الكتابة عن الشاعر علي جعفر العلاق تعني الكتابة عن تمثلات القصيدة، في شغفها وفي أسئلتها، إذ تأخذ تلك القصيدة قارئها إلى حافات قلقة، حيث الاعتراف والبوح، وحيث اللغة التي تجسّ الوجود عبر الاستعارة، والمجاز، وعبر استفزاز المخفي، وعلى نحوٍ يمنح القصيدة طاقتها في استشعار التحول، وفي الاقتراب الماكر والمخاتل من التاريخ، ومن الذات، لاستكناه ما تؤديه الوظيفة الشعرية، وللانفتاح على «انتظار المؤجل، وقبول المحتمل»( الشعر ونهايات القرن اكتافيوباث) إذ تصنع لهما السكنى الحذرة، والرؤيا التي تكشفهما على السري والغامض والمقموع، وباتجاهٍ يدفع الشاعر إلى أقصى تحولات ما يُستدعى من الاستعارات، والإحالات، التي تحتفي بالقصيدة، بوصفها الحضور الذي يحفظ الغياب، واللذة التي تحفظ الجسد، والاستثارة التي تحفظ اللغة، إذ تمارس عبر هذا «الحفظ» السحري لعبة باهية في الكشف، والتشهي، وفي حيازة مجسّات البحث عن المعنى، مثلما تستدرك عبره العالم بمعناه الهيدغري، «بوصفه حفظ البيت/ الوجود، حيث يُستعاد الغائب عبر وجوده الظاهراتي، ولتبدو القصيدة وكأنها مناصة مع هذا الوجود، واستغراق في قلق الشاعر وهو يواجه نفيه، ولعنة اغترابه واستلابه ونسيانه، وجلوسه داخل الألم» كما يقول عبد العظيم فنجان..
قصيدة العلاق هي قصيدة الممكن دائما، القصيدة الذات المتأملة، إذ تتشهى لعبة الإنصات، عبر ما تستدعي من استدعاء اللذة، وعبر ما تصنعه لها أساطير بلاغية، تلك تتعالى وتختلط بالأصوات والرقى، والهبوط إلى قاع الوجع وجحيمه، حيث يتكشف عبرها اللامرئي، وتنفر من ذاكرتها أصوات، هي صرخات الشاعر، أو «أنساقه المضمرة» التي تنطّ مثل طفل مشاغب، أربكوا طفولته بالنسيان والقسوة، لذا تبدو قراءته وكأنها لعبة في الكشف، وفي استغواء الرؤيا، والإحساس الغامر بشهوة الماء، بوصفها شهوة الخلق، واصطناع المعنى.. في قصائده يتوحد الوجود، أو يبحث عن وحدته، إذ يستنفر رؤيته لتجلية الغامض، والمتشظي، وليفصح عما هو خبيء في فكرة الخلاص، حيث المراودة، وحيث التمرد على ذاكرة مفجوعة، وعلى سيرة قايضها الحزن بالنفي والتحول، فيستدعي لها الهتاف، والتصريح والبوح والغناء الجنوبي، وكأنه ينشدّ عبرها إلى الأعالي مثل «طائر يتعثر بالضوء» يطارده حلمٌ، يشاطره القلق، ومجاز البحث عن الحرية..
حلمٌ
تتلقَّفه جوقةٌ
من ذئابٍ،
ومنْ سَحَرةْ
ثمَّ شمسٌ تجفّ
رويداً.. رويداً..
على آخر الشجرة
وبقدر ما يكتب العلاق مدونته، فإنّه يعيش معها هاجس المفارقة، إذ يطارد المعنى، ويستكنه حمولاته الهاربة، فهو يمارس وظيفة الرؤيا بوصفها المسعى، والعصا، والمجسّ، ليس للإيهام بتقويض تلك المفارقة، بل بالانغمار إلى ما يُتاح من سعة الرؤيا، وكأنها سعة العالم، التي توهبه فصاحة الاعتراف، وشهوة الاستعادة، حيث استعادة المكان والسيرة والزمن، وعلى نحوٍ يمنح القصيدة شراهتها في مواجهة الموت، والاغتراب، وفي تسويغ البحث عن النظير من الاستعارات الشعرية، تلك التي تشبه التعويض، والشغف الذي يلامس الحياة، بوصفها الدافع والقناع والفيء..
بعد نصف قرن نعود لنقرأ العلاق، نتفحص قصائده، نقرأ بعضا منها، لنستأنف مع مقاربة السيرة، وللتعرف على طبيعة التحولات التي عصفت بتجربته الشعرية، وكأننا نعيد إنتاج السؤال الوجودي عن ذات الشاعر، عن سيرة طويلة احتشدت بالسفر والقلق والخوف واللذة والمكوث والهجرة
البراءة والخبرة
انغمار القصيدة بالحسي يكشف عن هواجس الشاعر الملتاعة، وعن لذته وهو يدوّن الحزن، والاستعارات التي تُقرّبه من الحياة، بوصفها مناصة مع البراءة، ومع الأسئلة التي تقربه من التجربة، ومن تحولاتها الصاخبة بوصفها مناصة مع الخبرة. هذا التلازم يجعله الأقرب إلى الشاعر الرومانسي وليم بليك، الذي وصفه كولدرج بأن قصيدته تتلمس البراءة والخبرة في آن معا، وكأن هذا التلمّس يجعلها أكثر تدفقا، على مستوى قربها من الطبيعة ومن الإنسان ومن الحلم، وأحسب أن العلاق بتعبيريته التصويرية، يضع القصيدة في سياق كتابة نشيده الخاص، الذي ينتقي له بلاغته، التي تقوده إلى رؤية العالم، وإلى إغناء دينامية القصيدة بدينامية الطبيعة، كنظير لشغفه في البحث عن الحياة، وعن أرواح كائناته التي تنتهك الخفاء، لتحضر وكأنها أصوات تستعطف الذاكرة، أو تستفزها، إذ تدعوه إلى الهوّس بالأشياء، تلك التي يفصح عبرها عن حساسيته، وليمنح القصيدة طاقتها في الانفتاح على ما هو مؤنسن وحميم وعاشق مسكون بالنداء، ينفر من الصمت، إلى ما يستدرج صخب الاستعارة والمجاز والحكاية والقناع والغناء، وليُشكّل عبرها تمثلاته الشعرية، في استدراك ما يغيب من المعنى، وما يحضر إلى فصاحة التعبير والاعتراف، وعبر ما يتولد من إيقاع، ومن رؤى تتجاوز الحدود، إلى تمثيل مشغلها التعبيري..
خبرة الشاعر هي تجربته الكبيرة، المفتوحة على احتفاءات متعددة، وتحولات غامرة، فهو الرائي بعين المعلم والحكيم ما يمكن أن تصنعه القصيدة، مثلما هو الرائي بعين الصوفي والحسي، وهو يستدعي عناصر الوجود/ الطبيعة إلى تشييد ما هو إنساني، وما هو صياني، ولمواجهة خراب العالم وسيرة أحزانه الفاجعة.
منذ أن كتب العلاق «لا شيء يحدث.. لا أحد يجيء» وهو مهجوس بمطاردة العالم شعريا، يطالب ويشاغب ويراود، وكأن القصيدة هي مجسّه السحري، أو هي شيفرة استدعائه الرمزي للغائب، الغائب في المكان والتاريخ والميثولوجيا والنص والحكاية، وصولا إلى كتابه «نداء البدايات» الذي يبدو استئنافا لتلك المطاردة والعودة بها إلى عتبات البدء، توقا لوعيٍ (شقي) أدرك مغاليق الاغتراب، وسرائر طلاسمه، ولتكون القصيدة هي المجال التعبيري عنه، بوصفها نصه التعويضي، وزوادته في المهجر، وبيته المحمول في حقيبة، والعالق مثل وردةٍ في كتاب.
شعرية الاستدعاء.. شعرية الخلود
شعرية الاستدعاء من أكثر مناورات الشاعر حضورا، فهو يستدعي ما هو حميمي، وما هو يومي، وحيث تكون وظيفة هذا الاستدعاء هي الهاجس الذي يستفزه، إذ يشتبك دون هوادة مع قلقه الوجودي، ومع ذاكرته الغامرة بوجع الفقد والنفي وبخسارات الوقت، ومع لغته الشفيفة، التي لا تنفك أن تنزع قميصها المقدود من الجهات الخمس، لتصطنع له وجودا مجاورا، لكنه ماكر ومخاتل، ولا يملك الشاعر سوى أن يناوره، عبر إضمار حزنه، وقلقه بالاستعارات الفائقة، تلك التي تشحن القصيدة بما هو ضدي، وبما هو متعال، لمواجهة الغياب والمحو، ولاستنطاق ما تحمله من دلالات تدفعه إلى التجاوز، وإلى مغامرة البحث عما لا يتاح من صور الأشياء الغائبة..
الاستدعاء ليس بعيدا عن الخلود، فهو يمنح هذه الوظيفة طاقتها، لمواجهة الموت، وللبحث عن خلوده، عن سر عشبته الضائعة، عن كل ما يؤنسن وجوده في المكان، وفي بحثه الدائب عن روح الأنثى السخية، عن أنكيدو المتحول، عن جلجامش، الذي أدرك متأخرا نصفه البشري، يكتب العلاق كي يختزل العالم في اللغة، إذ يعرف خرائط الطريق إلى العشب، وإلى أنوثة سيدرا، مثلما يقف مدهوشا إزاء عتبة القصيدة بوصفها روح تلك اللغة، يلامس غموضها، وضوحها، رقاها وتعاويذها، ولكي تبدو الحياة خارج هذه الثنائية – اللغة والقصيدة – وكأنها محاولة غير آمنة لاصطياد الفراغ، أو للذهاب الأخرس إلى الجحيم..
بعد نصف قرن نعود لنقرأ العلاق، نتفحص قصائده، نقرأ بعضا منها، لنستأنف مع مقاربة السيرة، وللتعرف على طبيعة التحولات التي عصفت بتجربته الشعرية، وكأننا نعيد إنتاج السؤال الوجودي عن ذات الشاعر، عن سيرة طويلة احتشدت بالسفر والقلق والخوف واللذة والمكوث والهجرة، وأن ما يلبث فيها يظل قرينا باستدعاء الغائب، بوصفها استدعاء للطفولة، ولمساءلة أشياء الطبيعة الشاردة، حيث لا تنفكّ القصيدة عن ملاحقة زمنها اليومي، ترقبه، تلامسه، تشاطره غناء الراحلين، شهوة الاكتمال والامتلاء، فهي ابنة الوجودي والإنسي، أو هي نصه الشخصي في التعريف والاعتراف، أو هي الكينونة التي لا معية معها، فلا جسد يشاطرها اللحظة، أو يوهمها بالموت..
من سأدعو إلى جلستي؟
من يشاركني خضرة الروح أو مطر المائدة؟
لا نبيذي نبيذهمُ، لا هواهم هواي،
ولا تلكم الغيمة الصاعدة تستثير طفولتهم،
شجر خامل وأرائك من خشبٍ ونفاقٍ قديميْن،
يا ورق الضوء، يا دفء غزلانه الشاردة أين أصبحتما؟
صدأ في الأصابع، أم صدأ في القصائد يقضم أجراسها الباردة؟
ما نقرأه من قصائد العلاق يُحفزنا إلى تتبعها، وعلى مقاربتها، بوصفها ذاكرة الشاعر، وخطابات اعترافاته، وهواجسه، وأنّ ما يتبدى منها يكشف لنا- نحن القراء- الجزء العميق من سيرته، ومن قسوة اغتراباته ومنافيه، ومن تجربته التي تموضعت في الزمن المقروء، بوصفها وجودا ثقافيا، نافرا، ومتحولا، إذ عاشت لصق تاريخ فاجع، وزمن سياسي عراقي ينطوي على سيرة مفتوحة على سرديات الفواجع والانكسارات، والخرائب التي تتشابه فيها منافي الواقع مع منافي اللغة..
كاتب عراقي