتظام المخربين على الشكل الغزي، في عمق المدن ومخيمات اللاجئين في “المناطق” (الضفة الغربية).

هكذا عملت أيضاً التجربة الإيجابية للمظليين في عمليات الرد، حين منحت بن غوريون وبثقة الجرأة على الشروع في حملة سيناء. من هذا الجانب، قد ترسم حملة “بيت وحديقة” لحكومة إسرائيل مسار قدرات عملياتية سيخفف عنها اتخاذ القرارات في حملات مشابهة لاحقاً.

لا أحد في القيادة الإسرائيلية يتوهم بأن هذه الحملة بحد ذاتها ستؤدي إلى هزيمة الإرهاب، لكن فيها اختراقاً للطريق نحو انعطافة منظوماتية في مسار تصدي جهاز الأمن لتعاظم قوة الإرهاب.

في الحديث عن الحملة، كرر محللون كثيرون الإشارة إلى أن الحديث لا يدور إلا عن إنجاز تكتيكي ينتظر أفقاً سياسياً. هذه الأحاديث تتنكر بقدر كبير للمعنى السياسي لتنظيم الإرهاب المتجدد في السنة الأخيرة في أرجاء “المناطق” (الضفة الغربية). فتعاظم الإرهاب، مع وفرة السلاح المهرب من الأردن، هو الذي يدل على القيود الأساس التي يجب على دولة إسرائيل فرضها على كل مسار ممكن لأفق سياسي يمليه عليها الأسرة الدولية.

وعلى هذه القيود، أصر رئيس الوزراء إسحق رابين بمطالبته بشروط أمنية لحماية الدولة، بينها حيازة إسرائيلية دائمة لغور الأردن “بمعناه الواسع”. إمكانية الإرهاب المتشكلة من جديد في التجمعات الفلسطينية في “المناطق” تملي على إسرائيل مسار الأفق السياسي المحتمل لها، وفيه مطالبة لا هوادة فيها بحيازة دائمة لمناطق “ج” حيث تتكثف منشآت الجيش الإسرائيلي والاستيطان الإسرائيلي.

في هذا الجانب، في منطق الحملة الأخيرة ما يحدد لإسرائيل الشروط الإقليمية اللازمة لمواصلة وجودها في المنطقة.

غرشون هكوهين

إسرائيل اليوم 6/7/2023

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية