الجزائر- حسام الدين إسلام: تعيش الجزائر على وقع ارتفاع قوافل المهاجرين غير النظاميين من أبنائها بحراً نحو أوروبا، ما سبب حالة قلق للسلطات بعد فشل إجراءاتها في وقف تدفق “الحراقة”.
و”الحراقة” مصطلح محلي يطلق على المهاجرين غير النظاميين عبر قوارب إلى أوروبا، وهو مشتق من الفعل “حرق”، أي تجاوز الحدود بطرق غير قانونية، عبر عمل يُسمى “الحرقة”.
وقال مدير الهجرة في وزارة الداخلية، حسان قاسيمي، في 24 ديسمبر/ كانون أول الماضي، إنّه “يجري حالياً التحقيق حول شبكات أصبحت تمتهن تهريب البشر عن طريق البحر”.
واعتبر قاسمي، في تصريحات صحافية، أن السبب وراء تنامي ظاهرة “الحرقة” هو شبكات جديدة مختصة في تهريب البشر، تتمركز بشكل أكبر في الساحل الغربي للجزائر.
وأوضح أن “الحرقة أخذت شكلاً متطرفاً وعنيفاً؛ فهي تنتهي غالباً بمآسٍ تُؤثر على العائلات وحتى السلطات العمومية”.
السبب وراء تنامي ظاهرة “الحرقة” هو شبكات جديدة مختصة في تهريب البشر، تتمركز بشكل أكبر في الساحل الغربي للجزائر
وأوضح أنّ “العقوبات الجزائية لم تعد رادعة، ما يقتضي المرور إلى العمل الجواري (التعاون مع دول الجوار) والقضاء على بائعي شبكات تهريب الحراقة”.
حصيلة ثقيلة
رغم مصادقة البرلمان الجزائري، في 2009، على قانون يجرّم الهجرة غير النظامية ويعاقب أصحابها بالسجن، يستيقظ الجزائريون يوميًا على أخبار توقيف أو غرق أو وصول مهاجرين إلى السواحل الأوروبية.
وكعينة لتصاعد الظاهرة، ذكرت وسائل إعلام محلية، في 24 ديسمبر/ كانون أول الماضي، أن حراس السواحل في محافظة مستغانم (شمالي غرب) أحبطوا محاولة 13 شخصاً الهجرة بطريقة غير نظامية نحو أوروبا.
وقبلها بيومين، أحبطت قوات خفر السواحل محاولة 12 شخصاً الهجرة إلى أوروبا من الشواطئ الغربية للجزائر.
وفي 18 من الشهر نفسه، لقي 20 مهاجراً حتفهم غرقاً على بعد 50 ميلاً من سواحل محافظة وهران (غرب)، فيما نجا تسعة آخرون.
ووسط غياب إحصاءات رسمية جزائرية حول عدد “الحراقة”، سجّلت وزارة الدفاع إحباط محاولة هجرة 650 شخصاً، خلال نوفمبر/تشرين ثاني الماضي، بحسب حصيلة نشرتها على موقعها الإلكتروني، في الثاني من الشهر الماضي.
3000 حالة وفاة ومفقود
كشف تقرير حديث للرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان (غير حكومية)، في 18 ديسمبر/ كانون أول الماضي، أن 2160 مهاجراً غير نظامي غرقوا أو أصبحوا في عداد المفقودين منذ مطلع 2018.
وأضافت الرابطة، في تقرير بمناسبة اليوم الدولي للمهاجرين، أنه تم إحباط محاولة هجرة أكثر من 8217 شخصاً بين عامي 2015 و2018.
وأفادت بـ”نحو 3000 حالة وفاة ومفقود منذ 2009″، بينما تم توقيف 14 ألف جزائريين على حدود القارة الأوروبية في 2017، و12700 خلال 10 أشهر من 2018.
ويبلغ عدد قرارات الترحيل نحو الجزائر من البلدان الأوروبية أكثر من 5000 جزائري سنوياً، بحسب المنظمة الحقوقية الجزائرية.
وأعلنت المحافظة السامية الإسبانية للاجئين، في 27 نوفمبر/ تشرين ثاني الماضي، أنّ 3599 جزائرياً وصلوا إسبانيا عبر البحر أو المنافذ البرية (سبتة ومليلية)، بين يناير/ كانون ثاني وأكتوبر/ تشرين أول الماضيين.
ويبلغ عدد قرارات الترحيل نحو الجزائر من البلدان الأوروبية أكثر من 5000 جزائري سنويًا، فيما وصل 3599 جزائريًا إلى إسبانيا عبر البحر أو المنافذ البرية، بين يناير وأكتوبر الماضيين
القانون غير كافٍ
يعتقد المختص الاجتماعي، محسن بن عاشور، أنّ أسباب تنامي أعداد “الحراقة” في السنوات الأخيرة “اجتماعية ونفسية، وليست اقتصادية”.
وأضاف بن عاشور أن “ما يقع اليوم من مغادرة الشباب الجزائري نحو أوروبا على متن قوارب الموت يعتبر مأساة حقيقية”.
وتابع أنّ “القانون الذي أصدرته الدولة لمكافحة الحرقة غير مجدٍ؛ فهو لا يخيف الحراقة.. الشاب الذي يغامر عبر الهجرة السرّية، ولا يدري إن كان سينجو أو يموت في البحر، لا يخيفه القانون الردعي”.
وشدد على أن “الحراقة اليوم يخاطرون بحياتهم، ولا يأبهون بالسجن إن تم القبض عليهم”.
وقال إنّ “دافع الحراقة للهجرة إلى أوروبا ليس اقتصادياً، بل اجتماعي يقوم على التقليد والسير على خطى من نجحوا في بلوغ الأراضي الأوروبية”.
واعتبر أنّ “أسلوب الحياة ونمط العيش والانفتاح الذي تصوره الأفلام والمسلسلات هو ما يجذب الشباب الجزائري نحو مغادرة بلادهم”.
ورأى أنه “لا يمكن للسلطات الحدّ من تنامي ظاهرة الهجرة السرّية لعوامل عديدة، منها طول الشريط الساحلي الجزائري الممتد لأكثر من 1200 كلم.. لا يمكن مراقبة هذه المساحة الجغرافية الهائلة، ويصعب على الدولة التمييز بين قوارب الصيد وقوارب الحراقة”.
حوار ووظائف
بينما اعتبرت نادية دريدي، رئيسة الجمعية الوطنية لترقية وحماية المرأة والشباب” (غير حكومية) أنّ ارتفاع “الحراقة” الجزائريين بنسب قياسية راجع إلى الظروف الصعبة التي يعيشونها في بلدهم.
وقالت دريدي إنّ “سنة 2018 سجلت تنامي مقلق وغير مسبوق لظاهرة الهجرة”.
وتابعت: “دائما التقي واتحدث مع حراقة.. يخبرونني أنهم كرهوا الحياة، وملّوا من وضعهم المتردي اجتماعياً، ويفضلون خيار الحرقة على البقاء بلا عمل في وطنهم”.
وإجمالاً تبلغ نسبة البطالة في الجزائر نحو 10 في المئة، لكنها تصل إلى 30 في المئة بين الشباب، وهم يمثلون قرابة 70 في المئة من عدد السكان البالغ حوالي 41 مليون نسمة.
ودعت دريدي السلطات الجزائرية إلى “تسليط عقوبات قاسية على مهرّبي المهاجرين، للتقليل من تنامي الظاهرة”.
وحثت السلطات على “فتح باب الحوار مع الشباب حتى لا يختار الحرقة، وذلك بخلق مشاريع واستثمارات للشباب وتوفير مناصب الشغل (فرص عمل) لهم”.
وحذرت من “ارتفاع عدد المهاجرين غير النظاميين مستقبلًا ما لم تفتح الحكومة باب الحوار مع الشباب وتسمع انشغالاتهم وهواجسهم المختلفة”.
ورأت أنّ القوانين الردعية التي تطبقها الدولة ضد الحراقة، كالسجن والغرامات المالية، غير كافية في ظل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتدهورة حالياً. (الأناضول)