عندما تغضب السعودية وتتمسّك مصر ويتنفس الأردن

سمير القضاة
حجم الخط
2

من يقرأ في التوراة أسفار الخروج واللاويين والعدد والتثنية، والتي تركّز كلها على رحلة التيه عند خروج بني إسرائيل من مصر، ويقرأ عن محاكم التفتيش في إسبانيا والاضطهاد الأوروبي لليهود في العصور الوسطى، ثم ينتقل إلى العصر الحديث ويستمع للرواية الصهيونية عن الهولوكوست إبان الحرب العالمية الثانية، سيفهم تماماً كيف يفكر هؤلاء القوم. ويبدو أن هذا شأن كل المستضعفين حين يمتلكون القوة فجأة، فيتلذّذون بالتجبّر على غيرهم انتقاماً لتاريخهم المليء بالمهانة والمرارة والاستهداف. إنه إرث يسكنهم عبر القرون، ولا يجعلهم يحسون بالراحة أو الطمأنينة، إلا إذا كانوا وحدهم في جزيرة معزولة، والجزيرة التي يتوهّمونها اليوم هي فلسطين، وهي لحسن حظهم معزولة حقاً، فمَن شرقَها عرب، ومَن غربها عرب، ومَن شمالها وجنوبها عربٌ أيضاً. وهكذا لم تكن العتمة على قدر يد اللص، اللص الذي سرق الشاطئ أولاً، ثم بدأ يقضم الأراضي ويتمدد إلى أن وصل النهر المقدس، وعيناه شرقاً على جبال جلعاد (عجلون والسلط) وجنوباً على تبوك ومدائن صالح وحصن خيبر، وغرباً على سيناء وجبل الطور.
الأفكار المبدعة ليست حكراً على ترامب، فهناك من يحاول التفوق عليه في اجتراح المشاريع والأفكار البناءة، فنتنياهو الذي استخدم القوة الهدّامة في قطاع غزة، يقترح أن تُقام الدولة فلسطينية في أراضي المملكة العربية السعودية، هل يعرف أي منكم رجلاً بمثل هذا الذكاء الحاد؟ رجل لم يكتفِ بالتحرّش بالأردن ومصر ولبنان، والتمتّع بتحييد دول عربية أخرى، بل إن صلافته وعجرفته قادتاه إلى لمّ الشمل والتضامن العربي من جديد عبر استعداء الشقيقة الأغنى والأكثر تأثيراً في المنطقة.
لا أدري حقيقة، هل يصحّ شُكرُ العدو والخصم؟ فمثلاً، عندما يُسجّل مدافع هدفاً ضد مرمى فريقه يكون محط امتنان الفريق الخصم، وهكذا هو حال ثالث ملوك بني إسرائيل، بعد داود وسليمان، فقد كانت تصريحاته بمثابة هدف سجله ضد فريق الاحتلال والعدوان والهمجية والقتل والعنصرية المقيتة. حيث خرج الأشقاء السعوديون من خندق المراقبة إلى حدود المجابهة مع هذا المحتل الذي كان يأمل بتطبيع العلاقات مع بلاد الحرمين الشريفين، ليقفز عن كل الحواجز التي يُضمرها، ويطالب باقتطاع جزء من أراضيها ليحل عقدته التاريخية مع الجوار والجيران، وليحول فلسطين المحتلة إلى كيان ديني توراتي منغلق على ذاته الشريرة الخائفة، يغلق بوابته عند حلول الظلام، ويفكر كيف يتخلّص من أعدائه «الغوييم».
هل ظل هناك شيء أكثر ليقوله هذا القاتل بلسانه الملطّخ بكل عبارات التحريض والكذب والادّعاء؟ حاول الترويج بأن حركات المقاومة هي العائق أمام شرق أوسط ينعم بالسلام والاستقرار والازدهار، وكان يمكن لهذا الطرح المزيف أن يعطي ذريعة لبعض العرب أن يصمتوا أو يتخاذلوا عن حقيقة مشروعه التوسعي. ولكن عنجهيته واستكباره المسنود أمريكياً أبى إلا أن يفضح نواياه، التي يعرفها العرب الصامتون، فاضطرهم للاستنكار والتنديد والعودة للحديث عن حق الشعب الفلسطيني بإنشاء دولته المستقلة على ترابه الوطني، بمن فيهم من طبعوا مع الكيان. هكذا إذن انقلب السحر على الساحر في سقطةٍ إعلامية عبرت عنها الآية الكريمة «قد بدت البغضاء من أفواههم، وما تخفي صدورهم أكبر».
ويا لفرحة المستوى الرسمي في الأردن، فبعد أن قنط الأردنيون من وقوف الدول العربية ـ عدا مصر – في وجه خطط التهجير المعلنة، جاء المدد أخيراً من جزيرة العرب، وأتت الأخبار الدافئة ممن لم تزوِّدِ، على رأي طرفة بن العبد. لقد أثبتت هذه المرحلة أن جميع الأرجل العربية في الفلَقَة، لا فرق بين قريب وبعيد إلا بحجم البلوى، وسارعت الصحافة السعودية للهجوم على نتنياهو ووصفه بذي العقلية المتطرفة، وقامت باستدعاء تصريحات تاريخية لأفراد من العائلة المالكة، مثل قول الملك الراحل فيصل بن عبد العزيز: «لو قبل العرب جميعاً بوجود إسرائيل فلن تدخل السعودية معهم في ذلك». وكذلك فقد أبرزت تصريحاً قديماً للملك سلمان بن عبد العزيز قال فيه: «القضية الفلسطينية هي القضية الأولى للسعودية»، ووصل الأمر ببعض الكتاب السعوديين للدعوة لإعادة التواصل مع حماس، في خطوة تهدف إلى إغاظة نتنياهو والضغط على القيادة السياسية الإسرائيلية.
انجلت عاصفة لقاء الملك عبد الله الثاني وترامب، بكل ما حملته من مخاطر الحوار مع رئيس لا يمتلك ذرة من رحمة ولا منطق ولا خجل، وقد حملت الصور التعبيرية مدى صعوبة الطرح وفاتورة الرفض بطريقة دبلوماسية عبّرَ عنها وجه الملك الممتعِض، والرجوع خطوتين إلى الوراء لامتصاص الطوفان الأمريكي تحت بند التشاور مع مصر والسعودية، ليكون ذلك المخرج مشابِهاً لما يسميه الشعراء «حُسْنَ التخلُّص». فلا يُعقلُ حقاً أن يتحمّل الأردن وحده تبعات المشهد، أو أن يقرر بمنأى عن أشقائه العرب الذين وصلتهم رسالة دولة الاحتلال التي لا تفرّق بين العربي المقاوم والعربي المسالم.
ومن المهم هنا أن نشير إلى حجم اللغط والسخط المصاحب لترجمة كلام الملك عبد الله الثاني، والتي تؤشّر على اصطفافات مُسبَقَةٍ لا تخدم القضية الفلسطينية في شيء إلا زيادة الفرقة والتشرذم، إذ لم تتغير ردود الفعل الشعبية حتى بعد تغريدات الملك على منصة اكس، والتي أكدت التكريس المستمر للموقف الرسمي الرافض للتهجير، بل وحتى عقب استخدام الغارديان والنيويورك تايمز لمصطلح الرفض بشدة (Rebuff) تعليقاً على ما جرى في لقاء عبد الله/ترامب.
يبدو الموقف الرسمي الأردني مرتاحاً لجهة المساندة الشعبية الداخلية لموقفه من مخططات إسرائيل حول الوطن البديل، وقد جسّدت المسيرات والوقفات والبيانات التي حصلت صورة حقيقية لدعم غير محدود لأروقة صنع القرار، وبرز ذلك من خلال القوتين الأكثر حضوراً في الشارع، العشائر والإخوان المسلمين. وستصنع الأجهزة الأمنية خيراً إذا أفسحت هامشاً حقيقياً للحراك السياسي المتوافق مع الموقف الرسمي، – وقلما يتفقان – ليقوم بفعاليات شعبية تشبه تلك التي قامت إبّان حرب الخليج الثانية 1991، والتي جعلت إدارة بوش الأب تغضّ النظر عن الضغط على الملك الحسين للانضمام للدول العربية المشاركة في تحالف حفر الباطن.
يبقى الخلل الرئيس في الموقف الأردني متعلّقاً بمجلس النواب، والذي يفتقر للكفاءات الوطنية والسياسية القادرة على النهوض بالدور الوطني اللازم. فعدا عن بعض نواب الحركة الإسلامية وبعض النواب السياسيين القادمين للمجلس بصفتهم الفردية، لا يعوّل الأردنيون ـ الذين انتخبوا هؤلاء ـ على نوابهم في كثير ولا قليل.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية