الهامشُ الذي يسكنُ القلب

لم يكن عمي عبد السلام رجلا عاديا.
كان يعيش على هامش العالم، لكن قلبه كان يُبحر بعيدا في أفقٍ لا يراه أحد.
جسده بيننا، يتوكأ على عصاه ويمشي بِبطء، أما روحه فكانت تحلّق عاليا فوق الجبال البيضاء. لم يكن جنونه جنونا، بل كان نورا مُبكرا، إشارةً من عالمٍ لم نبلغه بعد، ورسالةً لم نفهمها إلا حين غاب.
في وحدته الهادئة، بين جدران بيته البسيط، كان يُنصت إلى شيءٍ لا نسمعه.
يهمسُ بكلماتٍ غريبة، تشبه تلاوات الأولياء الذين غادروا الزمان، وتركوا أجسادهم على عتبات السرّ. كان يحب اللون الرمادي كالسحاب حين يعانق السماء، وكالمطر حين يلامس الأرض بعد غياب طويل. حين يزوره أحد، كان يُشير إلى جبلٍ بعيد، «جبَل العَلَم»، ويقول بصوتٍ خافت:
«هناك، فقط هناك، يولد الضوء».
كنا نظنه يَهْذي، لكنه كان يرى ما لا نراه. في الجَبَل، حيث يرقدُ مولاي عبد السلام بن مشيش، كان يرى الحروف تتجلّى، والأغصان تتكلم، والهواء يُنشِد بأسماءٍ لا يعرفها أحد… كان يقضي ساعاتٍ طويلة أمام نافذته، يُحدّق في الفراغ بعينين غارقتين في معنى لا يُقال. لم تكن نظرته فارغة، بل كانت ترسمُ عالا آخر، تمتلئُ فيه الوجوه الراحلة والأنفاس الضائعة.
وحين يغمض عينيه، كانت المدينة كلها ترتجفُ، كأنها تنتظر وحيا جديدا يولد من صمته.. حتى عصاه لم تكن مُجرد وسيلة للاتّكاء. كانت صولجانا خفيّا، يُشير به إلى الفراغ فيولد الزمن، ويضرب به الأرض فتتفتح الرؤى من حوله.
عمي عبد السلام…لم يكن متصوفا يتحدث كثيرا، بل كان يعيش التجربة بصمتٍ وصدق. كانت صلاته مأواه، وصمته محرابه، وصرخته طريقه إلى السماء.
حين يمشي في شوارع المدينة، كان ظلّه يتمدّد على الجدران كأنه يكتبُ شيئا لا يُقرأ. يترك إشاراتٍ خفية على الأرصفة، ويُضيء عتماتٍ لا تزيلها الكهرباء.
وفي ليالي الشتاء، كنا نراه يُتمتِم وحيدا، يحرس نارا خفية في قلبه.
يُشعل شموعه أمام المآذن، وينادي الغيوم أن تمطر، أن تغسل أرواحنا من غبار العادة والنسيان.
ثم غاب في صمت.
مضى إلى مقبرته البعيدة، تحت شجرةٍ يـقال إنها مباركة. لم يُودّع أحدا، ولم نعرف متى رحل، لكنه ترك صوته في الجدران، ووسادته مبلّلة بالعطر والصلاة.. ربما كتب نشيده الأخير هناك، بين الظلمة والنور، بين الغياب والحضور.
رحل عمي عبد السلام، لكنه لم يمت.
لقد تسلّل ببساطة من عالمٍ ملوّث إلى عالمٍ أنقى، حيث يصعد الأولياء على أجنحة البراق، وتذوب المسافات. وما زالت المدينة، حتى الآن، تتذكره عند الفجر.. حين تشرق الشمس بِملامح رجلٍ كان يحمل في عصاه كل الوحي، وفي جنونه كل الحكمة…

كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية