الخرطوم ـ «القدس العربي» ووكالات: أعلنت الحكومة الإثيوبية الاتحادية أمس الأربعاء حالة الطوارئ في إقليم تيغراي في الشمال، بعدما اتهم رئيس الوزراء، آبيي أحمد، «جبهة تحرير شعب تيغراي» الحزب الحاكم في هذه المنطقة، بـ«مهاجمة قاعدة عسكرية فدرالية» وأعلن عن رد على الهجوم.
وحسب الحكومة، إثيوبيا بدأت عمليات عسكرية في منطقة تيغراي، وبرر ذلك بالقول في بيان إن «(الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي) حاولت في وقت مبكر اليوم (أمس) الأربعاء سرقة مدفعية ومعدات أخرى من القوات الاتحادية المتمركزة هناك».
وأوضح أحمد أن «الحكومة حاولت تجنب الحرب، لكن لا يمكن لطرف واحد تجنب الحرب، تم تجاوز النقطة الأخيرة من الخط الأحمر؛ لإنقاذ البلاد أصبح استخدام القوة هو البديل الأخير».
واضاف « تم إصدار أوامر لقوات الدفاع الوطني، بالاضطلاع بمسؤوليتها لإنقاذ البلاد» ودعا، الشعب الإثيوبي إلى «متابعة الوضع بهدوء، ومراقبة المواجهات المحلية المحتملة، والوقوف إلى جانب الجيش الوطني».
حالة طوارئ
وبعد ذلك، أعلن مكتب رئيس الوزراء في بيان «بما أن الوضع وصل إلى مستوى لم يعد من الممكن منعه أو السيطرة عليه من خلال الآليات المعتادة لحفظ النظام، تعلن حالة الطوارئ لمدة ستة أشهر، في جميع أنحاء ولاية تيغراي».
وكان ابيي أكد بعد تصريحاته الأولى، عبر التلفزيون الرسمي أن «القوات غير الموالية» انقلبت على الجيش في ميكيلي عاصمة تيغراي، ودانشا وهي بلدة تقع في غرب المنطقة.
وأضاف في خطابه الذي بثه التلفزيون أن قوات الأمن صدت الهجوم على دنشا في منطقة أمهرة المتاخمة لجنوب تيغراي، موضحا أن الهجوم تسبب بسقوط «العديد من القتلى والجرحى وبأضرار مادية».
واتهم مكتب رئيس الوزراء في بيان «جبهة تحرير شعب تيغراي» بأنها ألبست عناصرها بزات عسكرية مثل تلك التي يرتديها جنود الجيش الأريتري من أجل «توريط الحكومة الإريترية في مزاعم كاذبة بالعدوان على شعب تيغراي».
في المقابل، أصدر إقليم تيغراي بيانا بثه التلفزيون، أكد فيه «حظر عبور الطائرات في مجاله الجوي بعد قرار آبيي أحمد، وأن القيادة الشمالية للجيش الاتحادي انشقت عنه وانضمت لقوات تيغراي».
وكشف عن «منع أي تحركات للجيش والقطع العسكرية التابعة للحكومة الفيدرالية، وإيقاف حركة الطيران، في أجواء الإقليم، وإيقاف المواصلات البرية من وإلى الإقليم، وندعو الشعب في الإقليم والقيادات العسكرية للوقوف إلى جانب حكومة الإقليم».
وتتهم حكومة الإقليم الحكومة الفيدرالية بالقيام بمحاولة عسكرية ضد الإقليم.
وكان رئيس إقليم تيغراي، دبرصيون جبراميكائيل، قال في مؤتمر صحافي الإثنين، إن حكومة آبيي أحمد كانت تخطط لمهاجمة المنطقة لمعاقبتها على إجراء انتخابات أيلول/ سبتمبر.
تدخل خارجي
وحذر وزير الخارجية الأسبق، وعضو اللجنة المركزية لجبهة تحرير تيغراي، سيوم مسفن، من «مغبة تمادي آبيي أحمد، من أن : «هذا التدخل السافر سيفتح الباب لجميع القوى الخارجية ذات المصالح في التدخل في شؤون إثيوبيا وخوض حرب وكالات على أرضها على منوال اليمن وسوريا وليبيا».
وكان جبراميكائيل قال في رسالة بعث بها الى 40 من زعماء العالم: «كما تعلمون، فقد اختارت الجبهة الثورية الديمقراطية للشعوب الإثيوبية، في أبريل/ نيسان 2018 رئيس الوزراء آبيي أحمد، لقيادة برنامج الإصلاح في البلاد، بيد أنه تخلّى عن أجندة الإصلاح وركز، عِوَضاً عن ذلك على بناء نظامٍ خنوع يُتيح له تحقيق طموحاته الدكتاتورية».
أصل المشكلة
وتصاعد التوتر في الأيام الأخيرة بين أديس أبابا وتيغراي. ورفض قادة الإقليم الذين هيمنوا على السياسة الوطنية لثلاثين عاما قبل وصول أحمد آبيي إلى السلطة في 2018 تمديد البرلمان الفدرالي لولاية النواب ـ الوطنيين والمحليين، وقرروا تنظيم انتخابات في منطقتهم في أيلول/سبتمبر. ومنذ ذلك الحين، يعتبر كل معسكر المعسكر الآخر غير شرعي. وصوّت أعضاء مجلس الشيوخ الإثيوبي في أوائل تشرين الأول/أكتوبر لمصلحة قطع الاتصالات والتمويل بين السلطات الفدرالية والمسؤولين في تيغراي.
وفي إطار هذا التوتر فرضت عمليات مراقبة على الطواقم والمعدات العسكرية في تيغراي.
آبيي أحمد: أصبح استخدام القوة هو البديل الأخير لإنقاذ البلاد
ومنعت «جبهة تحرير شعب تيغراي» الجمعة جنرالا عينته أديس أبابا من تولي منصبه هناك واضطر إلى العودة أدراجه بعدما تم إبلاغه بأن «تعيينه لا يعتبر شرعيا».
ودعت السفارة الأمريكية في أديس أبابا إلى «نزع فوري لفتيل الأزمة في تيغراي ورد معتدل من الجانبين».
وتضم تيغراي جزءا كبيرا من الأفراد والمعدات العسكرية للدولة الفدرالية، وهو إرث الحرب التي وقعت من 1998 إلى 2000 بين إثيوبيا وإريتريا الواقعة على حدود الإقليم.
وكشف تقرير لـ«مجموعة الأزمات الدولية» الجمعة، أن المنطقة تضم «أكثر من نصف مجمل أفراد القوات المسلحة والفرق المؤللة» في البلاد.
وحذرت المنظمة من احتمال وقوع «نزاع مدمر قد يمزق الدولة الإثيوبية».
اهتمام سوداني
وفي السودان كان اهتمام السودانيين عاليا بانفجار الأوضاع في إثيوبيا التي تربطها حدود طويلة مع السودان وعلاقات تاريخية مشتركة.
وتوقع الخبير السوداني في شؤون القرن الأفريقي، عبد المنعم ابو أدريس أن «يتطور النزاع الى حرب طويلة الأمد».
وقال لـ«القدس العربي»: «مؤشرات اليوم الأول تقول إن هذا النزاع سيتطور لنزاع طويل جدا، خاصة بعد استيلاء جبهة تحرير تيغراي على رئاسة الإقليم الشمالي، علما أن الجيش الإثيوبي لديه 5 رئاسات فقط بالإضافة إلى استيلائهم على الفرقة المدرعة الخامسة وهي قوى عسكرية كبيرة ومؤثرة بالإضافة إلى إن كل البيانات تتحدث عن وجود دور إرتيري».
وتابع: «خطورة هذا النزاع أنه يمكن أن يفتح شهية أقاليم أخرى علاقتها متوترة مع آبيي أحمد للتدخل، مثل إقليم بني شنقول الذي يطالب بالانفصال منذ سنوات طويلة بالإضافة إلى اقليم أرومو الذي اعتقل آبيي أحمد الكثير جدا من قادته ورموزه ما جعله في حالة تظاهرات مستمرة منذ أعوام».
ولفت إلى أن «خطورة هذا النزاع على السودان كبيرة ومدمرة جدا ومؤثرة على أمنه القومي».
وزاد: «تتمثل الخطورة في محاذاة هذا الإقليم للسودان في ولايتين مضطربتين أمنيا بشكل كبير، وهما ولايتا كسلا والقضارف، وهذا النزاع سيجعل الحدود غير متحكم فيها ما يجعل مرور الأسلحة بين الجانبين مخيفا».
وتابع «هناك خطر اللاجئين الإثيوبيين حيث إنهم تاريخيا في كل الحروب كانوا ينزحون بالملايين للسودان، وهذا سيؤثر بشدة على اقتصاد السودان المنهك، كما أن حركة تهريب البشر والاتجار فيهم، سترتفع بصورة مخيفة، كما أن النزاع لو انتقل إلى أقاليم أخرى مثل بني شنقول والأرومو سيؤثر ذلك على نحو مريع على ولايات سودانية حدودية كثيرة».
ودعا الحكومة الانتقالية في السودان وخاصة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك رئيس الدورة الحالية لدول منظمة «الإيقاد» التي تضم السودان واثيوبيا وإرتيريا إلى «سرعة التدخل لما له مقبولية لدى كل الأطراف».
وحسب قوله «حمدوك مؤهل ومطالب بالتدخل العاجل لما له من علاقة طيبة بقيادات إقليم تيغراي الذين عمل معهم إبان عمله مع قائدهم الراحل ملس زيناوي، كما يمكن أن يستفيد من جنرالات الجيش السوداني المتقاعدين وتجمعهم علاقة قوية مع كل قيادات الأقاليم الإثيوبية المتململة الآن».
«رأب الصدع»
أما الكاتب المختص بالشأن الإثيوبي، عبد الجليل سليمان، فقد قال: «في رأيي أن يستقل حمدوك أول طائرة إلى أديس أبابا لرأب الصدع بين الفرقاء هناك، فلو تصاعدت هذه الحرب لن يكون السودان في مأمن منها، كما أن أوضاعنا الداخلية من الهشاشة بحيث يمكن أن ننزلق إلى الحرب بسهولة، وسوف تكون لذلك تداعيات خطيرة جداً على مجمل الأوضاع السياسية والاقتصادية في البلاد».
وزاد «لا يمكن أن تنتظر حكومتنا نتائج ما يدور في إثيوبيا ولا تحرك ساكناً، فيما هي المتضرر الأكبر مما يحدث، ومن يعتقد أن الأمر لا يخصنا، فليتذكر كيف هب رئيس وزراء إثيوبيا حين هبط الخرطوم بعيد فض اعتصام القيادة، وكيف استنفر الاتحاد الأفريقي، وكيف عين مبعوثا له هو محمود درير للوساطة بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير حينها».
وأضاف «إذا ما اندلعت حرب طويلة الأمد في الجارة إثيوبيا ونتمنى أن لا يحدث ذلك، فستتمدد إلى شرق السودان، سيتوقف الإنتاج الزراعي أو ينخفض إلى أدنى مستوياته، وسنضطر إلى استقبال موجات هائلة من اللاجئين (عدد سكان إثيوبيا أكثر من 100 مليون) وسوف تتسرب مجموعات مسلحة داخل الحدود السودانية، وستنشط عصابات تهريب البشر، وستتضاعف عمليات تهريب البضائع والوقود».