القضايا المنتصرة تحتاج إلى السياسة الصائبة أكثر من حاجتها إلى قبور الشهداء(عن الناقد الفلسطيني:فيصل درّاج)
إذا كانت إسرائيل تحطم اليوم بعنفها الدموي دويلة على أراضي67، فلماذا نفترض أنها ستقبل بدولة ديمقراطية علمانية تنهي وجودها كدولة يهودية؟..ولكن هل قبولها ضروري أصلا،أم أن من الممكن تجاوزه،أي العمل من الداخل على نفي السمة الكولونيالية الصهيونية عن الدولة،مثلما هزمت جماهير جنوب إفريقيا الأبارتايد نظاما ومفهوما؟
كانت التطورات التي شهدتها القضية الفلسطينية خلال الفترة الفاصلة بين توقيع اتفاق أوسلو في أيلول ـ سبتمبر1993وانعقاد مفاوضات كامب دايفيد، قدأظهرت المطبات الكبرى التي تعترض فكرة إقامة دولة فلسطينية مستقلة في حدود الرابع من حزيران1967لى جانب دولة إسرائيل، وبخاصة في ضوء إصرار حكّام إسرائيل على إبقاء القدس موصدة، والحفاظ على المستوطنات اليهودية، ورفض الانسحاب من أجزاء واسعة من الضفة الغربية.
وأمام هذا الواقع الجديد بدأت تبرز بين صفوف بعض الباحثين والمفكّرين العرب والفلسطينيين فكرة مفادها أن الحفاظ على فلسطين موحدة، في حدودها الإنتدابية، قد يكون هو المنطلق الأمثل للتوصل إلى حل نهائي لهذا الصراع.وراحت تظهر بخصوص الشكل الدستوري الذي يمكن أن تتخذه فلسطين الموحدة هذه،اجتهادات متباينة، تراوحت ما بين العودة إلى فكرة قيام دولة ديمقراطية علمانية في فلسطين، أو دولة ثنائية القومية، وفكرة قبول الفلسطينيين بأن يكونوا مواطنين يتمتّعون بحقوق المواطنة الكاملة في دولة إسرائيل التي يتوجّب عليها أن تتخلى عن طابعها اليهودي.
هذا يعني أنّ المشروع الصهيوني قد تعامل مع الجوهر،وهو السيطرة على المكان بكل خيراته وموارده، وتفريغه من طابعه ومن سكّانه، وتهويد معالمه، والنظر إلى الشعب الفلسطيني مجزّأ كما»خلقته» إسرائيل.وهذا الجوهر يرفض الاعتراف بمسؤوليته عن خلق قضية اللاجئين وتهجيرهم، ويعمل جاهدا على نسف أية إمكانية لعودتهم، وذلك من خلال السيطرة على أملاكهم الفردية والجماعية وخصخصتها وتهويدها.وهذا الجوهر يرى في الفلسطينيين داخل مناطق48 خطرا أمنيا وديموغرافيا على الدولة اليهودية، وهو ذاته يرى ضرورة استمرار السيطرة على الضفة الغربية وقطاع غزّة بأدوات عسكرية احتلالية.وتجهد إسرائيل في منع الشعب الفلسطيني من التعامل مع ذاته كشعب، بما يعنيه ذلك من الربط بين قضاياه رغم حالة التجزئة القسرية.وهذا ما بيّنته جليا اتفاقيات أوسلو،التي خلقت وضعا يبدو فيه وكأن هناك ثلاث قضايا فلسطينية متصادمة في المصالح والأولويات، وهذا فرق جوهري بين السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية(م.ت.ف) التي مثّلت إلى حد كبير الشعب الفلسطيني بمجموعه.ووفق التعامل التجزيئي أصبح الانتصار الإسرائيلي والهزيمة العربية عام1967،لا الغبن التاريخي،هما نقطة البداية ومنطلق أي حل.
واليوم..تستغل الحكومة الإسرائيلية التداعيات الدراماتيكية في الأراضي المحتلة لمحاولة فرض أحد خيارين على الفلسطينيين:إما أن يرضوا ببنتوستنات عرقية في بعض أراضي الضفة الغربية وغزّة، من دون حق عودة اللاجئين الفلسطينيين ومن دون سيادة فلسطينية على القدس، وإما أن يخضعوا للتطهير العرقي، أو لنكبة جديدة توعّد بها أكثر من مسؤول إسرائيلي.. وهذا الخيار الأخير لم يعد ضربا من الديماغوجية الصهيونية المتطرّفة، بل تسلل وبقوّة إلى التيار العام، إذ بات يُطرح من قبل أكاديميين وصحافيين وكتّاب، وراحت أصوات متصاعدة من داخل الحزبين الرئيسيين (العمل والليكود) تدرس بعض الأشكال»المقبولة»لهذا التطهير.
في العقود الثلاثة الأخيرة كان شعار»دولتان لشعبين»يُعدّ تعبيرا عن الواقعية والحكمة السياسية في آن واحد، أما الآن فلا بد من التفكير بجدية ونزاهة فيما إذا كان ذلك الشعار لا يزال صحيحا، بل لا بد من التفكير فيما إذا كان شعار»دولة ديمقراطية علمانية في فلسطين التاريخية»وهو شعار يطرح حلا إنسانيا وأخلاقيا للصراع، قد بات أكثر واقعية كحل لهذا الصراع..
إنّ إسرائيل ترفض تبديل طبيعتها اليهودية العرقية التفوّقية، أوتبديل سياساتها العنصرية تجاه الشعب الفلسطيني، وتعتبر هذا الرفض دفاعا عن مبادئ إسرائيل»الديمقراطية»وعن شعب يهودي توقّف اضطهاده التاريخي لمجرد دخول الصهيونية على الخط.
ومن هنا فإن التفوّقية اليهودية هي ما يجعل قضية إسرائيل، بوصف هذه الدولة يهودية بدلا من أن تكون إسرائيلية، أمرا بالغ التقديس لا يمكن تبديله، لأن ذلك سيكون شأنا غير عملي، وإن التزام هذه النزعة، هو ما يجعل من عودة اللاجئين الفلسطينيين»خطرا ديموغرافيا»يهدّد الغالبية اليهودية في إسرائيل (وهي غالبية باتت كذلك تحديدا لأن الفلسطينيين الذين يسعون اليوم إلى العودة إلى أراضيهم وبيوتهم قد سبق أن طُردوا منها أصلا) وإن ذلك الالتزام هو الذي يواصل شرعنة معاملة الفلسطينيين داخل حدود1948مواطنين من الدرجة الثالثة.وهو الذي يشرّع استمرار الاحتلال صمّام أمان أمام التهديدات الموجّهة إلى إسرائيل كدولة عرقية تمييزية يهودية.
ما يلفت النظر تاريخيا أن الشعب الفلسطيني لم يكن في أي فترة سيّد نفسه قدر ما هو في الجولة الحالية من الصراع مع إسرائيل، وليس مصادفة أن أيا من الحلول المطروحة اليوم أو في الماضي لم يكن حلا بادر إليه الشعب الفلسطيني.فاقتراح الدولتين هو اقتراح دولي، وما سبقه من اقتراحات لم يكن بمبادرة وإرادة فلسطينية، وما اقترح في أوسلو كان إسرائيليا منبثقا من تضعضع بنية م.ت.ف.ونهاية مرحلة دولية قائمة على أساس نظام القطبين.
ومن هنا، فإن ما نشهده اليوم من تحول فهو نضال الشعب الفلسطيني كي يكون سيّد نفسه من حيث رفضه الأمر الواقع، ومحاولته خلق توازن أمني مع إسرائيل، رغم الفارق الهائل في القدرة العسكرية بين الطرفين،مستحدثا أدوات لهذا التوازن بما فيها- العمليات الاستشهادية- ويأتي ذلك بعد أن جرّب الشعب الفلسطيني العديد من المسارات،التي لم تؤدّ إلى الاستقلال ولا السيادة ولا إحقاق حقوقه الجوهرية ولو بالحد الأدنى المطروح دوليا،وهو حل الدولتين.وما دام المجتمع الدولي لا يوفّر الحماية للشعب الفلسطيني،فإن هذه المقاومة ستبقى ضرورة حياتية،لا سيما وأن المراد الصهيوني لا يعرف»الوسط»ولا التعايش، بل هو»البديل»لهويتنا الحضارية بمضمونها القومي، أي أنّ جوهر المعركة مع»إسرائيل»هو النصرالكامل أو الهزيمة الكاملة:الوجود أو الانقراض لأحد الطرفين.
أما الأرض والاقتصاد و…و…فهي تفاصيل ونتائج المقدمة الأولى.
كاتب صحافي
وعضو في اتحاد الكتّاب التونسيين
محمد المحسن