يتجه المزاج الأوروبيّ، إذا كان لنا أن نقرأ مزاج الأمم مما يشغل نشرات أخبارها، بشكل متزايد نحو اليمين وأقصى اليمين، ويبدو من تتابع الأحداث في غير ما ساحة أوروبيّة أساسيّة، في فرنسا، وألمانيا، ورومانيا وغيرها، أن التيارات الوسطيّة التي استعادت بعضاً من توازنها بعد هزّة الأزمة الماليّة العالميّة عام 2008 تترنح مجدداً، بعدما فشلت فشلاً ذريعاً في احتواء الانعكاسات الاقتصاديّة السلبيّة للصراع الأمريكي الروسيّ في أوكرانيا، ولم تقدّم ما يُسقط ذريعة الاستقطاب حول مسألة المهاجرين، ولم تجد في النهاية لإنقاذ سلطتها بداً من الإغارة على مكونات دولة الرفاه الاجتماعي التي طوال عقود نجحت في امتصاص كل تذمر شعبي محتمل، ومنحت مجتمعات أوروبا استقراراً مديداً تحت المظلة الأمريكيّة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
في فرنسا: ملكة اليمين تتحكم بالجمهوريّة
في بلاد الفرنجة، تراجعت الدّراما الاجتماعية التلفزيونيّة من الموقع الأوّل لفرجة الناس اليومية على شاشاتهم لمصلحة دراما سياسيّة أكثر إثارة تجري وقائعها اليومية المعلنة بين البرلمان، وقصر الرئاسة في الإليزيه، حيث صراع أشبه بنزال يوميّ بين برلمان منقسم دون أغلبيات ورئيس أقرب إلى بطّة عرجاء تستند إلى عصى استثناءات دستوريّة نادرة كي يمكنها الوقوف.
لم يعد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المحسوب على وسط الطيف السياسي في بلاده بذي حيثيّة، بل أفسح منذ بعض الوقت المجال لماريان لوبان، زعيمة التيار اليميني المتطرف للعب دور ملكة السياسة المتوجة، فلا يبرم أمر جلل في الجمهورية دون رضاها، وهي أسقطت لتوها ثالث رئيس وزراء تقدّم به ماكرون لإدارة الأزمة – ميشيل بارنييه -، وتتهيأ لإسقاط الرابع حديث التكليف – فرانسوا بايرو -.
لقد دفعت مشاعر غضب الأكثرية في فرنسا من سوء إدارة حكومات ماكرون في ملفات الاقتصاد والهجرة والتغوّل على المكتسبات الاجتماعيّة إلى حضن أقصى اليمين، وأصبح حزب التجمع الوطني ذي الجذور الفاشية – الذي تقوده ماريان – وحلفاؤه الأكثر شعبيّة في البلاد لأول مرة منذ أكثر من أربعة عقود، وكسح مرشحوه حزب ماكرون في الانتخابات البرلمانية الأوروبيّة الأخيرة بداية الصيف الماضي، ثم تقدموا على كل الأحزاب في الدّورة الأولى للانتخابات البرلمانية المبكرة – التي دعا إليها ماكرون مرتعداً مما آلت إليه أمور الانتخابات الأوروبيّة -، وبالكاد نجح توافق عريض من كل أحزاب فرنسا ضدّهم في منع حصولهم على الأغلبيّة اللازمة للحكم، ومع ذلك انتهوا بأكبر عدد من المقاعد كحزب منفرد، وإن دون أغلبيّة.
قد تستمر دراما ماكرون – ماريان لبعض الوقت، وربما حتى نهاية اليوم الأخير لولاية الرئيس الحالي في 2027، لكن المرجح – إن بقيت توجهات الناخبين كما هي اليوم، ولا ما يشير إلى تغيرها سريعاً – أن تنتقل حينها ماريان إلى الإقامة في الإليزيه، وأن يشكل اليمين المتطرف أول حكومة له في تاريخ الجمهورية الخامسة – التي بدأت في عهد ديغول -، بكل ما يعنيه ذلك على مستوى الداخل الفرنسيّ، كما على مستوى الإقليم بحكم موقع فرنسا المحوري بالاتحاد الأوروبيّ.
وفي ألمانيا: إلى اليمين در
وغير بعيد من باريس، حمي وطيس الحياة السياسيّة في برلين أيضاً، وهي المتسمة عادة بالملل والبطء والتحفظ، فاستدعى مستشار ألمانيا أولاف شولتز نواب البرلمان، وطلب إليهم التصويت على إسقاط حكومته، كي يتسنى إجراء انتخابات عامّة في البلاد بعدما تنازع أطراف الائتلاف الثلاثي الحاكم منذ العام 2021 فيما بينهم وذهبت ريحهم.
الإشارات التي قرأها شولتز حول نوايا الناخبين – المتجهة يميناً أيضاً كما في فرنسا – كانت شديدة الوضوح، اذ اجتاحت أحزاب متطرفة من أقصى يمين السياسة انتخابات محليّة في أقاليم شرق ألمانيا – الديمقراطية السابقة -، فيما تلقت أحزاب الائتلاف الحاكم صفعات متلاحقة، حتى أصبح مؤكداً أنها ستكون خارج السلطة في حال إجراء انتخابات عامّة.
هذا الغضب الشعبي لدى أكثرية الألمان والذي ترجم في صناديق الاقتراع لا يبعد كثيراً في أسبابه عما أثار حنق جيرانهم الفرنسيين، حيث انكمش الاقتصاد الألماني بشكل غير مسبوق منذ تأسيس الدولة الفيدرالية المعاصرة نتيجة انعكاسات صراع الغرب مع روسيا في أوكرانيا، وفشلت الحكومة في تلمس مخاوف المواطنين تجاه الهجرة، ولم يجد شولتز بديلاً عن كسر قاعدة دستوريّة تحظّر زيادة مستوى الدين العام عن نسبة معينة كحل لتدارك الأزمة وهو ما تسبب بسقوط حكومته بعد خروج الشريك الأصغر منها والمعارض لكسر تلك القاعدة.
كل استطلاعات الرأي اليوم تقول بأن الانتخابات العامة المقبلة – شباط القادم – ستنتج برلماناً يهيمن عليه اليمين، فيما سيحصل حزب البديل من أجل ألمانيا المتموضع على أقصى اليمين على ما يمكن أن يصل إلى ربع مجموع الأصوات ما سيجعله إماماً شريكاً أساسياً في الحكم، أو أقله قائداً للمعارضة – إن التزمت الأحزاب الأخرى جميعها بتعهدها المعلن بشأن الامتناع عن العمل مع الحزب بحجة تطرفه -.
وفي شرق أوروبا كما غربها: يمين x يمين
الانحراف نحو اليمين ليس مقتصراً على جناح أووربا الغربي، فاليمين أصلاً وصل إلى السلطة في غير ما بلد في جناحها الشرقيّ، وكاد مرشّح يميني مناهض للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أن يتولى السلطة رئيساً للجمهوريّة في رومانيا هذا الشهر لولا أن النخبة الليبرالية الحاكمة تجرأت على إلغاء الانتخابات وإعادتها في وقت لاحق بحجة محاولات تأثير روسية على النتائج التي منحت المرشح القومي المستقل كلين جورجيسكو فوزاً حاسماً في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسيّة. واللافت أن أسباب صعود جورجيسكو واليمين في رومانيا لا تختلف بنيوياً عن تلك في غرب أوروبا: ضغوط الاقتصاد، ومخاوف الهجرة وحروب الثقافة، كما الفساد المستشري عبر الإدارات العامة.
الترامبية الجديدة: مظلة لغرب تيامن
هذه التيامن الأوروبي عبر القارة شرقها والغرب يفور على خلفيّة العودة الصاعقة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى السلطة مجدداً، كنموذج أعلى لليمين الشعبويّ في الحكم. ولذا فإن الغرب كله على بوابة تغيير هائل في ألوان نخبه الحاكمة خلال الأشهر والسنوات القليلة القادمة، بما قد يعنيه ذلك من ميل إلى سياسات الانعزال، والحروب التجاريّة، والصراعات الثقافية داخل المجتمعات، وهو تغيير تبدو الجماهير مشتاقة له رغم كل هذه المخاوف.
لقد قال مواطنو الغرب كلمتهم: فليحكم اليمين. وسيكون علينا في الشرق تحمّل تبعات ذلك، سلباً وإيجاباً. يا له من قادمٍ صعب.
إعلامية وكاتبة لبنانية