يعتقد كثير من المتلقِّين أن حكاية علي بابا واللصوص الأربعين جزء أصليّ من كتاب «ألف ليلةٍ وليلة» كيف لا، وهم يشاهدونها مرارا مقتبسةً في أفلام هوليوود وديزني، ومحوّلةً إلى مسلسلات كرتونٍ، وقصص أطفالٍ، ومسرحيّاتٍ، وأغانٍ، وغيرها، جميعها تذكر أنّ مرجعها الأدبيّ هو حكايات شهرزاد الشرقيّة، غير أنّ هذا غير صحيحٍ، فلم تكن هذه الحكاية المغرية سوى إحدى الإضافات المقحمة من المترجم الأول لنصِّ الليالي أنطوان غالان، أو من أحد مساعديه؛ السوريّ حنّا دياب، الذي يذكر بورخس أنّ له ذاكرة لا تقلّ إلهاما عن ذاكرة شهرزاد نفسها. اختلطت هذه الحكاية إذن مع المتن الشهرزاديّ، وبات من الصعب على غير المختصّين تمييزها عن الأصل، وكانت هي وحكاية علاء الدين من أكثر الإضافات اقتباسا في مجالات الفنون غير الأدبيّة، على غرار باليه: «ألف ليلة وليلة» المرتكز على موسيقى الأذربيجانيّ فكرت أميروف الذي ضمّ أحد فصوله هذه الحكاية، التي سأحاول مقاربتها من خلال عرض مسرح الكرملين لسنة 2013:
خصوصيّة المشهد:
يبدأ هذا المقطع بديكورٍ غريبٍ، نرى من خلاله ما يشبه الصخور الصقيلة مصفوفةً بانتظامٍ، وبأحجامٍ متفاوتةٍ، يتوسّطها سيف مشهر، مقبضه باتجاه أرضيّة المسرح، وحدّه باتجاه الأعلى. ونرى أيضا اثني عشر رجلا بزيٍّ شبه موحّدٍ، في يدي كلِّ واحدٍ منهم خنجر، يشهره بحماسةٍ، وعلى صدره وشم أسود غريب، حركاتهم عنيفة، وعلى شيءٍ غير قليلٍ من العدوانيّة والتحفّز، ونلاحظ تركيز الكاميرا على أحدهم؛ فهو الذي يقود حركاتهم، ويوجّهها، ولا يوحي وجهه بغير القسوة، والشراهة، والشهوانيّة الطاغية. ولا تكاد تمضي بضع دقائق، حتّى يقترب هذا القائد من السيف المشهر وسط المسرح، وبإشارةٍ خاصّةٍ من يده، تنفتح ثغرة صغيرة أسفله، نرى من خلالها ذهبا ونفائس كثيرةً، وسرعان ما يلجها الرجال ليضيفوا إليها شيئا ممّا لديهم، فنستنتج أنّهم ليسوا سوى لصوص حكاية علي بابا، وقد قلّص عددهم لضرورات العرض من أربعين إلى اثني عشر، واستعيض عن مغارتهم العجيبة، ذات البوّابة الصّخريّة، بهذه الثغرة العجيبة أيضا، الضيّقة إلى حدٍّ ما، ولكنّها تختصر كثيرا من غموض الأولى، وسحرها. وما دام اللصوص حاضرين، فحتما لن يطول انتظارنا لعلي بابا؛ غريمهم، وعدوّهم اللدود. وهو ما يتحقّق بعد بضع لحظاتٍ، فما أن يبتعدوا، حتّى يقترب بخطى بطيئةٍ، ومتلصّصةٍ، وعلى شيءٍ من الكوميديّة، من بوّابة الكنز، التي تنفتح تلقائيّا، فيغترف منها ما يستطيع حمله من ذهبٍ وتحفٍ، ويولّي الأدبار هاربا، وهنا يلحظه زعيم اللصوص، فيشرع هو ورجاله وبحركاتٍ مضحكةٍ في تتبّعه، وملاحقته.
ولعلّ أهمّ ما يمكن ملاحظته على هذا المقطع تركيزه الشديد، واختزاله كثيرا من تفاصيل العمل الأدبيّ؛ فما بدأ به هذا الأخير من وصفٍ لفقر علي بابا المدقع، ومكابداته في طلب الرزق وجمع الحطب على ظهور أحمرته الثلاثة، بعد أن شاء له الحظ أن يتزوّج امرأةً فقيرةً على عكس أخيه قاسم الذي تزوّج امرأةً غنيّةً، فكانت معيشته ليّنةً، مريحة. لا نجد له أثرا هنا، فقد تجاوز معدّو الليبريتّو هذا التمهيد، الذي قد يلتمس معه المتلقّي بعض العذر لعلي بابا، الذي تثير شخصيّته كثيرا من الجدل، وتقترن دائما بفكرة الأنانيّة واللصوصيّة والتطفّل على أملاك الآخرين؛ لأنّه باكتشافه الكنز لم يحاول إفادة غيره من المعدمين، خاصّةٍ بعد مصرع جميع اللصوص، وزوال مصدر الخطر والتهديد، بل استأثر به لنفسه، ولأهله.
كما قلِّصت فترة اكتشافه مغارة اللصوص، واجترائه على ولوجها، التي استغرقت في الحكاية وقتا طويلا، وثقيلا، لم يجرؤ معه ـ خشية أن يمسك ـ على الخروج من مكمنه إلا بعد أن تأكّد من رحيلهم جميعا، واختفائهم فترةً كافيةً عن أنظاره، فتمّ اختزال هذا القلق والترقّب إلى لمحةٍ خاطفةٍ، يختفي معها آخر لصٍّ من المسرح، فيظهر هو بعده مباشرةً. وتبعا لهذا، فقد حذف أيضا دور «قاسم» الذي بسببه اكتشف اللصوص وجود دخيلٍ يعرف سرّهم، فكرّسوا جهدهم في سبيل العثور عليه.
كما استعيض لخصوصيّات العرض أيضا عن تلك العبارتين السحريّتين الشهيرتين: «افتح يا سمسم» و«أغلق يا سمسم» بحركة اليدين والذراعين الآمرة. وبإشاراتٍ تعبيريّة بارعة، تمكن هؤلاء اللصوص وهم يركضون من الإيحاء بأنّهم يركبون خيولهم، التي تنهب الأرض نهبا في سبيل الوصول إلى علي بابا، وإمساكه.
يستمرّ مشهد المطاردة الكوميديّ بضع دقائق، ثم لا يلبث الديكور أن يتغيّر فجأةً أمامنا، فترتفع الصخور الصقيلة والسيف المشهر، ونرى بدلا عن ذلك منظر بيتٍ مغلق النوافذ، تحيط به بيوت صغيرة، مغلقة أيضا، وعلى جانبي المسرح، ينزل منظر جرارٍ كثيرةٍ مصفوفةٍ، فتتداعى إلى أذهاننا شخصيّة الجارية «مرجانة» وما حقّقته بذكائها من إهلاك اللصوص المختفين، بسكب الزيت المغليّ عليهم، وسرعان ما تحضر هذه المرأة بهيئةٍ إغرائيّةٍ، وتشرع في الرقص، محاوِلةً إغواء زعيم اللصوص، الذي يقع أسير فتنتها، يتبعه رجاله، الذين يقعون في الأسر نفسه، فينتهز علي بابا الفرصة، وينهال على كلِّ واحدٍ منهم بضربةٍ حاسمةٍ من صينيّةٍ فضيّةٍ يحملها، مكرِّسا بهذا البعد الكوميديّ، الذي رافقنا منذ البداية، ولا يطول انتظارنا لنهاية زعيمهم، فلا يلبث أن يجهز عليه أيضا وبالطريقة نفسها.
ملاحظات مفصليّة:
وهنا يمكن تسجيل بعض الملاحظات، أهمّها ذلك الاختلاف الجوهريّ بين صورة مرجانة في هذا العرض وصورتها في الحكاية؛ فهي في العرض لا تزيد على أن تكون أنثى مغريةً، تعويلها الأوحد على جسدها وما يفيض به من غوايةٍ ومسرّاتٍ ممكنة، ولكنّها في الحكاية، بدت بصورةٍ مختلفة، فهي «حاذقة، وبارعة، وذات قدرةٍ عاليةٍ على الابتكار، وحلِّ أصعب المسائل» من دون أن يعني هذا التنكّر لجمالها وأنوثتها، حيث وقف الراوي مليّا أمام هيئتها الفاتنة، وهي تستعدّ للرقص، تمهيدا لقتل زعيم اللصوص المتنكِّر، حيث «ارتدت بدلة رقصٍ خالصة، وسرّحت شعرها تسريحةً مناسبةً، وأحاطت خصرها بنطاقٍ من الفضّة المذهّبة، وضعت عليه خنجرا مقبضه وغمده من المعدن نفسه» غير أنّ التركيز كان شديدا جدّا على براعتها وذكائها، ولم يأت ذكر الفتنة والجمال إلا عرضا، وفي آخر الحكاية، كما أنّ تفاعلها مع زعيم اللصوص لم يكن أبدا في سياق الغواية والإغراء، بل على العكس، فقد كان شديد التأفّف من اقتحامها المجلس، خشية أن تعيقه عن تنفيذ مخططه بقتل علي بابا وابنه، فهي رغم رقصها المتقن، وفتنتها الطاغية، لم تنفذ إلى غريزة الذكر فيه، بل لم تزد ردّة فعله إزاءها على أن مدّ يده في جيبه بحثا عن قطعةٍ نقديّة يلقيها لها، اقتداءً بما فعل علي بابا وابنه، فأتـته الطعنة عاجلةً ومباغِتةً منها.
أمّا علي بابا، فبدا مختلفا أيضا؛ فهو هنا شريك لمرجانة في الإيقاع باللصوص وإهلاكهم، بل هو المتحكم في حركاتها، والموجّه لها، وهو الذي يقتلهم كلّهم بنفسه، عكس ما بدا عليه في الحكاية من جهلٍ مطلقٍ بما يدور حوله؛ فلم يشعر بشيءٍ حين حاول اللصوص تمييز بيته عن بقيّة البيوت أكثر من مرّة تمهيدا للهجوم عليه، ولم يشكّ أبدا في أمرهم حين اقتحموا بيته على هيئة جرار زيتٍ، ولا حتّى تنبّه لزعيمهم المتنكر في هيئة ضيفٍ، وهو يصرّ على تناول طعام دون ملحٍ، ليسهل عليه فعل الغدر بعد ذلك. كان الفعل كلّه فعل مرجانة، التي تجابه بغضبٍ شديدٍ من سيدها، يزول حالما تشرح له دوافع أفعالها.
ولا شكّ أنّ إشراك علي بابا في الفعل مفيد جدّا في اختزال الحدث، وتركيزه، والإعفاء من تلك الشروح الطويلة، التي على مرجانة أن تبسطها أمامه، كما أنّ له دورا جماليّا واضحا، من خلال ذلك الانسجام بين حركاته المماثلة لحركاتها، وهما يتناغمان محاولين الإيقاع بغريمهما، فضلا عمّا أضفاه هذا من بعدٍ كوميديٍّ، هو واحد ممّا يميّز هذا المقطع عمّا سواه.