عمّار شلق: أمكنة التحدي لا تزال كثيرة في التمثيل وقد أكون مخرجاً قريباً

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت-“القدس العربي”: في رحلة تقترب من الربع قرن بنى الممثل عمّار شلق سيرة حاضرة دوماً وناجحة في الدراما والمسرح. بات اسماً يصوب الكاتب نحوه، ويرتاح له المنتجون والمخرجون، ليس في لبنان وحسب كذلك في سوريا التي لعب مع مخرجيها أدواراً مميزة.

في المسرح كانت لعمار شلق حظوظ جميلة إنما ليست بكثافة ما لعبه في التلفزيون. اليوم يقف مع زميلته ندى أبو فرحات فوق “لغم أرضي” على خشبة مسرح المدينة. وهما معاً في خشية من مصير مجهول يترصدهما. “لغم أرضي” مسرح غير مقيد بحدود أو مكان وزمان، ولا حتى بكاراكتير أطلق العنان لشلق لجنون طالما انتظره.

 معه كان هذا الحوار:

*بمقياس الجمهور رحلة عمار شلق مع التمثيل جميلة وجديرة بالتقدير بدءاً من “أوراق الزمن المر” قبل 25 سنة؟ كم أنت راض؟

** أعتقد أن من يمتهن مهنتي ويصل لمكان معين يقول فيه “أنا راض”، فهذا يؤشر أنه بدأ خط الإنحدار. من يطمح للأفضل مهما بلغ عمر تجربته، تبقى أمكنة كثيرة تشعره بالتحدي لإقتحام أبوابها. قد تكون شخصيات تدعوه لتجسيدها، أو نوافذ تمثيلية في داخله تلح ليفتحها، أو عنكبوت معشعش في بعض الزوايا يجب إزالته. “لغم أرضي” التي نلعبها حالياً نوع من المسرح كنت شغوفاً بتجسده. نوع مسرح يُشبع الطاقة التمثيلية لدى الفنان، ويسمح له بتقديم نفسه للجمهور بما هو جديد. على الفنان أن يتجدد سواء على المسرح أو في وسائل التواصل السمعية والمرئية.

*كم فاجأك الكاتب والمخرج أيلي كمال عندما عرض عليك نص “لغم أرضي”؟

** أعرفه منذ زمن بعيد، والتقينا مرات قليلة. ومنذ فترة ليست بالبعيدة نظمت جامعة الكفاءات مهرجاناً للأفلام الطلابية، وكنت مع أيلي كمال من أعضاء لجنة التحكيم. في التواصل والنقاش هو لافت في أفق رؤيته حيال أي عمل فني. باختصار يمكن وصف رأسه بالجميل، وطريقة تفكيره مميزة. وحيال أمثاله لا يسعني سوى شكر الله على وجودهم، وتميزهم بهذا الرقي الفكري. مرّ زمن لم نتواصل، إنما تلقيت اتصالاً من الزميلة ندى أبو فرحات رغبت في قراءة نص المسرحية وتمنت لو نجسدها معاً. لم تقل اسم الكاتب ولا المخرج، بإنتظار القراءة. وعندما وصلني النص عبر الإيميل، وجدت نفسي أرفع رأسي مع آخر سطر، وأقول “واو” سأكون في هذا العرض. وعندما أبلغت ندى موافقتي، وطلبت البقية فاجأتي جداً باسم أيلي كمال، وصرخت مسروراً.

*كاتب ومخرج مسرحي لأول مرّة أثار حماسك سريعاً؟

** الورق هو من حسم الأمر، وكذلك حضور ندى أبو فرحات الممثلة المخضرمة. في الحقيقة النص رائع. وفي بالي تصور مسبق عن رقي أيلي كمال كشخص. كذلك شغفه بعمله يُشعرني بالأمان. لكل إنسان في حياته المهنية أول مرّة، وهي تمثل كل شغفه. وليس أجمل من تشابك الأيدي في حال كهذا.

*وماذا عن التمارين؟

** وهي طبعاً أول مرة في حياته على صعيد المسرح، لكنه يدرك تماماً ما يريده. شعرت كأني حيال مخرج يملك تجارب سنوات. يعرف السينوغرافيا مسبقاً، وكذلك الإضاءة. واضح بتصوره درجة الجنون المطلوبة. يمارس مهنته ودوره بعيداً عن الفلسفة على كافة المستويات. سارت الأمور على درجة عالية من البساطة العميقة والعمق البسيط.

* تضمن العرض كماً من الفلسفة والعلوم ووصل بطريقة كوميدية. هنا كمنت إيجابياته في رأيك؟

** في التمعن بالقراءة نصل لإكتشافات جديدة على صعيد النص. الإنطباع الأول هو أن المسرحية لكافة الشرائح. تتضمن ما يرغبه طالب الفكر، الفرفشة، الدراما، التعمق والفلسفة والسياسة والاقتصاد والكوميديا السوداء، الكوميديا وصولاً للتهريج، كل هذا تضمنه العرض المسرح. إضافة للنكت، نحن حافظنا على حدود. فكل ما سبق ذكره هو من رغبات الجمهور وما يمكن أن يطلبه من العرض المسرحي. وبالدخول إلى عمق النص خلال العمل يكتشف أحدنا المزيد منه، ويرغب بالإضاءة على هذه النقطة وتلك، ومزيد من “الحركشة” بالجمهور ليستفز رأسه.

*هل تحديت نفسك بمكان ما في هذه المسرحية؟

** في هذا العرض تعلب شخصيتي بين الواقع والخيال. متاح للممثل أن يجنّ إنما ضمن حدود واقعية، فالمسرحية واقعية، وللجنون سقف. شخصيتي معاكسة لشخصية ندى المفترضة، أو المتواجدة في الرأس والقلب والعقل والروح. لهذا متاح لها الوصول إلى حيث تريد في الجنون والعقل. الهم الذي رافقني حريتي في الجنون، مع ضبط في حدود الواقع. إنها الحياة، لنا أن نجنّ وأن نحفظ الحدود، فنيوتن موجود والجاذبية والأعراف والتقاليد، في مخيلتنا فقط لنا حرية ما نرغب الوصول له.

*متى ينفجر اللغم الأرضي في الحياة الزوجية في رأيك؟

** من لحظة القرار بأن يصبح أحدنا مع شخص آخر، تبدأ الألغام. فما بالك إذا كان بناء الأسرة في لبنان؟

*كممثل مخضرم كيف تقرأ بحجم وشكل ضحك الجمهور بين عرض وآخر؟

** بداية لضحك الجمهور حوافز كثيرة لدى الممثل، فهو يشبه تماماً فريق الباسكت بول الذي يبث به الجمهور حماساً فترتفع نسبة هورمون الأدرينالين لدى اللاعبين. أحياناً قد يضحك الجمهور حيث لا نتوق، ولا يضحك حيث نتوقع. دون شك تفاعل الجمهور بشكل صحيح مع العرض يؤدي بالممثل للتحليق.

*لافت حجم الجمهور في “لغم أرضي”؟

**الحمد لله. ومن حظنا الجميل أن نبضنا يعمل بالتوافق مع نبض الحضور. هذا طبيعي في رأيي فجميعنا بشر، وما نمسرحه على صلة بنوعية الجمهور الذي يحضر العروض. يمكن القول في “لغم أرضي” أننا والجمهور كما حال البورصة حين يؤاتيها المناخ المالي صعوداً.

*في نهاية كل عرض مسرحي ماذا تحمل معك إلى منزلك؟

**مع كل عمل مسرحي جديد يتأكد عندي أننا نعمل تلفزيون وسينما أحياناً، لكن المسرح يبقى هذا المعبد الذي أتطهر فيه تمثيلياً. عندما يدخل أحدنا بيتاً من بيوت الله مسجداً أو كنيسة، ويكون بحال من الخشوع، يصل إلى صفاء روحي بعد لقائه مع الله. حقيقة في المسرح الذي هو معبدي الفني أنفض عني غُبار التلفزيون. نعم هو غبار الموضوعات، الكاركتير والمسموح والممنوع. لهذا يأتي المسرح ليخفف عني العبء لقبول هذه التركيبة، ويستدعيني كما تستدعي الأم طفلها قائلة “غللو غللو”. وبعد هذا الإحتضان الحنون أخرج ممثلاً جديداً.

*قبل سنة كنت على مسرح مونو في “حبيبي مش قاسمين” ماذا عن نص رولا حمادة؟

** أيضاً فاجأتني رولا بنصها، الذي أخرجه موريس معلوف. كانت تجربة جيدة جداً. كنا مع مسرح ذو تركيبة تجمع مدارس متعددة، وتفتح نوافذ للممثل. أضاءت رولا حمادة على العلاقة بين الأشقاء اللبنانيين والسوريين بعد النزوح. فتحت دفاتر من الماضي بقالب كوميدي وصولاً إلى الدراما.

*يتزايد حضور المسرح الذي يحاكي حياة الناس ويحقق نجاحاً. ما رأيك؟

** انه المسار الطبيعي للمسرح. عالم المسرح يتطلب مشاهدين جدد لنتعرف إلى ما يريده الناس، بعيداً عن التلفزيون “المؤطر” على الدوام.

*بمناسبة التلفزيون أين أنت اليوم وعلى أي شاشة؟

**على شاشة “الجديد” بمسلسل “حنين الدم”، إنتاج شركة فينيكس، اخراج أيلي معلوف وكتابة زينة عبد الرزاق. مسلسل أتعب الفريق لكن الحصاد جيد. فنحن نعيش همّ الهواء. وعندما يحب الجمهور المسلسل فهذا يفرح ويريح.

*وماذا عن مسلسل “ثواني”؟

** يفترض عرضه في العام المقبل على قناة “أل بي سي”.

*دائماً تنتظر عرض مسلسل مُنجز تمّ تأجيله؟

**طبعاً، وخاصة “ثواني”. في هذا المسلسل حلقت شعري، وأكتسبت وزناً كبيراً بحيث بلغت الـ100 كيلوغرام. وما أزال أعتمد برنامج طعام خاص كي أخسر آخر 3 كيلوغرامات مما كسبته بهدف التماثل مع الدور. في “ثواني” كنت حيال تجربة تمثيل أتاحت لي إطلاق “خوتي” من القمقم. نادراً ما نكون في التلفزيون حيال نص يتيح الجنون. حالياً أطمح لأدوار جنون.

*هل استنفدت كافة الكاركتيرات والشخصيات؟

**الكاركتيرات نعم. لعبت الكثير منه. ولعبت كافة أنواع التمثيل. وعندما جاء مسلسل “ثواني” كان التجديد، ومن ثم مسرحياً “لغم أرضي”.

*تبدو سنة 2018 خيراً؟

** حمد لله، يبدو أن حضور ابني في حياتي تسبب بكل هذا الخير.

* جننت مع المخرج سمير حبشي في “ثواني” فمتى سيأخذ بيدك إلى السينما وجنون جديد؟

** أعتقد أني سأكون معه عندما يصبح لديه مشروع سينمائي.

*لعبت العديد من الشخصيات التاريخية من الحسين إلى صلاح إلى تشي غيفارا. من الشخصية التي ترغب في لعبها؟

** كنت حيال حلم لكن العمر رفعه من خاطري. إنها شخصية السيد المسيح.

*وأين دور الماكياج؟

**لا يفي بكل الغرض. بغض النظر عن الخلاف الديني حول “صُلب أو لم يُصلب” الثابت أن السيد المسيح لم يعد موجوداً في عمر الـ33. أقترب من الخمسين ولم تعد العينان براقتين.

*السينما بعيدة عنك نسبياً. لم يرك المخرجون في رأيك؟

** لم أتلق عرضاً يحاكي ما أرغبه من السينما. لكن الوقت لا يزال متاحاً.

*هل جذبتك السياسة يوماً؟

**لو كان تعريف السياسي في بلدنا مختلفا، لربما. يُعرّف الناس السياسي بأنه حرامي، فاسد، يده طويلة، متسلق ومتزلف، بلا وفاء وغيرها من الأوصاف. في المبدأ السياسي هو خادم بلده وناسه. عندنا العكس، البلد في خدمة السياسي.

*لو حكم الفنانون لصار وضعنا أفضل؟

**أي فنانين؟

*لبنان؟ أم هم منتمون طائفياً؟

** نعم 90 في المئة منهم انتماؤهم طائفي، هم مجبرون، ودون أن يشعروا بذلك. الطائفية في بلدنا تبدأ مع الحليب الأول للطفل. ومن رحمه ربه ينجوا من أتون الطائفية.

*أنت من الناجين؟

**لا ود بيننا على الإطلاق. بل العكس صحيح. في عمر متقدم علمت بوجود بشر “غيرنا”.

*وأنت على أبواب الخمسين هل ندمت لأنك تركت دراسة الكمبيوتر وبت فناناً؟

** لم أندم مرة. كان مستحيلاً أن أكون في مهنة أخرى. باق في هذه المهنة، وقد أكون في يوم قريب مخرجاً. درست الإخراج في معهد الفنون، وهو يحتاج لثقافة وخيال وعينين تصيبان.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية