لندن ـ «القدس العربي»: على غير العادة، لم تف الجولة الافتتاحية لدور الـ16 لدوري أبطال أوروبا، بكامل وعودها، بتلك الجرعات أو الوجبات الكروية الخفيفة، التي أحبطت الملايين من عشاق كرة القدم الجميلة، بحصيلة تهديفية أقل ما يُقال عنها «فقيرة جدا»، بمعدل يلامس نصف هدف في كل شوط، أو هدف في كل مباراة، باستثناء مباراة واحدة انتهت بأكثر من هدف، وهي الأضعف والأقل مشاهدة بفوز بنفيكا على كلوب بروج بنتيجة 2-0، بينما الأسوأ، كان غياب المتعة والإثارة والجنون وتلك الأشياء المعروفة عن ليالي الثلاثاء والأربعاء، ما تسبب في ضرب نسبة المشاهدة في مقتل، بعد توجه أنظار الأغلبية الكاسحة للملاذ الآمن، بمتابعة مؤجلات البريميرليغ والليغا في نفس التوقيت، والجديد هذه المرة، الإقبال التاريخي على المشاهدة في ليالي الخميس المنسية، من أجل عيون من وصفهم طيب الذكر جوزيه مورينيو، بالقروش الفاشلة القادمة من ذات الأذنين إلى غياهب اليوروبا ليغ، أبرزهم كما تابعنا لقاء السحاب بين برشلونة ومانشستر يونايتد.
آفة الأثرياء
ظهرت مؤشرات الخذلان الكروي في معركة تكسير العظام بين باريس سان جيرمان وبايرن ميونيخ، ببداية أقل ما يُقال عنها صادمة للمشجع المحايد، الذي رسم في خياله مباراة من زمن العمالقة، بذكريات نهائي نسخة كورونا الصامت في العام 2020، والحرب الشعواء في ربع نهائي النسخة قبل الأخيرة، بيد أنه في الأخير، استيقظ على مباراة تندرج تحت مسمى «متوسطة المستوى»، وبالنسبة للبعض، كانت أقل من ذلك، خاصة في الشوط الأول، الذي جاء بآخر وأسوأ سيناريو كان ينتظره الجميع، بعودة آفة النادي الباريسي في هكذا مواعيد، وتجلى ذلك في توتر وسرحان جُل اللاعبين، بنفس السيناريو المحفور في أذهان مشجعيه في إقصائيات الأبطال. الفارق هذه المرة، أنهم كانوا محظوظين بما فيه الكفاية، بسماع أجراس الخطر مبكرا، وليس بعد فوات الأوان، على غرار صدمة مانشستر يونايتد في إياب نفس المرحلة عام 2019، وسرقة العام الماضي أمام كريم بنزيمة وباقي رفاقه في ريال مدريد. ويكفي أن المدرب كريستوف غالتييه، الذي تسلح بالثنائي الذهبي ليونيل ميسي ونيمار جونيور في التشكيل الأساسي، لم يهدد مرمى حامي عرين الضيوف يان سومر، إلا مرة واحدة على مدار 45 دقيقة، مقابل 10 محاولات لنظيره يوليان ناغلزمان، منها فرصتان مؤكدتان داخل الإطار الخشبي، وهذا في حد ذاته، لم يكن بالأمر المفاجئ بالنسبة للمتابعين الجيدين لمسار كلا العملاقين في الأسابيع القليلة الماضية، ولنا أن نتخيل أن فريق الأحلام المدجج بالأساطير والميغا ستارز، دخل الاختبار البافاري بعد انتصارين وهزيمتين وتعادل في آخر 5 مباريات في مختلف المسابقات، اكتملت بالخسارة المحرجة أمام موناكو بنتيجة 3-1 في عطلة نهاية الأسبوع، بعد أيام تعد على أصابع اليد الواحدة من الخروج من كأس فرنسا على يد الغريم الكلاسيكي الآخر مارسيليا. وفي المقابل، عرف البايرن طعم الانتصارات 3 مرات في آخر 5 مباريات، من دون أن يتجرع من مرارة الهزيمة، آخرها الاستعراض على بوخوم بالثلاثة، في نفس توقيت سقوط الباريسيين أمام ممثل الإمارة المستقلة، ليجني الفريق البافاري ثمار الصحوة المتأخرة، بتحقيق الهدف المنشود، بوضع قدم في الدور ربع النهائي، قبل ملحمة إياب «آليانز آرينا» المقررة في الثامن من مارس / آذار المقبل.
هدوء ما قبل العاصفة
بإلقاء نظرة عامة على أحداث قمة باريس والبايرن، والأسباب الجوهرية التي قادت كبير الألمان لأخذ الأسبقية قبل موقعة الحسم، سنجد منها الاستغلال المثالي للتفاصيل البسيطة والقراءة الموفقة من قبل المدرب ناغلزمان. ولعل من شاهد المباراة في النقل المباشر، لاحظ كيف حافظ الفريق الألماني على تفوقه وسيطرته شبه المطلقة على مجريات الأمور مع بداية الشوط الثاني، كرسالة مزدوجة لأصحاب الأرض، بأنه لم ولن يكتفي بما قدمه في الشوط الأول، وأيضا رفع مستوى التحذير، في ما كانت أشبه بصافرات الإنذار التي لا يحمد عقباها، وهذا ما حدث، بعد دقائق قليلة من لمسة المدرب الشاب، بإقحام الكندي ألفونسو ديفيز في مكانه في مركز الظهير الأيسر، على حساب الوافد الجديد جواو كانسيلو مع بداية الحصة الثانية، ليرسل هدية العمر للباريسي المولد والهوى كينغسلي كومان، ليذيق نادي الطفولة والمراهقة من نفس مرارة نهائي 2020، بتسديدة ثعبانية غادرة في شباك المغلوب على أمره جانلويجي دوناروما، الذي اكتفى بمحاولة خجولة مع الكرة، لحفظ ماء وجهه أمام المشجعين، في ثاني تجسيد من قبل كومان للمقولة المأثورة «علمته الرماية… ولما اشتد ساعده رماني»، والدليل على ذلك، أنه لم يسجل مرتين في إقصائيات الكأس ذات الأذنين في فريق واحد، سوى في شباك الفريق الذي اكتشف موهبته في الطفولة. كل هذا ولم يكن النادي الباريسي، قد سجل حضوره في المباراة، بمعاناة انطبعت على ملامح وجه البرغوث وصديقه البرازيلي، لصعوبة اختراق ثلاثي الدفاع البافاري، ونفس الأمر بالنسبة لفيراتي وسولر وبدرجة أقل الموهوب الصغير وارين زاير إيمري، الذي خطف الأضواء بحضوره الطاغي ومكره الكروي في تحدياته المباشرة مع لاعبين أكثر منه خبرة، مثل كيميتش وغوريتسكا، أما غير ذلك، بالأحرى في المعركة الجماعية على دائرة الوسط، فكانت في قبضة بايرن ميونيخ، تارة بالاندفاع البدني الهائل على أول مدافع باريسي، وتارة أخرى بهيمنة مطلقة على الكرة مع تنوع في شن الغارات على مرمى أفضل حارس مرمى في يورو 2020، الذي لولا تألقه في أكثر من اختبار محرج، لكانت موقعة إياب «آليانز آرينا»، مجرد 90 دقيقة تحصيل حاصل، إلى جانب الطاقة الإيجابية التي بعثها الفتى المدلل كيليان مبابي، بعد مشاركته في الشوط الثاني على حساب الصغير إيمري في آخر نصف ساعة، تلك الفترة التي تحركت خلالها المياه الراكدة، بومضات جريئة على حامي عرين الضيوف، كادت واحدة منهم أن تسفر عن هدف العودة إلى الحياة في آخر ربع ساعة، لولا وقوع نونو مينديز في مصيدة التسلل قبل أن يرسل تمريرة الهدف الأبيض لمبابي، بالإضافة إلى فرصة ميسي الضائعة بغرابة في الدقائق الأخيرة، الأمر الذي اعتبره المدرب غالتييه، مبررا لتحفيز اللاعبين والرأي العام قبل رحلة بافاري، معتقدا أن صحوة رجاله في آخر 25 دقيقة، تعطيه مؤشرا إيجابيا يمكن البناء عليه في الاختبار الفارق، الذي يعرف جيدا أن نتيجته ستكون مصيرية بالنسبة لمستقبله في «حديقة الأمراء»، فهل سينجح في فك شفرة البايرن وينجو من مقصلة الإقالة؟ هذا ما سنعرفه الشهر المقبل.
تعثر الإنكليز
في نفس توقيت القمة الفرنسية الألمانية، كان ميلان العظيم، على موعد مع استعادة، ولو جزء بسيط من أمجاده ومغامراته، في بطولته المفضلة في عصر الرئيس الأسطوري برلوسكوني، محققا أول انتصار في مراحل خروج المغلوب في دوري أبطال أوروبا، منذ عقد من الزمان، على حساب ضيفه الإنكليزي المترنح توتنهام، بهدف نظيف حمل توقيع المهاجر المدريدي إبراهيم دياز في أول سبع دقائق، ولولا التفنن في باقي الفرص التي أتيحت لجيرو ولياو على وجه التحديد، لعاد كونتي وفريقه إلى عاصمة الضباب بأكثر من هدف، لكن في الأخير، اتفق الجميع على أحقية الروزونيري في الفوز المعنوي، الذي جاء في توقيت مثالي بالنسبة للمدرب ستيفانو بيولي، للتغلب على أحزانه المحلية، بتلك السلسلة الكارثية، التي توقفت بالفوز الشاق على تورينو في عطلة نهاية الأسبوع، بنفس نتيجة ملحمة السبيرز، في المقابل، أخذ على مواطنه أنتونيو كونتي، مبالغته في تحفظه الدفاعي، وإصراره على ما تُعرف على «كرة القدم القبيحة»، بحصر تركيز لاعبيه على فكرة البحث عن ركلة ثابتة بالقرب من مربع العمليات، كما وضح في مشاهد سقوط هاري كاين ورفاقه في المواجهات المباشرة مع سايمون كايير وباقي المدافعين ولاعبي الوسط، وذلك بحثا عن المخالفات المباشرة وغير المباشرة والركنيات، وليس لتهديد الحارس سيبريان تاتاروسانو من خلال اللعب المباشر والمفتوح، وهذا يعدنا إلى مربط الفرس، حول فقر محتوى مباريات الجولة الافتتاحية للدور ثمن النهائي لأم البطولات، والدليل على ذلك، أن أكثر مشجعي السبيرز تفاؤلا، كانوا على يقين، أن فريقهم لن يسجل إلا من خلال هدية من دفاع الخصم أو بضربة حظ من كرة ثابتة، للنسخة الباهتة التي بدا عليها الفريق، حتى بعد تأخره بهدف مبكر، بإصرار غريب من قبل المدرب، على الرسم التكتيكي 3-4-3، مع تعليمات صارمة للظهيرين بيريسيتش وإيمرسون، بالبقاء في وسط ملعبهم، واحد لإيقاف انطلاقات دياز المفاجئة من اليمين، والآخر لمجاراة لياو وثيو هيرنانديز، في الجهة اليسرى النارية للميلان، حتى تدخلاته في آخر 20 دقيقة، باعتماده على ريشارليسون وأرنوت غروينفيلد على حساب هيونغ مين سون وكولوسيفسكي، وقبلهما حل بن ديفز محل كليمون لينغليه في الدفاع، لكن الأمر كان تطبيقا للمقولة الشهيرة «كأن شيئا لم يكن»، بنفس الإستراتيجية المتحجرة، التي كانت واضحة وضوح الشمس بالنسبة لبيولي، الذي عرف كيف يفرض أفكاره على كونتي، بحرمانه بامتياز من رفاهية الهجمات المعاكسة، التي يراهن عليها الميستر كونتي في هكذا مواعيد، لكن هذه المرة، أسفرت عن واحدة من أسوأ مبارياته الأوروبية مع الديوك، استكمالا لحالة التخبط، التي بدأت تهدد كونتي ومشروعه أكثر من أي وقت مضى، بعد فضيحة عطلة نهاية الأسبوع، بالسقوط أمام ليستر سيتي بالأربعة.
ولم يكن ممثل الإنكليز الثاني في هذه الجولة، أوفر حظا من جاره اللندني، والحديث عن تشلسي، الذي واصل عروضه ونتائجه المحطمة لآمال المشجعين تحت قيادة المدرب غراهام بوتر، بالانحناء أمام بوروسيا دورتموند بهدف مارادوني من إمضاء كريم أديمي، في مباراة كانت كاشفة لوضعية واستعداد كل فريق، أحدهما لم يعرف سوى طعم الفوز في 6 مباريات، منها 5 مباريات على التوالي في حملة البوندسليغا، بينما الآخر الأزرق، فلم يحقق سوى انتصارين في آخر 13 مباراة في كل البطولات، والمثير للقلق، أن الهزيمة جاءت بصورة كربونية من الانتكاسات المحلية، باستقبال أهداف سهلة، مقابل التفنن في إهدار الفرصة السهلة تلو الأخرى، كما شاهدنا القادم من أتلتيكو مدريد على سبيل الإعارة جواو فيليكس، وهو يهدر بمفرده فرصتين منهما هدية لا ترفض من كاي هافرتز، بخلاف الفرصة التي أنقذها الحارس ولامست القائم الأيمن في نهاية المباراة، ليبقى بوتر وفريقه في تلك الدائرة المفرغة، التي يعرفها الصغير قبل خبراء التحليل، باللغز الكبير في الثلث الأخير من الملعب، تلك الإشكالية التي تكشفها لغة الأرقام، على الأقل في حملة البريميرليغ، بالاكتفاء بتسجيل 23 هدفا في أول 22 جولة، ما يعني أنه في حال فشل المدرب في العثور على طريقة أو آلية لحل هذا الصداع، فلن تقوم للبلوز قائمة في ما تبقى من الموسم، بالعربي الفصيح، لن يعود لدائرة المنافسة على المراكز الأربعة المؤهلة لدوري الأبطال الموسم المقبل، وسيعاني كثيرا للإبقاء على آماله في تخطي بوروسيا دورتموند والذهاب بعيدا في ذات الأذنين، ولو أن هذا لا يمنع حقيقة، أن الأداء الجماعي لتشلسي كان مقبولا أمام أسود الفيستيفاليا، وكان الأمر اللافت، هو عودة أسد التيرانغا كاليدو كوليبالي، إلى شيء من مستواه الذي كان عليه مع نابولي في الدوري الإيطالي، بعد تعرضه لانتقادات قاسية في الأشهر الماضية، لفشل ثنائيته برفقة تياغو سيلفا، والسؤال الذي يفرض نفسه: هل سينجح بوتر في تدارك أخطاء مباراة الذهاب ويقلب الطاولة على دورتموند في إياب «ستامفورد بريدج» الشهر المقبل؟ هذا ما سنعرفه في السابع من مارس / آذار المقبل.
إثارة القروش الفاشلة
على النقيض من مباريات الكبار في ليالي الثلاثاء والأربعاء، وجد عشاق اللعب الجميل، ضالتهم في قمة اليوروبا ليغ، التي جمعت برشلونة بمانشستر يونايتد على ملعب «كامب نو»، وانتهت بهدفين في كل شبكة، ضمن مواجهات ذهاب دور خروج المغلوب الإقصائي، وكان من الممكن أن تنتهي بتعادل أو فوز تاريخي لأحد الفريقين، بعد هذا الكم الهائل من المحاولات الجريئة والفرص المؤكدة التي أتيحت للعملاقين، بما في ذلك الشوط الأول الذي انتهى على نتيجة البياض، قبل أن يحدث الانفجار الكبير في الـ45 دقيقة الثانية، بأسبقية لأصحاب الأرض، برأسية من القادم من تشلسي ماركوس ألونسو، إثر ركلة ركنية نفذت من الجهة اليمنى، ليأتي الرد السريع من المتوهج في فترة ما بعد كأس العالم ماركوس راشفورد، ثم بهدية بالنيران الصديقة من المدافع الفرنسي كوندي في شباك زميله الألماني تير شتيغن، واكتملت الإثارة بعودة البارسا في النتيجة، بلمسة إبداعية من البرازيلي رافينيا، شارك فيها جلاد الجلادين روبرت ليفاندوسكي. وما أثار إعجاب المشاهد المحايد، بالأحرى ما عوض خذلان وضعف مباريات الأبطال، تلك التنافسية والرغبة الجامحة في تحقيق الفوز من كلا الفريقين، ناهيك عن الجودة الفائقة والتقارب الكبير في مستواهما سواء على المستوى الفردي أو الجماعي، وإلا لما ظلت معلقة وقابلة لكل الاحتمالات حتى اللحظات الأخيرة من الوقت المحتسب بدلا من الضائع، وهو السيناريو المتوقع والمنتظر في إياب «أولد ترافورد» المقررة يوم الخميس، لكن السؤال هنا: هل ستكون المواجهة بمثابة الملاذ الآمن مرة أخرى وتكتسح مواجهات كبار الأبطال في ختام مرحلة ذهاب دور الـ16 وعلى رأسهم النهائي المكرر للنسخة الأخيرة بين ليفربول وريال مدريد؟ دعونا ننتظر ونأمل بأن نحظى بمشاهدة ممتعة في الأسبوع الأوروبي الجديد.