طرابلس ـ «القدس العربي»: تتفاقم أزمة البطالة يوما بعد آخر في ليبيا تزامنا مع مشاكل اجتماعية واقتصادية عديدة يمر بها المواطن الذي لم يتنفس الصعداء منذ اندلاع الثورة الليبية عام 2011 حيث دخل في دوامة من الأزمات لم تنته.
وفي الوقت الذي تتضارب الأرقام الرسمية وتختلف حول نسب البطالة في ليبيا، تتفاقم حدة الأزمة، لا تملك الحكومة أي حلول ناجعة لمواجهتها، كما لا تسعى لتوفير فرص عمل جديدة لعشرات آلاف العاطلين عن العمل.
وحسب آخر الأرقام الصادرة فقد أعلن البنك الدُوَلي عن ارتفاع معدلات البطالة في ليبيا عند 19.6 في المئة، حيث إن أكثر من 85 في المئة من السكان النشطين اقتصاديا يعملون في القطاع العام والاقتصاد غير الرسمي.
وقال في تقريره الأخير إن الاقتصاد شهد عام 2022 انكماشا بـ1.2 في المئة وسط تضخم مدفوع بدرجة كبيرة بارتفاع أسعار المواد الغذائية والإسكان والكهرباء، حيث وصل المؤشر الرسمي لأسعار المستهلكين إلى 4 في المئة نهاية 2022 في حين شهدت سلة الحد الأدنى من الإنفاق الغذائي التي تلبي الاحتياجات الأساسية زيادة قياسية بلغت 38 في المئة في الأسعار.
وتصنف ليبيا على أنها صاحبة خامس أكبر احتياطي للنفط في المنطقة العربية بعد السعودية والعراق والكويت والإمارات، وصلت نسبة البطالة فيها إلى نحو 19 في المئة، بينما تعيش نحو 45 في المئة من أسرها تحت خط الفقر، ويحتاج نصف سكانها تقريبا إلى مساعدات مالية لمواجهة غلاء السلع والخدمات، حسب تصريح سابق لمدير مركز «أويا» للدراسات الاقتصادية أحمد أبولسين.
وفي ظل هذا الوضع يعاني الشباب الليبي في رحلة بحثه عن عمل، بينما يشير بعض المراقبين إلى أن تفشي الفساد في البلاد أحد أسباب تزايد هذه الظاهرة.
وتعتبر الحروب التي عاشتها ليبيا وحالة عدم الاستقرار في البلاد، سببا مهما في زيادة معدلات البطالة.
وتحدث عدد كبير من المراقبين عن ارتفاع كبير في ظاهرة الهجرة غير الشرعية من أبناء الشعب الليبي، حيث زادت هذه النسبة بعد تدهور الوضع الاقتصادي في البلاد، وهذا مؤشر كبير على ارتفاع معدلات البطالة.
المتطلبات المعيشية في البلاد
تتصاعد في الآونة الأخيرة مطالبات المختصين الداعية إلى ضرورة تنويع الاقتصاد الليبي للخروج من حالة «التبعية المطلقة» لقطاع الطاقة في البلاد التي تعتمد على إيرادات النفط والغاز بنسبة تفوق 95 في المئة، خاصة في ظل المخاطر التي تواجه هذا القطاع بسبب الظروف الأمنية في البلاد وتذبذب أسعار الطاقة العالمية.
وفي تشرين الثاني/نوفمبر عام 2022 بلغ عدد الباحثين عن العمل في ليبيا ربع مليون شخص (250 ألفًا) سجلوا بياناتهم بوزارة العمل والتأهيل بحكومة الوحدة الوطنية، وذلك حسب الناطق باسم وزارة العمل عبدالقادر أبو شناف.
وأضاف أبو شناف، أن تلك الإحصائيات تحتاج إلى مراجعة وتدقيق بشكل رسمي، منوهًا أنه لا توجد نسب دقيقة لمعدلات البطالة في ليبيا.
ووفق الإحصاءات المتفاوتة تتراوح نسب البطالة بين 19 و30 في المئة، بينما تختلف أنواع البطالة، بين مَن لا يجد عملًا على الإطلاق (بطالة صريحة) ومَن يحصل على راتب ومقيد على وظيفة حكومية بدون أن يعمل بشكل فعلي أو منتج (البطالة المقنعة).
وتقول تقديرات مركز الدراسات الاجتماعية، التابع لوزارة الشؤون الاجتماعية في حكومة الوحدة الوطنية، أن 45 في المئة من الأسر الليبية تعيش تحت خط الفقر، في قفزة قياسية هذا العام مقابل معدل 29 في المئة في عام 2009 فيما لا يتجاوز عدد سكان ليبيا 6.8 مليون نسمة.
فيما كشفت منظمة الزراعة والغذاء التابعة للأمم المتحدة «الفاو» في تقرير سابق، أن حوالي 10 في المئة من السكان بحاجة إلى المساعدة الإنسانية، من ضمنهم 500 ألف شخص يحتاجون إلى مساعدات غذائية.
ويواجه العمال في ليبيا ظروفا صعبة تتمثل في عدم توفر التأمين والرعاية الصحية، فضلا عن الأجور الزهيدة التي لا تتماشى مع الغلاء والظروف المعيشية للبلاد، في وقت يطالب فيه ديوان المحاسبة بضرورة تخفيض الكادر الوظيفي.
ويؤكد الموظفون والعاملون أن هناك غيابا تاما للتأمين على العمال، وحسب شهادات عدد من موظفي قطاع التعليم العام، فإن الزيادات الأخيرة في مرتبات قطاع التعليم التهمت بسبب التضخم، وأنها لا تزال زهيدة جدا بالمقارنة مع المتطلبات المعيشية في البلاد.
ويشتكي العمال الليبيون في القطاع العام من حقوقهم الناقصة حيث أن معظم القطاعات الحكومية لا تمنح تأمينا، مع رواتب زهيدة بالمقارنة مع سعر الصرف الجديد، وقد أدى الانقسام السياسي الحاصل في البلاد وعدم وجود انتخابات أو دستور إلى جعل حقوق العامل في القطاع الخاص مسحوقة من قبل رب العمل.
معدلات الفقر
عموما فإن الليبيين مهددون بالفقر أكثر من أي وقت مضى، حيث قال مدير مركز الدراسات الاجتماعية هيثم الصويعي أن هناك عدداً من الأسر تعاني أزمات معيشية قاسية في مختلف المناطق، مبينًا أن البيانات الخاصة بمعدلات الفقر تحتاج إلى تحديث، متوقعا أن الرَقَم للعام 2023 يراوح ما بين 35 و40 في المئة.
وقال مدير مركز «أويا» للدراسات الاقتصادية أحمد أبولسين إن النسبة العظمى من الشعب فقيرة بسبب تخفيض القوة الشرائية للدينار بـ70 في المئة، وعدم وجود حماية اجتماعية للطبقات الفقيرة وسط التضخم والأزمات المعيشية المتراكمة في البلاد.
وتكشف أرقام البنك الدولي ومنتدى دافوس الأخيرة عن ليبيا بشأن الاقتصاد والتعليم عن «كوارث مفاجئة» مقارنة بما كان عليه الحال قبل عام 2011 رغم الثروات الهائلة للبلد النفطي.
وفي أحدث تقرير للبنك الدولي عن ليبيا بعنوان «ليبيا الآفاق الاقتصادية- سبتمبر 2022» جاء فيه أن دخل المواطن بعد الثورة قد انهار بعد أن أُنهك الاقتصاد بسبب النزاع، حتى بلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي في 2022 نصف قيمته قبل عام 2011.
وفي 2011 كان دخل المواطن الليبي أكثر من 15 ألف دولار سنويًا، وانحدر في 2022 إلى 6000 دولار.
ووصل إنتاج النفط إلى أعلى معدل له خلال 6 سنوات، بما يقرب من مليون ومئتي ألف برميل يوميًا، وخلال منتصف العام الماضي وفي شهر حزيران/يونيو كان المصرف المركزي مسروراً بتحقيق فائض في الموازنة بلغ 4.8 مليار دولار.
ويقول الأستاذ في العلوم السياسية محمد بالروين في مقال رأي نشره في شباط/فبراير الماضي إن الإشكالية الأولى التي يجب حلها بعلمية وعقلانية هي «إشكالية المعرفة» بمعنى لابد من البدء بإصلاح المؤسسات التربوية والتعليمية ومناهجها إذا أردنا بناء دولة حديثة ومتقدمة، أي لابد أن يكون العلم على رأس الأولويات مهما كلف الثمن، لأن فقدان العلم لا يعني إلا شيئا واحدا هو انتشار واستمرار ثالوث الفقر في كل ربوع الوطن.
وحسب بالروين فإن الإشكالية الثانية التي يجب حلها هي «إشكالية السلطة» فبالرغم من أنه لا يوجد تعريف واحد مُحدد ومُتفق عليه لمعنى مفهوم السلطة إلا أنه يمكن تحديد معناها في حصر الصلاحيات التي يمنحها الشعب للمسؤولين واختيار الأدوات التي تحدد نوع هذه الصلاحيات.
وحسب الأستاذ في العلوم السياسية وعضو الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور فإن الإشكالية الثالثة التي يجب حلها هي «توزيع الثروات» بمعنى إيجاد معايير توافقية عادلة لتوزيع الثروات، ودسترة هذه المعايير حتى لا يتم تسييسها.
ويعاني سكان ليبيا بين تأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم وسط دخول متدنية وارتفاع الأسعار وانخفاض القوة الشرائية للدينار، في مقابل عدم توفير دعم للطبقات الفقيرة والهشة.