رحل، إذن، علي الشوك (1930 ــ 2019)، المثقف العراقي الرفيع الذي يستحق الصفة الموسوعية بامتياز عالٍ؛ الكاتب الرهيف كفراشة، ولكن القاطع كنصل؛ الباحث المتعطش أبداً إلى العمق والإحاطة والرصانة، ولكن ذاك الذي أتقن فنّ اليُسْر في إيصال المعنى المعقد، فبرع في تفادي العُسْر؛ المتعدد في هواجسه الثقافية، بين الرياضيات والفيزياء والموسيقى والأدب، ولكن المقتصد المتقشف في استعراض علومه، كأنه أحد ألمع تجسيدات عصرنا لمقولة التواضع المعرفي الكبرى التي اقترحها الإمام الشافعي قبل أكثر من 1200 سنة: كلما أدّبني الدهر أراني نقص عقلي/ وإذا ما ازددتُ علماً زادني علماً بجهلي.
كان صاحب خيارات قصوى، كما يتوجب القول، لا تلوح متعارضة أو متباينة أو حتى متناقضة إلا من وجهة نظر السطح، لا الباطن السحيق: أرستقراطي، في المحتد العائلي كما في الطلعة والمظهر، لكنه اختار الانتماء إلى الحزب الشيوعي العراقي لأسباب فكرية جوهرياً (وليس لأنّ اليسار كان «موضة» خمسينيات القرن الماضي، كما يرى البعض)، فاضطُهد واعتُقل واضطرّ إلى اختيار المنفى؛ ونال بعثة لدراسة الهندسة في بيركلي، مارّاً بالجامعة الأمريكية في بيروت، لكنه انتهى إلى شغف مزدوج مركّب: الرياضيات والموسيقى؛ وفي لندن، منفاه الأخير حيث أسبل جفنيه للمرّة الأخيرة، كانت مكتبة «إيلنغ برودواي» العامة هي محجّه اليومي، ليس إلى الموسيقى والأسطورة والرواية وأسرار اللغات فحسب، بل إلى مُعاركة مفاهيم عصية ومستعصية مثل «ما بعد الحداثة».
في وسع عراقيين كثر أن ينصفوا الشوك أفضل منّي، غنيّ عن القول، ولكني اخترت هنا جانباً واحداً في إنصاف الراحل كنتُ شاهداً عليه؛ وأقصد علاقته الكتابية مع فصلية «الكرمل» الفلسطينية، ومشاعر الحماس الغامر ــ والإعجاب، وفضول القراءة، وحسّ الاستزادة، أيضاً ــ التي كان محمود درويش يقابل بها موادّ الشوك المرسلة للنشر. كان التواصل قائماً بينهما منذ أواخر العام 1984، إذْ نشرت المجلة، في عدد كانون الثاني (يناير) 1985، مادة أولى للشوك بعنوان «مداخلة في المفردات المتشابهة»؛ أعقبتها مادّة ثانية بعنوان «اهتمامات ميثولوجية واستطرادات لغوية»، في عدد تموز (يوليو) 1986؛ وهكذا، حتى المادة المعنونة «إعادة اكتشاف ستندال: ستندال بأقلام آخرين»، صيف 2005، وقبل سنة من توقف «الكرمل» عن الصدور. كان الشوك يرسل مواده بالبريد، إذْ أنّ المراسلة الإلكترونية لم تكن قائمة آنذاك، مكتوبة بخطّ جميل، أنيق مثل صاحبه، راقص وناعم وشبه مسماري؛ أسجّل، هنا، أنه كان عنصر إعجاب إضافي من جانب درويش، صاحب الخطّ الخاصّ بدوره. وحين غادر درويش باريس نهائياً، فانتقل إصدار «الكرمل» إلى رام الله، كتب الشوك يعتذر عن إرسال أيّ بريد إلى فلسطين المحتلة، فصرت أستقبل موادّ الشوك على عنواني الشخصي في باريس، ثمّ أحوّلها إلى درويش.
ولستُ أذكر أية مادة نُشرت للراحل في المجلة دون أن تثير عند درويش خيط نقاش مستفيض، كنّا نجريه على الهاتف بين رام الله أو باريس، أو حضورياً إذا تصادف التحضير لعدد جديد مع وجود رئيس التحرير في فرنسا. وأذكر أنّ مادة للشوك بعنوان «نحن وهوميروس»، نُشرت في العدد المزدوج 36 ــ 37، صيف 1990؛ استفزت درويش على نحو خاصّ، وبالمعنى الإيجابي للاستفزاز، بالنظر إلى ما تحظى به «الأوديسة» و«الإلياذة» من مكانة خاصة في نفس شاعر مثل درويش، فلسطيني طروادي بامتياز. كان الشوك قد بدأ مادته بسرد حكاية المثل العربي القديم: «أخرق من ناكثة غزلها»، عن امرأة من قريش كانت تغزل وتأمر جواريها أن يغزلن، ثمّ تنقض وتأمرهن أن ينقضن ما فتلن؛ وفيها تقول سورة النحل، آية 92: «ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً». وبالطبع، كانت بينيلوبي، زوجة عوليس، هي القصد من عقد المقارنة.
قرينة ثانية يسوقها الشوك هي «صحيفة المتلمس»، حسب المثل الجاهلي أيضاً؛ أي حكاية خال طرفة بن العبد مع عمرو بن هند ملك الحيرة، ورسالته إلى عامله على البحرين التي تضمنت الأمر بقطع يدَي المتلمس ورجليه، ودفنه حياً. الحادثة الهوميرية المشابهة هي قصة بيليروفون، حفيد سيزيف، مع الملكة أنتيا، التي راودته عن نفسه فأبى، فوشت به إلى زوجها الملك الذي أرسله إلى ليسيا مع صحيفة مطوية نُقشت عليها رموز توصي بقتله. خلاصة أخرى في فرضية الشوك هي أنّ وادي الرافدين «كان المنبع الأول لقصص البطولة الملحمية، وذلك منذ أيام جلجامش، أو إذا توخينا الدقة، منذ سيرة سرجون الأكدي (2340 ــ 2284 ق. م.) أول فاتح في التأريخ حقق انتصارات عسكرية على صعيد إمبراطوري». وهو في هذا يتكيء على حقيقة وجود ترجمة باللغة الحثية لأجزاء من ملحمة جلجامش.
وإلى جانب غزارة المعلومات، والمقاربة الجدلية في الربط بين المعطيات المتباعدة، وشغف الاستكشاف والحفر والتقليب والترجيح (وتلك، وسواها، سمات قياسية في جميع أعمال الشوك، ابتداء من «الأطروحة الفنطازية» وحتى «كيمياء الكلمات»، ليس دون الإشارة على نحو خاصّ إلى «تأملات في الفيزياء الحديثة»)؛ ظلّ دأب التعمق يخلي مساحة سخية للتشويق، والإمتاع، والمؤانسة؛ وكذلك لذّة النصّ، في اختصار رولان بارت الشهير!