لا أتذكّر تحديدا متى شاهدت فيلم «ولا عزاء للسيدات» أول مرة لهنري بركات، بطولة فاتن حمامة وجميل راتب وعزت العلايلي. لكنني بعدها شاهدته عدة مرات، فيلم لا يُنسى، وفي كل مرة أكتشف جانبا فيه كان غير واضح تماما لي، مثل أغلب الأعمال التي نشاهدها في عمر مبكر ثم نعاود مشاهدتها في سنّ الحكمة كما يقال.
لأول مرة أنتبه إلى أن قصّة الفيلم لكاتبة ومترجمة مصرية من أصل إيطالي، اسمها كاتيا ثابت، درّست اللغة الإيطالية في كلية الألسن وكتبت السيناريو، كما كتبت قصصا للأطفال باللغة الفرنسية، ويبدو أن كمّ المعلومات عنها شحيح لهذا لم تُعرف، خاصة أن الدراما في الغالب تمنح الشهرة لأبطالها لا لكتّاب قصصها.
هنري بركات مخرج مصري من أصول لبنانية، كتب سيناريو الفيلم بالتعاون مع الكاتب سمير عبد العظيم. وبركات من أشهر مخرجي مصر، ترافق اسمه مع أهم الأفلام التي ساندت قضايا المرأة، لكني في وقفتي الأخيرة مع الفيلم، تساءلت، إلى أي مدى التزم بركات بقصة كاتيا ثابت؟ وهل تطابقت النهاية عند كليهما أم اختلفت؟ لا علم لديّ عن نهاية القصة الأصلية، لكن نهاية الفيلم خطيرة جدا، وفيها إشارات أكثر خطورة لتحديد شخصية المثقف العربي وردة فعله تجاه المرأة.
لمن لا يتذكر القصة فهي عن امرأة من النوع الذي لا «يهش ولا ينش» تخدم زوجها المهندس بعينيها وتهتم ببيتها وابنتها، إلى أن يملّ منها الرّجل فيطلقها ويعيدها إلى بيت أهلها، ويتزوّج شابة تصغره بعشرين سنة، تقلب ليله نهارا ونهاره ليلا. في ظرف ثلاث سنوات تتغير حياة طليقته، راوية سليم (فاتن حمامة) فتخرج للعمل في قسم الأرشيف في جريدة، وتقع في حب رئيس تحريرها طارق مظهر (جميل راتب) أمّا طليقها (عزت العلايلي) فتفقده زوجته الشابة عمله وعقله، حتى تختلط عليه الأمور فيحمل سلاحا ويطلق النار على طليقته، ورغم أنها لا تموت، لكن المخرج يحكم عليها بالموت المعنوي، تماما مثل المجتمع، وفي نهاية جد مؤثرة تنطلق لخوض الحياة لوحدها بعد أن تخلّى عنها الرجل الذي أحبها وأحبّته.
في نهاية سبعينيات القرن الماضي كان العالم العربي يذهب نحو وجهة مظلمة، انتصرت الثورة الخمينية في إيران، وكان لها تأثير السحر في كل التيارات السياسية الإسلامية، ويبدو أن قطاع الفن ذهب في الاتجاه نفسه. كانت السينما تقدّم المرأة الحرّة على أنّها فاسقة، مع ربط وثيق بين عدة معطيات لتأكيد حريتها المشوّهة، مثل تسريحة الشّعر المجنونة، وشرب الكحول والسهر مع رجال عديدين، والحصول على هدايا قيّمة مقابل بيع الجسد. أمّا المرأة المحترمة فهي «ست البيت» التي تكرّس نفسها لزوجها وبيتها وتنسى نفسها تماما، حتى إن كان مظهرها عصريا، فهي يجب أن تكون ضعيفة ومسالمة، وإن كان ممكنا فيجب أن تكون غير مرئية، حتى تكتمل صفات الاحترام لها. وهذا غالبا هو الدور الذي كررته فاتن حمامة في أغلب أفلامها، وهو ما صنع شهرتها لأنه قدّمها كما يريدها المجتمع.
الصورة الأخطر ليست هنا، بل في صورة الرّجل التي قدّمت بشكل سلبي جدا في الفيلم. راوية سليم كانت ضحية مجتمع بأكمله أي نعم، لكنها بشكل مباشر كانت ضحية رجلين أحدهما «باش مهندس» أي أنه رجل متعلّم وخرّيج جامعة، والثاني مثقف وهنا الطّامة الكبرى، لأنّه أسوأ من الثاني، فهو رغم حبه لراوية إلاّ أنّه لم يساندها، ووقف في صف كل من أساؤوا فهمها وتركها وحيدة في مواجهة قدرها وسط تلك الغابة. هل كانت تلك رسالة واضحة للمرأة، حتى لا تعتمد على أحد في شقّ طريقها سوى نفسها؟ أم أن الرسالة الحقيقية هي أن تطوّر المرأة وتحررها، لا يعني بالضرورة تطور الرجل وتحرره، فهو ابن مجتمعه الذكوري، ومن الصّعب أن يتخلّص من موروثه؟ أم أن المرأة في قراءة مختلفة، ستبقى في مجتمعنا العربي شبه حرّة ونصف محترمة، ومهزومة ومعطوبة لأنها يستحيل أن تحصل على شريك حقيقي من طينتها؟
كان الفيلم بحاجة لشوط إضافي لتصحيح تلك النهاية البائسة، فقد تم استغلال أشهر نجوم السينما لمحاكاة المجتمع في فظائعه، دون أدنى تصحيح لظلمه وقسوته.
لقد مثّل طارق مظهر في الفيلم دور «المثقف/ السلطة» بكل أبعاده الأيديولوجية، والأخلاقية والاجتماعية، وكان واضحا أن المطلوب فقط هو أن تبقى المرأة في الحظيرة، ولا تذهب بعيدا في أحلامها، وهذا من أسوأ ما يمكن أن نخرج به من الفن، لأنّه وفق رأيي وُجِد لفهم المجتمع ولتغييره أيضا. إنّه يخبرنا بشكل أفضل عكس الصحافة، عن أثقال الواقع، كما يفكك قواعده ويعيد تركيبها، ويحشد النّاس ويسيطر بشكل مباشر على المعارك التي تدور في المجتمع، لكن أيضا بإمكانه أن يتحوّل إلى أحد أعراض أسوأ إخفاقات مجتمعنا، وهذا في رأيي ما قدّمه الفن في أغلبه عندنا.
خلاصتنا أن الفنان ابن بيئتنا، قد يمتلك رؤية مغايرة، لكنه مسلوب القرار ويصعب عليه خلق عالمه الخاص. إنّه يتأمّل العالم، لكنه يعبّر أكثر عن العقبات التي تمنعه من بناء صرح بحجم الجماليات التي تملأ مخيلته. لقد كان من المفترض أن تلعب السينما كجزء مهم من الفن، دورا كبيرا ضمن مشروع نهضوي مرتبط بالمجتمع المعاصر، والانفصال عن الماضي، حتى تتمكن من تقديم رؤية جديدة للمستقبل. الأمر يتطلّب شجاعة معيّنة للانفصال عن العقائد والرموز والمؤسسات التي تكرّس الأفكار القديمة، وربما كان من الصعب امتلاك تلك الشجاعة في تلك الحقبة بالذات، نعرف جيدا أن ما أنتجته الانقلابات العسكرية في العالم العربي كان هذا النمط بالضبط من الرجال والنساء، كما أنتج «لغة رسمية» لكل فنان ومثقف لنقل أيديولوجية معينة، لم تعزّز للأسف الجانب العملي والخطّ الثوري الصحيح تماشيا مع المجتمع الجديد الذي نريد أن نؤسسه.
إذا كان فيلم «ولا عزاء للسيدات» فيلما يساند المرأة، فهل قدّم شيئا جديدا غير ما هو موجود في المجتمع؟ لقد كان عملية ترهيب ناعمة للنساء، ووضعهنّ أمام خيارات محدودة للحفاظ على حيواتهن، إما العيش بسلام وتأدية وظائفهن الزوجية، كما لو أنّها مجرّد عمل مقابل الغذاء والمأوى، وهذا يتطلّب منهن بذل جهد عظيم لتفادي الطلاق، وإن أمكن التّرمُّل، أو تقبل سهام المجتمع المصوّبة نحوهن، في هجوم لا ينتهي في حال طلِّقن أو ترملن، حتى ذاك المصير القاتم لتحولهن لعاهرات كان خيارا إجباريا.
كان الفيلم بحاجة لشوط إضافي لتصحيح تلك النهاية البائسة، فقد تم استغلال أشهر نجوم السينما لمحاكاة المجتمع في فظائعه، دون أدنى تصحيح لظلمه وقسوته. ولم يكن سوى تبرير أُضيف لقائمة التبريرات الطويلة، التي تبيح ظلم المرأة، وتمُدّ في عمر الذكورية الظالمة. لقد قال لنا الفيلم: «هذا ما يحدث، وهذا ما سيحدث دائما» وهو ليس الوحيد، قائمة طويلة من الأفلام السينمائية في أوج ازدهار القطاع السينمائي في مصر، وسطوة نجومها على قلوب الجماهير العربية، لم تمرّر سوى هذه الرسائل المخيفة التي سهّلت بروز التيارات الرّجعية بكل أنواعها في العالم العربي، وانكماش المرأة في عودة للوراء مئات الخطوات حتى لا تواجه المصير نفسه.
لا عجب اليوم وبعد أكثر من أربعين عاما على إنتاج هذا الفيلم أن نجده نسخة عمّا نعيشه، ونكتشف أن أكبر مشكلة وقفت في وجه تطور مجتمعنا هي عجز المثقف عن خلع عباءة مجتمعه، ربما لم يعرف طريقه، لأنّه سلك مسالك أيديولوجية هالكة، ولم يلتفت أبدا إلى شريكته في الحياة التي تحارب كل أنواع الظلم الاجتماعي وحيدة، منشغلا بقضاياه التي يراها أكبر، ومنها الحفاظ على سمعته التي تجعله دوما في مكانة أعلى من المجتمع.
شاعرة وإعلامية من البحرين