لديّ الكثير من الأصدقاء غير العرب، يتوزعون بين من تعرفتُ عليهم من خلال عملي كمهندس أو في ميدان الكتابة والسياسة والصحافة أو آخرون التقيتهم صدفةً في أسفار وبلدان مختلفة ونشأت بيننا صداقة لطيفة، وكلهم يمتلكون حسابات على فيسبوك ووسائل التواصل الاجتماعي المتعددة.
الغريب في الأمر أنهم لا يظهرون لي إلا نادراً، مرة أو مرتين في العام، وأحياناً يخطر أحدهم في بالي فأفتش عنه لأطمئن عليه أو لأتأكد من أنه لم يقم بحذفي أو إلغاء متابعتي لسبب أجهله، لأفاجَأ بأنه ما زال من ضمن قائمة الأصدقاء إلا أنه لم يكتب شيئاً أو يضع صورة له منذ أكثر من عام، فألوم نفسي على سوء ظني ثم أتفرّغ لاستغرابي الشديد من زهدهم بهذا الفضاء الافتراضي.
هنالك مصطلح متعلق بالأعمال المنوطة بالأفراد وهو «الوصف الوظيفي»، فوظيفة الطالب هي الدراسة والبحث وحلّ الفروض المدرسية، وبنّاء الحجر يقضي يومه من الصباح إلى ما قبل الغروب في إنشاء المداميك الحجرية التي توضّح شكل المبنى أكثر كلما ارتفعت باتجاه السقف، والمزارع يحرث الأرض ثم يبذرها بالحبوب أو يغرس فيها أشتال الأشجار المثمرة، ويظل يقضي نهاراته في العناية بحقله وسقايته ورشه بالمبيدات إلى أن يأتي الصيف وموسم الحصاد وجني الثمار، أما رقيب السير فلا يجد الوقت ليحكّ رأسه وهو ينظم حركة المرور وسط طوفان المركبات.
والسؤال هنا: من أين يجد الناس عندنا كل هذه الأوقات الفائضة للقيام بكل هذا النشاط الإلكتروني الهائل منذ بزوغ الفجر وعلى مدار الساعة، يكتبون ويعلقون ويتفاعلون ويتبادلون الإعجابات ويحللون ويتناقلون الإشاعات ويفتون في كل أمر، ديني أو سياسي أو رياضي أو طبي؟
وكل هذا يهون أمام خطاب الكراهية والعنصرية والفئوية الذي يخنق أية فرصة للسلم الأهلي والصفاء الذهني والعيش المشترك. والسؤال الآخر هو: ألا يرى ملايين الفيسبوكيين والإنستغراميين العرب أنهم يُمجدّون أبطالاً ومقاومين يعيشون الثواني على جمر النار والرصاص، يطلعون من بين الركام للدفاع عن وطنهم السليب ويبذلون الأرواح ليرتقوا شهداء أطهاراً؟ فهل انتبه المريدون إلى أن لا أحد من هؤلاء المجاهدين يمتلك دقيقتين هادئتين ليعلّق على صورة لصديقه الملثّم بكلمة «منوّر»؟
أعرف جيداً أن الشباب العربي يهزأ بمصطلحات الوحدة أو التضامن العربي، ولستُ هنا في صدد الحديث عن ذلك بصيغته التقليدية البائدة، وإنما في إطارِ إيجاد مشروع ثقافي واجتماعي وبحثي، وقد تكون الجامعات وطلاب الدراسات العليا ومعارض الكتب، هم الفئة المستهدفة في مناشدتي هذه. فبدلاً من أن تظل الشهادات العليا مكرّسة للترقية الوظيفية وتحسين الراتب والتنافخ الاجتماعي، نستطيع أيضاً الاستفادة منها في إيجاد حلول فعّالة لهذا الخراب الشعبي والاجتماعي الذي تعاني منه شعوبنا، عبر تكثيف الحملات الوطنية والعربية للتشجيع على القراءة واقتناء الكتب. فمن يرى معارض الكتاب العربية يصاب بالحزن على ضعف الإقبال من الجماهير التي تأتي إلى هذه المعارض بالمئات، فيما تمتلئ ملاعب الكرة بعشرات الآلاف من المشجعين.
ولستُ هنا في معرض انتقاد مشجعي كرة القدم كوني أحدهم، وإنما للوصول إلى توازن معقول بين التثقيف والترفيه. وقد حان الوقت لتوجيه الجهود الفردية والجماعية للانغماس في عجلة الإنتاج، لأن ذلك سيقلّل كثيراً من أوقات الفراغ التي تُعبَّأُ في منصات التواصل والتراشقات الإعلامية المخزية، وعلى الجامعات أن تضطلع بدورها الطليعي لتنشئة أجيال متحضّرة تترفّع عن النزوع للعنف والتطرف والميول العنصرية التي لا تتقبل الآخر.
كيف لنا تصوّرُ أن يكون الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية كافة يعادل دولة مثل فرنسا التي يبلغ عدد سكانها ثُمنَ عدد العرب، ومساحتها 3.5% من مساحة الوطن العربي، وليس عندها ثروات نفطية أو غازية، فكل دخلها ناتج عن قطاعات الصناعة والزراعة والسياحة ومبيعات الأسلحة؟ ولا أظن بأن الموظف الحكومي أو العامل في المصنع بإسبانيا يجد الوقت أو يسمح له مرؤوسوه بأن يظل مُنكَبّاً على هاتفه النقّال منشغلاً بالقيل والقال.
يعرض الفيلسوف الفرنسي الشهير جوستاف لوبون لهذا الشكل من النزعة الجَمعيّة في كتابه «سيكولوجية الجماهير» ويؤكد على أن العقل الجمعي يؤثر على القدرات الذهنية للأفراد، حيث يتحول المثقف والعاقل إلى شخصٍ عنصري ينصاع لرأي الفئة الاجتماعية التي يتبع لها فيخسر رشده وإمكانياته الفردية المميزة ليهبط إلى مستنقع السطحية والكراهية. ولا يعاني من ذلك شعب كالشعوب العربية التي تصطف إلى خندقين متعاديين في كل حدث يطفو على السطح، وليت الأمر يتوقف عند الاصطفاف فحسب، ولكنه يتحول إلى ساحات لمعارك يندى لها الجبين، تفتقر للمنطق والمعلومة الصحيحة والصدق والتسامح. يأتي ذلك في ظل أوطان منكوبة بالحروب الأهلية والحكومات القمعية وضياع الأمل لملايين الشباب الصاعد.
نختلف على كل شيء، سوريا وفلسطين والعراق ولبنان واليمن وليبيا والسودان والصحراء الغربية، نختلف على تفسير الآيات القرآنية تبعاً للمشهد الراهن، وننتظر فضيحة أو صورة خادشة لإحدى النجمات أو تصريحاً مجتزأً لوزير خارجية ما، لنبدأ في حفلات الطبل والزمر واللطم. وتبقى عجلة الإنتاج والمسمى الوظيفي لكل منا في آخر سلّم أولوياتنا، لنكتشف بأن اللاعب البرازيلي نيمار – الذي يلبس في أذنه حلقاً من النوع الذي لا يحرّك باروميتر المعايير السلوكية للجمهور العربي – قد حصل على ربع مليار يورو مقابل تسجيله لهدف واحد فقط.
نقف اليوم أمام تحديات كبرى تتعلق بمصير أوطاننا وشعوبنا، فسيد البيت الأبيض يريد منا أن نتصرف كالعبيد الذين جلبهم أسلافه من أفريقيا إلى أمريكا، يأمرنا فنطيع، ونهجر أرضنا ونسلمها لمهاجرين غرباء، في الوقت الذي يرحّل المهاجرين عن بلده. يطلب أموال النفط وكأنها ملك يمينه، يتعهّد بحماية عدونا ويتوعّدنا بالويل والجحيم إذا لم نرضخ لأوامره الموتورة، في حين تتشظّى شعوبنا بدل أن تتوحد في مواجهة خطرٍ يهدد وجودنا واستقرارنا وحياتنا وأولادنا، الدول الغنية قبل الفقيرة.
وتتشظّى شعوبنا حول قُطريتها الضيقة وطائفتها ومذهبها وعشائرها، وتسنّ السيوف استعداداً لمواجهة محتملة مع الشقيق والجار الذي يسكن في الحارة المجاورة أو حتى في الطابق العلوي من ذات العمارة السكنية، وتنسى أن إسرائيل ما زالت تقصف مخيم جنين وتضيّق على عودة الغزيّين واللبنانيين إلى بيوتهم، وتنتظر الهدايا الترامبية لتحل مشاكلها الديموغرافية على حسابنا، في الأردن ومصر ولبنان وسوريا. وهي لن تتوقف عند ذلك فحسب، فعينها بالتأكيد على المزيد من الأرض لتتوسع وتمدّ قدميها وتستريح، وعينها أيضاً على المزيد من الهيمنة والنفوذ الاقتصادي والسياسي والأمني على كامل المنطقة.
لقد فقدنا عشرات الآلاف من الشهداء الأبرياء، من أجل الحفاظ على قطاعٍ صغيرٍ محاصر، فلا أقل من الدفاع عن الوطن العربي الكبير بالوعي والمعرفة والتضامن.
*كاتب من الأردن