ليس بالمستغرب أن يتخذ المفكرون من الأنثروبولوجيا مصدرا أساسيا لا غنى عنه، في معالجة التحولات الثقافية في العالم، والعلاقات المتشعبة بين مفاهيم الثقافة والناس بشتى أعراقهم وإثنياتهم. وهي التي غالبا ما تلخصها فكرة العادات، إذ يمكن تصنيف شعب أو عرق، وفقا للخصائص الثقافية – اللغوية أو الدينية أو غير ذلك – بالإضافة إلى الخصائص الجسدية وحتى النفسية.
وهذا كما يقر هؤلاء الباحثون مخطط تصنيفي للاختلاف، مشابه لما استخدمه العديد من الحضارات في الماضي؛ من أجل تنظيم السكان. وهو يتخذ في تقديرهم أشكالا مختلفة، فمخططات التصنيف الأوروبية، مرتبطة بزخم الحداثة في القرن التاسع عشر؛ وهي من ثمة تطورية. أما تصنيف الشعوب في الإمبراطوريتين الصينية والعربية، فقد كان مكانيا في المقام الأول؛ ولعله لا يزال. وفي أوروبا ، كما هي الحال في عالم البحر الأبيض المتوسط القديم، يتم عادة تحويل الفضاء إلى وقت حيث «البعيد» يصبح «الخلف»؛ ما يفسر الأنظمة الثقافية السائدة والمتحولة، ويلقي الضوء على مراكز الهيمنة، حيث يتحول الناس بنسبة أو بأخرى، إلى «حيوانات ثقافية» تستقل أنماط تنظيمها عن خصائصها البيولوجية، فتتميز الثقافة عن الفطرية وعن كل ما يتم تعلمه؛ لكن من غير إغفال البنى النفسية، وعمل اللغة، ودور الخيال في صياغة الذات. على أن ما نخلص إليه من قراءاتنا في مصنفات المعاصرين من أهل الفكر الذين نتعلم منهم، أن العلاقات معقدة بين التغيرات في الواقع الاجتماعي من ناحية، وتلك القائمة في الخطاب الأكاديمي وفي شتى الاستخدامات الاجتماعية لمفهوم الثقافة، من ناحية أخرى. وفي هذا ما يفسر جوانب غير قليلة من سياسات الهوية الثقافية والنظريات «الثقافية» وظاهرة ما بعد الحداثة، وتراجع الهيمنة الغربية؛ جنبا إلى جنب مع صعود خطاب ما بعد الاستعمار.. ولعل هذا ما يسوغ رأي البعض في أن الثقافة نوع من «الشيفرة» الشبكية أو المعرفية التي تنظم الحياة الاجتماعية بأكملها؛ على ضرورة تنسيب هذه «المصادرة» حتى لا يعامل الأفراد على أنهم استنساخ ثقافي. هل يمكننا التفكير في الثقافة بمعزل عن قضاياها السياسية، وفي السياسة خارج محدداتها الثقافية؟ هل يمكننا تجريد الثقافة من علاقات القوة؟ هل هناك حاجة اليوم لاستدعاء تحليلات غرامشي لدور الثقافة في تحديد علاقة الهيمنة السياسية، أو تلك الخاصة بفلاسفة مدرسة فرانكفورت، في ما يتعلق بالثقل السياسي للصناعات الثقافية التي تكاد تختزل الثقافة في «صناعة ترفيهية»؟ يبدو الآن أن الرأي العلماني نفسه يقر بأن وسائل الإعلام والصناعات «التخيلية» تشكل معا أقوى ناقل للتمثلات الثقافية والتمثلات السياسية. والسؤال السياسي إذن هو سؤال «التنوع الثقافي» أي تعايش الثقافات دون أي هيمنة من أي منها.
وها هنا «ينسحب» أهل الفكر عندنا، ويتقدم الفاعلون السياسيون في العالم العربي، وهم المتنفذون، فالخيارات السياسية هي الأساس؛ كما هو الشأن في الأزمة بين الجزائر والمغرب، أو بينها وبين فرنسا، بحكم الإرث الاستعماري الثقيل؛ وقد تلقي ظلالها على تونس، التي تجد نفسها بين «نارين» أو بين أمرين أحلاهما مرّ. أما استقبال المواطنين المغاربيين الثقافي لهذه الاختيارات، فهو في المنظور السياسي «استقبال المستهلك» الذي يوهمه الخطاب الإعلامي «المسيس» وهو جزء من «أجهزة الدولة الأيديولوجية» إنه طرف، كما لو كان قد اشترك في صياغة الموقف عن غير قصد.
هذا الخلط بين الثقافة والاتصال يقوم عندنا وعند غيرنا في قلب القضايا السياسية المعاصرة، حيث تنزع الصناعات السياسية إلى اختزال الثقافة في «صناعة استهلاكية» مَثَلُها مَثَلُ جميع عناصر الاستهلاك الأخرى. وقد لا يخفى أن هذا يتعارض مع المفهوم «العلمي» للثقافة، ومفهوم الثقافة الشرعية أو المشروعة، أو تلك التي نحصل عليها بمحض إرادتنا واختيارنا، وما يتوافق حسب كل منا مع التصور الجمالي لها، أو مع المفهوم الأنثروبولوجي الخاص بكل الممارسات الاجتماعية وطرق عيش مجتمع بعينه؛ أو مع يسمى «دمقرطة الثقافة». وهذا لا يعني أن الترابط بين الثقافة والسياسة معدوم بالجملة، فكل عاداتنا الاجتماعية التي شكلها التاريخ والأرض واللغة والدين والأدب.. عنصر يشارك في ثقافة المجتمع. ومن ثمة فالثقافة في هذا المعنى لا تنفصل عن الهوية «السياسية» لأي جماعة. ومع ذلك يظل السؤال السياسي هو سؤال «التنوع الثقافي» أي تعايش الثقافات، دون أي هيمنة من أي منها. وها هنا يحسن التشديد على أمرين اثنين: أحدهما دور الدولة الثقافي، فربما لا جدال فيه من حيث المبدأ، وهو موضوع توافق سياسي وأخلاقي حقيقي، كما يفترضه الباحثون، لكن من غير أن يسوق ذلك إلى احتكار الدولة الحياة الثقافية؛ إذ ثمة في عالم اليوم، على تفاوت ذلك من بلد إلى آخر، مشاركة السلطات المحلية مثل البلديات والمجتمع المدني والمؤسسات الصناعية ودور النشر وغيرها، في الحياة الثقافية. والآخر هو المتغيرات في العالم المعاصر التي تعزز «الأنموذج» الثقافي الوطني، وتشرعه على شتى التنوعات الثقافية، وتبذر فيه روح التبادل؛ بما استجد من مفاهيم مثل، النسبية التي غيرت مفهوم الزمن التاريخي، ذاك الذي أقرته الميتافيزيقا، وقياسنا له حيث يكون الشهر أحيانا خيرا من عام كامل، أو أكثر شرا منه مثل، هذا الزلزال المروع الذي ضرب تركيا وسوريا، وهو يحوي من مقبل الأحداث والوقائع، ما قد لا تستوعبه إلا حقبة أو أكثر. ولا أحد اليوم، بميسوره أن يدرك ارتداداته، وما قد تجلبه من تغيرات وتحولات جيوـ سياسية لن تكون الثقافة والحضارة عامة بمعزل عنها؛ خاصة في العالم العربي الإسلامي بثقافاته المتعددة المتنوعة، أو المختلفة من حيث التقاليد الجمالية والأسطورية والتاريخية. وهذا الحادث «غير المتوقع» بهذا الدمار، وكلنا منه في غمرةٍ كارثةٍ، من شأنه أن يقلب مفهوم الثقافة، بل الفكر الأنثروبولجي نفسه. قد يكون ما نقوله أشبه بكلام معاد مكرور، أو بالعود الأبدي بعبارات أهل الفلسفة؛ لكنه العود الذي يعيد المطابق. ومن ثمة نقول إن هذين، أي الثقافة والسياسة، مصطلحان يلوحان للوهلة الأولى متباعدين، بل متناقضين؛ بل يتعذر التوفيق بينهما، فقد تكون الثقافة المنشودة مساحة للحرية، حرية الفنان المبدع قاعدة واستثناء، وحرية الجمهور أيضا. أما السياسة فهي الفعل نفسه، وفضاء الإرادة؛ أو هي بعبارة أرمان جان دو بلاسيس «فن جعل الضروري ممكنا» أو «فن الممكن» كما تترجم هذه العبارة اختزالا، أو النسبي، أو هي التسوية والتراضي والاتفاق، بل هي الدهاء وهو العقل عند العرب، والبصر الثاقب بالأمور، وهي أيضا مجال الصراعات، وتحديدا الصراع على السلطة. وهي في أحيان غير قليلة، إغراء ووعد واستعباد أيضا كلما صرف أهل السياسة عنايتها إلى الشأن الثقافي، أو سعوا إلى تأطيره والتحكم فيه.
غير أن الواقع أكثر تعقيدا، وجيراننا في الضفة الأخرى من المتوسط، أو ما نسميه المركز هم أنفسهم مصنفون مثلنا ثقافيا أو حتى «عرقيا» على كراهة هذا اللفظ. لكن على ضرورة تنسيب هذا الوصف، بسبب من القدرة البشرية على التعلم والتطور، وتعهد الذات، ومراجعة المسلمات، ولعل خير مثال لذلك الموقف الألماني من الزلزال في تركيا وسوريا، فقد عبرت ألمانيا عن استعدادها للسماح للأتراك والسوريين المقيمين فيها، باستقدام ذويهم من المنكوبين، مع تيسير إجراءات التأشيرة. وهذا مظهر من ثقافة الضيافة، يعيدنا إلى المفهوم الكانطي، حيث يقرر كانط أن كرم الضيافة ينبع من حق طبيعي، وأن المناطق المتباعدة جغرافيا، تستطيع على ما بينها من حُجُب المكان، أن تعقد علاقات صداقة بين بعضها بعضا، تُقر عليها القوانين العامة، بما يجعل الجنس البشري يقترب من دستور عالمي. والضيافة هي لب المواطنية العالمية الكانطية. وما أحوجنا في عالم اليوم إلى هذه الضيافة التي لا تتعلق بالعمل الخيري، أو الإحسان أو حتى حب البشر؛ وإنما بالقانون. والمسوغ لذلك أن الضيافة ليست أخلاقية ولا دينية، إذ هي ترتبط ارتباطا مباشرا بتأسيسٍ دستوري لعالم البشر المتعدد شعوبا، المتميز دولا. وهو ما يطرح مسألة الأجنبي من منظور كرم الضيافة الذي هو من كرم الثقافة «وحقه في أن لا يعامل معاملة العدو في البلد الذي يفد إليه».
وهذا سياق يحسن أن نتنبه إليه بسبب من اتساع مفهوم الثقافة، من حيث هي «كل ما يتم تعلمه» الأمر الذي يميز الثقافي من «الفطري» الذي يُحمل في ثقافتنا الدينية على الابتداء والاختراع والخِلقة والكلمة، عندما يعبر عنه لسانه ويفصح. والثقافي بهذا المعنى هو حجر الزاوية في كل نظام جديد أو منشود؛ بما يؤكد أن الثقافة موضوع مستقل للتحقيق العلمي، بصرف النظر عن «الطبيعة البشرية» (وهي طبائع) وخصائص الناس البيولوجية. فالثقافي متغير أو هو يُبنى باستمرار فضاء لمعنى مرجأ أبدا.
كاتب وشاعر تونسي