عقلية المحو وإنتاج النص الأملس

معضلة كبيرة تلك التي يعاني منها النص الأدبي العربي عموماً، والروائي على الخصوص. الرقابة. الأمر لا يتوقف عند حدود رقابة نص يمكن طحنه وتدميره في أية لحظة، ولكنه يتخطاه في اتجاه التفكير في الدفع بالكاتب إلى إنتاج نص أملس، بدون نتوءات نقدية، يوائم ما تريده المؤسسة الرقابية منه والتي لا تؤمن إلا بما يشبهها، أو يسير في فلكها، وكل ما خرج عن ذلك وجب محوه أو رميه أو إهماله. لأن الإهمال من أدوات الرقابة الأكثر فتكاً هي كل الرقابات.
نعني بالنص الأملس النص الذي يقول كل شيء إلا ما يجب قوله. يخضع للنظم المملاة عليه بشكل مباشر أو غير مباشر. إيقاظ الجانب الانتهازي الموجود في أعماق أي إنسان منا، وتحريكه باتجاه الأنانيات الصغيرة التي تلغي قوته الاجتماعية، وانهيار سبل المقاومة أمام المغريات. يصبح النص الروائي بذلك خاضعاً لسلسلة من الإملاءات الثقافية والاجتماعية، والأخلاقية والدينية المسبقة، بحيث ينتفي فيه فعل الحرية الذي هو الحجر الأساس في أي كتابة. ما قيمة نص يخلو من جوهره الذي يحدد ماهيته؟ لا يمكن تخيل رواية بمستوى إنساني محترم دون الحرية التي تحكم صيرورة الكتابة. لهذا، يعاني النص الروائي العربي اليوم من كثير من المعضلات الثقافية والاجتماعية التي لا يملك لها حلولاً، فينشأ داخل دوامتها وتجاذباتها وتنافرها. مشروط بها وبالقدرة على تخطيها.
المطلوب عربياً، في ظل غياب المناخ الديمقراطي عموماً وتحول البنيات الاجتماعية من بنيات متحركة إلى بنيات متكلسة تثبت ما هو موجود، حتى ولو كان بائساً، من الكاتب، الروائي تحديداً، ألا يكتب نصاً يثير حفيظة المسؤول، أو رجل الدين، أو الحاكم، أو القبيلة. تغييب كل إمكانية للمساءلة والنقد. أي، عليه أن يكتب نصاً مأموراً، لا يشبهه في شيء إلا إذا كان الكاتب نفسه منخرطاً في لعبة الاستجابة، أملس ولزجاً يجير الكتابة لغير معناها الثقافي الإنساني. نعم، الكاتب ليس مبشراً، وليس سياسياً ولكنه الروح العظمى التي توقظ القيم الإنسانية كلما غابت أو كلما تكدست عليها أغبرة الزمن الصعب واللإنساني، يؤنسن كل ما فقد إنسانيته واستجابته للروح الحية التي ترى ما لا يراه الآخرون. يريدون منه نصاً مغيباً عن حاضره وزمنه لا يحكمه أي شيء، نصاً يعيد إنتاج ما هو سائد ومهيمن ولا يتخطاه أبداً. حتى على الصعيد الأدبي البحت، على الكاتب الروائي –بمنطقهم- أن يشتغل ضمن المعطيات الأدبية التقليدية المستهلكة، وكلما خرج عنها اتهم بالمروق الأدبي، أي بعدم الخضوع للنموذج المستقر.
وينشأ السؤال الطبيعي: كيف يمكن أن يتسنى للروائي أن يكون خلاقاً ومبدعاً فعالاً بالمعنى المحلي والقومي والإنساني في ظل هذه الشبكة العنكبوتية التي تسجنه؟ كيف يمكن له أن يربي معطيات إنسانية جديدة قادرة على التغيير. وكيف يستطيع أن يكون في صدارة التحولات المجتمعية، من وظائف الأدب أن ينتقد اليقينيات المستهلكة وينشئ مكانها أسئلة إنسانية جديدة تجعل الأدب في واجهة المتغيرات وليس في ذيلها، حيث لا يسود إلا الاسترجاع والتكرار. كيف يمكن لنص مأمور، أملس، مجرد من كل طاقته الإنسانية الخلاقة، كيف يستطيع أن يستوعب كل تناقضات المجتمع المعقدة الكامنة والظاهرة؟ مع أنه، على نظرة الكاتب أن تكون شموليه ترى ما يراه الآخرون وما لا يرونه.

جوهر الإنسان لم يتغير، ما يزال يبحث عما يخرج إنسانيته من توحشها الأول، ما يزال عرضة للحروب المبيدة، يبحث عن الحب في وضع تحكمه الضغائن.

نظرة واسعة تستطيع أن تستوعب كل التناقضات والقلق والخوف مما يرتسم في الأفق بشكل غامض. وإلا كيف استطاع بلزاك، الكاتب الفرنسي الكبير، سليل البورجوازية الفرنسية، أن ينتقدها ويبين لا أخلاقيتها، ويبشر بانهيارها حينما خانت قيمها؟ كيف تمكن الكاتب الإسباني الكبير، سيرفانتس، من وضع مجتمع الفروسية محل نقد وسخرية؟ كيف استطاع نص الليالي (ألف ليلة وليلة) أن يجسد مجتمع البذخ وسقوط الحكم العربي الذي استولى عليه المماليك أو أتباعهم؟
الرواية عالم شمولي يفترض نظرة بالاتساع نفسه، وإلا سيضطر النص إلى ارتداء ما ليس على مقاسه. وكلما استجاب للمؤسسة، أصبح أملس أكثر ملاسة، بلا معنى ولا قابلية للاستمرار ولا التأثير. الأيديولوجية مبطنة في كل نص، وهذا مقبول ومفهوم، لكن أكبر داء يصيب النصوص الملساء هو داء الأيديولوجية المملاة من فوق، التي تختزل كل شيء بوضعه في خانات مسبقة الصنع، تحرم النص من النظر خارج يقينياتها وأوهامها فتقتله وتنتفي فيه الديمومة المصاحبة للأدب العظيم، بمجرد انتهاء الظرفية الإيديولوجية والسياسية التي خلقته ورسخته. ماذا بقي من النصوص الملساء؟ التي انضوت تحت أوامر المؤسسة؟ والتي تغنت بالاشتراكية على مدار قرن من الزمن، تقريباً، بوصفها النصوص العظيمة التي رسخت أعدل نظام أنتجته البشرية: الاشتراكية، الاشتراكية التي خانت جوهرها الإنساني، وفرخت فيه ديكتاتورية غير مسبوقة؟ لا شيء. انطفأت النصوص وغاب كتابها نهائياً من المشهد الثقافي، مع نهاية المرحلة. لم تتعد النصوص كونها امتدادات للخطابات السياسية الوثوقية. في الوقت الذي بقيت فيه الإلياذة والأوديسة، والشاهنامة، وألف ليلة وليلة، ودون كيخوتي، آنا كارنينا والحرب والسلام، وفي البحث عن الزمن الضائع، الجريمة والعقاب، مائة عام من العزلة، أولاد حارتنا، وغيرها. لم تتأثر بالوقت أبداً، قدر النص العظيم، غير المأمور وغير المستجيب لقوى الهيمنة والطغيان، أن يستمر في الوجدان الإنساني بشكل مطلق.
جوهر الإنسان لم يتغير، ما يزال يبحث عما يخرج إنسانيته من توحشها الأول، ما يزال عرضة للحروب المبيدة، يبحث عن الحب في وضع تحكمه الضغائن. لهذا كله يبدو النص المأمور والأملس ضعيفاً ومنهكاً وخارج التاريخ، على العكس من النص الحر والمثقل بمسؤولية الكتابة. هناك سمات متقاطعة عربياً خاصة بوضع المرأة، وأنظمة الحكم، والديمقراطية، وحرية التعبير، والمواطنة، تجعل من حرية النص الروائي العربي رهاناً حقيقياً وصعباً، وقدراً كبيراً مكلفاً في ظل المعاناة واحتمالات السجن والتجويع، وربما الاغتيال. لا خيار للكاتب العربي سوى أن يظل مؤمناً وأميناً على مشروع التغيير، تغيير البنيات وتغيير الذهنيات، قادراً على زرع النور في أصعب المراحل وأكثرها قسوة، متشبثاً بأظافره وأسنانه، باليوتوبيات الجميلة التي لا تؤمن بالموت المبرمج للإنسان العربي، رافضاً أن يفقد ثقته وأمله في الحياة وفي الإنسان. العربي طينة هذه الأرض كبقية المخلوقات، يملك ما تملكه البشرية من طاقات حية، ينكسر من الخيبات الثقيلة، لكنه يقوم منها بقوة أكثر.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية