عندما تصنع الورود ذاكرة المكان… وحينما تغيب «الطوبونيميا» ذاكرة الشعوب وتوخز المخيال

ما زال الجمال والإحساس به في قلوب الجزائريين، رغم كل ما تعرضوا له خلال سنوات عجاف، أقل ما يقال عنها إن «الحب» و»الحنان» أو «الْمْحَنَّة»، كانت كلها عبارات تحت محك التقتيل العشوائي في العشرية الدموية. تصفية حتى الأقربين، بسبب الإرهاب الأعمى.
وكأن العنف يسكن جيناتنا، لكن ما بينته مواقع التواصل الاجتماعي ومختلف وسائل الإعلام يفصح عن أن أحاسيسنا ما زالت بخير. وثقافة الورود تكذب ادعاءات ثقافة العنف، التي تلصق بالجزائري، فكان نعي محمد بوعكاز، قد وشح منصات التواصل الاجتماع بباقات الزهور، التي وإن توفي صاحبها، فلن تذبل، بل أيقظت مكامن الجمال في القلوب. هكذا تفاعل رواد مواقع التواصل الاجتماعي من الجزائريين من داخل وخارج البلاد، بمزيد من الحزن على فقدان العاصمة أحد صناع الجمال والزينة والفرح. وفاة «عمي محمد» بائع الورود بالقرب من البريد المركزي المعلم الهندسي المتميز، والقريب من فضاءات المقاهي والمطاعم المفتوحة، وكثرة الراجلين، الذين يستوقفهم جمال الورد «لأول مرة منذ سنوات محل ورود الجزائر أمام البريد المركزي في العاصمة مغلق. الحزن خيم على المكان بعد رحيل صاحب المحل عمي محمد. عمي محمد بوعكاز أشهر بائع ورد في الجزائر العاصمة. زاول مهنة بيع الورود منذ عام 1955. كان يرسم لوحة فسيفسائية بورود كانت تزين الطريق وتشد انتباه المارة برائحتها. يزرع الابتسامة والسعادة، ويقدم أجمل صورة لسياح الجزائر. التحق بالرفيق الأعلى عن عمر ناهز الثمانين عاما، مخلفا حزنا كبيرا على المكان، الذي طالما أحياه بألوان أزهاره، لكن سيرته الطيبة بقيت راسخة في أذهان من عرفوه».
الكل شهد له بالطيبة وحسن الخلق، ممن قامت قناة «الوطنية» باستجوابهم. ولأن العاصمة تستقبل كل الجزائريين، من كل جهات الوطن. الكل نعاه من الشمال إلى الجنوب. وعرفوا بغيابه. كم يصنع الغياب الفرق. غلق المحل غير في هوية المكان المزهرة المبهجة. تناول موقع «جزائر الترا» الموضوع بعنوان «حزن على المنصات».. «جزائريون يودعون عمي محمد أشهر بائع للورود في العاصمة».. الورود تبكي».. «بائع الحب والأمل».. «ذبلت الورود بوفاته».. «عمي محمد انتقل إلى الرفيق الأعلى».
بهذه العبارات الحزينة نعى وودع نشطاء منصات التواصل الاجتماعي محمد بوعكاز، صاحب أشهر محل بيع ورود في قلب الجزائر العاصمة». تضيف «الجزائر الترا» أن «كشك زهور الجزائر» تحصل في عام 2021 على جائزة أفضل محل لبيع الورود في منطقة الجزائر الوسطى»، لكن لم يدم غلق المحل طويلا، حيث سارع أبناء المرحوم إلى إعادة فتحه لـ«عودة الروح لأقدم كشك ورود في الجزائر»، كما جاء في روبورتاج قناة «الحدث الجزائري» على «يوتيوب».
وعلق أحد أبنائه أنه متأثر، وتحدث بصراحة عن مدى شهرته التي لم يكونوا (أسرته) على علم بها حتى بعد وفاته. وأن العزاء بقي متواصلا عدة أيام. واتصل بهم الجزائريون من الشرق والغرب والجنوب وأوروبا. من إنكلترا وفرنسا وكندا.
ابنه ياسين، الذي اشتغل معه مدة 30 سنة، تشرب المهنة من والده وقام بتطويرها لوجود مستجدات كثيرة طرأت على المهنة. وان شاء الله يوفق في هذه المهنة الصعبة كثيرا، لأن الزبائن بعد ثلاثة أيام من غلق المحل، كانوا يصرون على ابقاء المحل.
وأضاف ابن المتوفى، على لسان الزبائن، بل على لسان الجزائريين «وأتينا لشراء الورود للتأكد من أن المحل مستمر «يمشي»، وحتى ينشروا الخبر على النت. المكان بقي مظلما مدة أيام العزاء الثلاثة. مكان بدون روح، بدون حيوية، بدون بهجة.
ويضيف الابن كريم بو عكاز «وحتى وإن فكرنا في الغلق، فلن نستطيع بعد سماع كل هذه التعليقات، وكل هؤلاء الناس يبكون، ويقولون هذا صعب.. صعب الإقلاع عن بيع الورد…»يا بدع الورد».

مأزق معجم أم مأزق العربية في الجزائر

لم يكن اصدار المعجم الطوبونيمي الجزائري، هدية مفرحة للكثير من الجزائريين، بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية، بل كان «ضربة» موجعة لها، حسب ما تطرقت له الكثير من منصات مواقع التواصل الاجتماعي وروادها.
وفي آخر ردود الأفعال كتب الإعلامي عبد العالي مزغيش «المشروب الطوبونيمي»! فقال «أتساءل بصدق. هل كان بعض المشاركين في انجاز المعجم الطوبونيمي المرفوض شعبيا، شاربين مشروبا خاصا أو مهلوسات عالية الجودة والتأثير. فكأن ما كتبوه نتيجة لهذه المؤثرات، بلا شك»!
وأضاف، وكنت بمبادرة شخصية، تواصلت هاتفيا مع رئيسة اللجنة العلمية للمعجم، وبقدر ما كانت الأستاذة لواتي مهذبة في إجاباتها، هادئة في نقاشاتها. لم تكن مقنعة لي، حيث إن كل ما خرجت به من حديثنا الهاتفي، هو أن فريق البحث كان متطوعا. ولم ينل سنتيما واحدا كتعويض عن الجهد المبذول. يعني حسبما فهت، هذا العمل كان لوجه الله والوطن». كما تواصل الإعلامي مع السيد بلعيد، رئيس المجلس الأعلى للغة العربية، الذي يكن له مزغيش الاحترام والتقدير، ومثله الكثيرون، فليس هناك اعتراض على شخص السيد «صالح بلعيد».
وأضاف مزغيش «وما زلت أنتظر من المجلس أن يصدر بيانا واضحا يتبرأ فيه من هذا العمل المرفوض شعبيا. وهو بيان من شأنه أن ينهي اللغط حول هذا المعجم الطوبونيمي، المصاب بأنيميا المعرفة وبفيروس التدليس، بعد استهلاك مؤلفيه مشروبا طوبونيميا معتقا»!
وختم الإعلامي منشوره بالقول «على المجلس الأعلى للغة العربية أن ينهي الجدل بالاصطفاف مع الهبة الشعبية، الداعية إلى سحب المعجم وتوقيف الفتنة، التي أشعلها باحثون مغرضون في أغلبهم. الوحدة الوطنية بخير، ما دامت الفتنة نائمة، فلا توقظوها».
وكان السيد بلعيد، وبعد الجدل، الذي رافق صدور المعجم قد صرح لمنصة «أوراس»: «نحن أصدرنا النسخ التجريبية. والقانون يقول في النسخة التجريبية في ميثاق الشرف. ويقرأ المادة العاشرة «يطبع المجلس الأعلى للغة العربية كل عمل مشترك بعدد 10 نسخ تجريبية. وينزلها في موقعه، ومن ثم ينظر رد فعل القراء والمغردين والنقاد والموجهين. وينظر فيها، وإذا حصلت تجاوزات علمية خطيرة يسحب المجلس الأعلى العمل ويعيده للجنة العلمية التي تعمل النظر، ولها صلاحيات في اتخاذ القرار المناسب».
وأضاف «لا يتحمل المجلس الأعلى للغة العربية «المادة 12» أية تبعات ذات العلاقة بالملكية الفكرية. أفكار خاطئة والخروج عن العرف العام. كل ما يخل بالأداء الوطني. ولا يكون المجلس محل نزاع قانوني، تحت أي طائلة قانونية. وعلى اللجنة العلمية تحمل أي تبعات علمية، أخلاقية، قانونية».
تنصل رئيس المجلس الأعلى للغة العربية من القضايا المثارة، وكأن المشروع لم يكن مشروع المجلس الأعلى للغة العربية، بل مشروع المحافظة السامية للأمازيغية، حيث كان قد صرح رئيسها الهاشمي عصاد عام 2021، على «قناة البلاد»: «جرد أسماء البلديات والقرى بالتسمية الأصلية. الانحراف بدأ منذ الاستعمار. حان الوقت لتصحيح هذا الجانب المهم».
وأضاف الهاشمي «هذا يتطلب وقتا، يتطلب أن تكون هناك لجنة مشتركة بين المحافظة السامية للأمازيغية ووزارة الداخلية والجماعات المحلية. المحافظة بادرت واقترحت لوزارة الداخلية قائمة إسمية لألقاب أمازيغية. عمل أكاديمي. مراجع علمية تثبت أن الاسم أصلي من المنطقة الفلانية». تأخر إنجاز المحافظة السامية إلى «تصحيح» مسار الأسماء للأماكن، وليس الألقاب، كما ذكر. في الطوبونيميا تتشابه التسميات، كما تشابه البقر ذات يوم. واستقر المشروع في دار المجلس الأعلى للغة العربية. وهذا الأخير تنصل منه، وحمّل اللجنة العلمية ورئيستها التبعات، التي نتجت عن المعجم. أكلتها اللجنة العلمية لوحدها. أهذا معقول؟
وكل ما ذكره رئيس المجلس الأعلى للغة العربية من مساوئ وأفكار خاطئة والخروج عن العرف والمألوف كـ(تسمية الفتح بالغزو والاحتلال الروماني بالعهد وتأويل ألسني ضعيف وخاطئ للأماكن) رافقت النقاشات المثارة من طرف المغردين ورواد منصات التواصل الاجتماعي، وجلهم من الأكاديميين.
ويضيف السيد بلعيد لـ«أوراس»: «الآن ما يثار من بعض المغردين ولهم الحق في ما يرون، بالنسبة لأسماء الأمكنة، أرى أن اللجنة العلمية اعتمدت مصادر ومراجع، وربما أغفلت بعض المصادر، لكن أخذت بالكثير. الآن الذين يغردون يقولون إنها أخذت مصادر لمجموعة معينة ولم تعد لمصادر أخرى. والحقيقة عادت، لكن ربما بعض المصادر التي تعود إلى المدرسة الكولونيالية، لم نعد إليها، لأسباب أن لها بعض الأغراض ذات العلاقة بالاستعمار الفرنسي ليس إلا. ومع كل ما سبق من تصريحات، يضيف «الحقيقة لا توجد كلمات خاطئة في المعجم. فيه 3 كلمات خاطئة. طبعا تحتاج إلى مراجعة. نحن لا نقول إننا بلغنا الكمال. الآن كل القضايا التي يقوم بها المغردون في محل نظر واللجنة العلمية ستجتمع الأسبوع المقبل للنظر في هذه المسائل».
يعود الرجل ليذكر بالمادة العاشرة بأن يطبع العمل التجريبي فقط بالنسبة للمتابعين للجزء الثالث سحبناه، لمجرد أن هناك شكا، أخذنا بالمادة العاشرة، فلا نطبع النسخ الورقية النهائية، التي ستوزع. فقط نسخ تجريبية تحت يد اللجنة العلمية، سيتم النظر فيها.
وعن ردود أفعال رواد التواصل الاجتماعي المنتقدين للمعجم، قال «الذين يستعملون بعض الكلام الذي ليس له محل. في الحقيقة المجلس لا يتحمل كل هذه التبعات، المجلس يعمل على الوئام الوطني. المجلس له لجان علمية. المجلس مؤسسة رسمية يعمل في الجانب العلمي من توثيق واقتباس ومراعاة قواعد البحث واحترام العرف وتوفير أخلاقيات البحث وكل الأمور، التي ربما تثار الآن ربما هي في الحقيقة لا أقول إنها زائدة بقدر ما أقول فيها ذاتية أو تسرع، ليس إلا».
ولحد الساعة لم تسحب النسخة التجريبية. ولا نعرف على ماذا استقرت اللجنة العلمية للمعجم. في علم أسماء الأمكنة أو المواقعية أو الطوبونيميا «العلم الجديد» في الساحة الأكاديمية الجزائرية. العلم الذي يستدعي مساءلة ذاكرة المكان من خلال محاورة السكان بمختلف ألسنهم وتصوراتهم للأصل، مع مراعاة أخذ التسميات، ليس مجرد ملافظ تتشكل داخل لغة بعينها، بل داخل سياقاتها التاريخية والإنسانية والثقافية والمخيالية. والواقع الاجتماعي يكشف التأويلات المتنوعة لاسم المكان.

٭ كاتبة من الجزائر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية