بيروت ـ «القدس العربي»: تحت مسمّى «نقد، موسيقى، تاريخ» جاء كتاب هالة نُهرا الجديد بعنوان «الموسيقى في لبنان بين العام 2000 و2020». للكتاب مدخل، ومن ثم دخول إلى مجموعة من الأسماء الفنية الوازنة، وذات الصدى الجماهيري والنقدي. وإلى المدخل الذي وضع نصب عيني القارئ أن النتاجات الفنية لا تُحصى في لبنان، ولا يتسع لها كتاب واحد، بل تحتاج لكتب، فكان الاختيار فعل حتمته الضرورة.
حاز الفنان مرسيل خليفة على مرتبة الطليعة من بين الأسماء التي سعت هالة نُهرا لتسليط الضوء على حضورها الجماهيري، ونتاجها الفني. لم تضع الكاتبة مقاربتها لبعض الأسماء ضمن هالة غير مسبوقة وفريدة من نوعها، بل حددت وقالت: نحاول ههنا أن نضيء بتواضع على عدد من الأسماء الوازنة. وهذا ما يُحسب لها.
تُعرف هالة نُهرا من بين عدد محدود جداً من نقّاد الموسيقى الدارسين للفن، وهذا ما يُكسبها صدقية في عملها. وخلال تصفح كتابها عن الموسيقى في لبنان، توقفت عند دفق الأوصاف على الأسماء الكبيرة التي تناولتها، أو تناولت نتاجها في المرحلة التي حددتها لبحثها. فبرأي أن الكبيرَ كبيرٌ بذاته وليس بوصفه. سؤال حول هذه الأوصاف حمّس هالة نهرا خلال حوارنا، وأثارها بحدود لم تفسد للود قضية.
مع الناقدة هالة نُهرا هذا الحوار:
○ «الموسيقى في لبنان بين 2000 و2020» كتابك الجديد. ما هو المعيار الذي اعتمدته لاختيار الأسماء الواردة فيه؟
• اخترت نماذج من الأسماء الوازنة الجديرة بالمقاربة، التي تمتلك نتاجات مؤثرة أو لافتة، وهي متنوعة. من الأبرز والألمع مثل فيروز ووديع الصافي إلى آخرين كثر. إضافةً إلى عينة من الأوركسترات والكورالات. اخترت نماذج تندرج في التراثي والكلاسيكي، والنهضوي والحداثي، والمعاصر الجديد، والأوبرا العربية، والروك العربي، والبوب والتأليف الأوركسترالي، والقصيد السيمفوني، وأفلاك التجريب الحر والطرب، وسواها من الميول والحساسيات الفنية. ثمة فنانون لم أتناولهم لكنّ هذا لا يعني أنهم ليسوا مهمين. فهم يتحلّون بالأهمية في نتاجهم وسأسعى إلى تناولهم في بحث أو كتابة أخرى عندما تسمح الظروف. فالكتاب لا يتّسع لكل شيء والمشهد شاسع ومتشعّب ويستحق كتابة مجلّدات عنه. والأهم أن يبقى كلٌّ منا متواضعاً في إسهامه المعرفي والتأليفي كلما عَرَفَ أكثر، وكلما تعمّق أكثر. والمعرفة ليست مُطلقة عند أحد في العالم. وهي دائماً مُشرّعة على الاستكمال بطبيعة الحال.
○ كناقدة موسيقى وغناء هل ترين أننا في السنوات الـ20 الماضية سجّلنا في أرشيف التاريخ محطات فنية راقية رغم صعوبة المرحلة؟
• طبعاً ثمّة محطات مُشرقة لدى كل من فيروز ووديع الصافي، وزياد الرحباني، وهبة القوّاس، وجاهدة وهبة، وعبد الله المصري، ومرسيل خليفة، وغدي الرحباني، وأسامة الرحباني، وهيّاف ياسين، ومنير الخولي، وملحم بركات وسواهم. وهناك الكثير من الأسماء التي حفرت نتاجها الموسيقي أو الغنائي الجميل رغم صعوبة المرحلة. التأليف الأوركسترالي القالبي، أي التأليف المتعلّق بالقوالب الموسيقية العربية وفي غناء الكورالات، إلى آخره.
○ هل اعتمدت في تجميع مادتك المكتوبة على أبحاث خاصة بك؟
• طبعاً ارتكزت على أبحاث خاصة بي في تجميع مادتي المكتوبة للكتاب وعلى متابعة ومقاربة حثيثتَين.
○ حاز الفنان مرسيل خليفة على حصة وازنة من الكتاب رغم محدودية صفحاته (بحدود 80) وتوقفت عند كونشيرتو الأندلس. هل لنا تفسيراً بأهمية هذا الإنتاج في حياته؟
• لا تُقاس الكتب بعدد صفحاتها بل بالنوعية وليس الكمية. فلا جدوى من تأليف آلاف الصفحات في زمنٍ صار فيه القارئ اللبناني والعربي مرهقاً ومستنزفاً ولاهثاً خلف لقمة العيش، إضافةً إلى متاعبه وانشغالاته. المهم أن نقدّم له مادة نوعية وزبدة الزبدة في خلاصات تبقى للتاريخ، وهذا الأهم في التكثيف والاختصار. فمثلاً ديواني الشعري «الفرح عنوان الأبد» لم تكن صفحاته تتجاوز السبعين، غير أنّ نوعيّته أدخلتني مهرجان الشعر الدولي وقتذاك. كونشيرتو الأندلس لمرسيل في غاية الأهمية، لكنني مررت أيضاً بجدارية محمود درويش، وبديوان العود، وهما لم يصدرا بعد، وبنتاجات أخرى. الكونشيرتو هائل ومحطة لافتة في مسيرة مرسيل في الحوار بين العود والأوركسترا، وبين الموسيقى العربية في مفهومها والتوزيع الأوركسترالي، وآلة العود والكتابة الموسيقية لها، والملاعب التي تبرز فيها. العود في كل أفضيته وأمدائه المتجددة ليس تفصيلاً في مسيرة مرسيل بل أساساً، علماً أنني ذكرتُ أيضاً «الكونشيرتو العربي».
○ لك مع الرحابنة بدءاً من الراحل منصور إلى ولديه أسامة وغدي سيرة تقدير جلية. كيف تقرأين بين حضور كل من أسامة وغدي؟
• لكلٍّ منهما حضور خاص ومتميز. وأشكرك على السؤال العميق. في الحقيقة أن المقاربة بينهما صعبة، وأنا لا أميل إلى المقاربات النقدية الجامدة والمتخشّبة. أسامة منذ البداية وفي أسطوانته الأولى بعنوان «النظام الجديد» بدا طليعياً متطرفاً أحياناً في صبّ الموسيقى الجارفة درامياً. وكذلك كان في المسرح. أسامة مغامر موسيقياً ونتاجه جميل جداً بمجمله. أما غدي فهو متنوع وقد برز في الأغنية الملتزمة مع الفرسان الأربعة في الأغنية الوطنية الانتقادية لراهن لبنان السياسي، هذا الراهن المهترئ. وهو متجذّر في الموسيقى العربية. وله أيضاً مسرحه الغنائي. ولكل من أسامة وغدي خطه المؤسلب الخاص به. أي لكل منهما أسلوب خاص يميزه.
○ كناقدة ومعجبة كما هو ظاهر في تعريفات التبجيل للبعض هل كانت إمكانية الفصل بين الذاتي والعلمي متاحة؟ مبعث السؤال أنك ناقدة متخصصة موسيقياً.
• ليست المسألة يا عزيزتي مسألة تبجيل على الإطلاق. لنعترف بأن فيروز هائلة جداً ووديع الصافي عظيم وزياد الرحباني فريد بإبداعه، وبأن مرسيل خليفة فنان جماهيري لا يتكرر. وسواهم الكثير ممن ذكرتهم من المبدعين. إنّ الذي لا يريد الاعتراف بقيمة المبدعين تكون لديه مشكلة باعترافه بالواقع، وفي تقييمه لهؤلاء الفنانين. بالطبع يمكن الفصل بين الذاتي والعلمي، لكنّ الناقد يا عزيزتي إنسان، وله أدواته ومعاييره ومنظاره وأذواقه، وهذا حقه وهو حرٌ في إبداء اعجابه بصوت أسطوري مثل فيروز على سبيل المثال لا الحصر. أو بصوت مثل أم كلثوم أو أسمهان أو ليلى مراد أو نور الهدى، وهذا ليس عبارة عن تبجيل بل هو اعتراف بالواقع. وأنا لا أحب النقد الجاف الذي يعيش في أبراج عاجية متعالية عن قول كلمة حق بالمبدعين الذين يجاهدون رغم صعوبة الواقع ومرارته، لتجميل عالمنا وواقعنا بالإبداع والفن والجماليات، هؤلاء يستحقون الثناء والتقدير. طبعاً لنا قدرة النقد الموضوعي، وموضوعياً فيروز عظيمة وأكرّر قولي هذا ألف مرّة. وعاصي ومنصور الرحباني عظيمان، ووديع الصافي من أعظم أصوات الرجال. ومن لا يعترف بذلك لا يمكنه تقييم الفنانين بموضوعية. وهكذا تبدأ الإدعاءات النقدية للأسف الشديد. أحب أن يكون الناقد إنساناً قبل كل شيء، ذوّاقاً وجديراً بمقاربة وتناول كل الفنانين الذين يستحقون الثناء والتقدير.
○ هل ترين في تضمين بعض النصوص حوارات صحافية يصب في صالح الكتاب كبحث؟
• في الحقيقة يمكن تضمين أي كتاب بعض الحوارات أو المقالات الصحافية، منذ كتابي الأول «إضاءات موسيقية وفنية» ضمّنتُ الكتاب عدداً من المقالات والمحاضرات والندوات والأبحاث. وقد ضمّنت ذلك في كتاب «الموسيقى في لبنان بين العام 2000 والعام 2020» بما يخدم البحث والكتاب. فالمعرفة موجودة أصلاً في كتابات صحافية لي. ويمكن استقاء المعرفة من أي مصدر كان وهذا حق مشروع لخدمة الكتاب أو البحث. وهناك جامعات عالمية ترتكز في أبحاثها على ما نكتبه في الصحافة إذا كان نوعياً. فكتابي الأوّل مثلاً اقتنتْهُ بمبادرة منها مكتبات 26 جامعة عالمية وأدرجتْهُ في فهرسها، من ضمنها جامعات بأهمّية «هارفارد» و«ستانفورد» و«نيويورك» و«أمستردام» وهي مشكورة على مبادرتها الثقافية التي تعكس عمق اطّلاعها. فهي تبحث في هذه المعرفة عن هذا الموضوع أو ذلك. والأهم يكمن في الهدف المعرفي، فإذا كانت المعرفة متجلية أو متمثّلة جزئياً في حوار صحفي أو مقالة فهذا جيد ومناسب جداً وفقاً للسياق واكْتِناهِ الضرورة.
○ هل توافقين معي بأن العديد من الأسماء التي تضمّنها الكتاب تصح كبحث منفرد وخاص؟
• نعم بالطبع أوافقك الرأي. فكل منهم يستحق أن يُكتب عنه الكثير والعديد منهم يستحقون أن يُكتب عنهم في أعمالهم المستقبلية المقبلة. لكن في المقابل فإنّ في التكثيف والاختزال أو الاختصار حتى الآن حكمة في زمن السرعة والصعاب.
○ أخيراً؟
• أشكرك على قراءتك الغائرة في الدلالات وعلى الأسئلة الجميلة والعميقة والمثيرة للاهتمام رغم أنّ بعضها استفزازي، لكنها شكّلت توضيحاً للقراء. وأشكر «القدس العربي» على المساحة التي منحت لي وعلى مواكبة النتاج الثقافي والمعرفي.