في ديوان الشاعر محمد أبو العزايم «عند احمرار المواقيت» يتجلى للقارئ أن هناك اختيارا للعنوان بوصفه جزئية أولى للتعبير بشكل مباشر عن الإطار المعرفي للديوان، ويتحول العنوان نتيجة لذلك إلى استعارة فاعلة ومتحكمة في النصوص وفي دلالتها، وفي تشكيل المنحى الفكري. فالعنوان هنا فعل من أفعال القصدية، فاحمرار المواقيت هو لحظة التبدل بين انتهاء وابتداء، ويتحقق ذلك بين بداية النهار وذوبان الليل، وبين نهاية النهار وتلاشيه وبداية الليل. ولكن هذه الاستعارة أو العنوان يتمّ نقلها في نصوص الديوان إلى المستوى الإبداعي والفني في رصد العلاقة التي أرّقت الأدباء منذ القدم إلى اللحظة الراهنة، وهي علاقة الشاعر والإنسان، وارتباطها في البداية بشكل أقرب إلى التماهي والوحدة، وتحوّلها بعد ذلك إلى شكل من أشكال الصراع، لكنها في النهاية تتحول إلى مستوى أخير يرتبط بالتفاوض بين قسيمين، يحدث تقليم وتغيير لحدودهما المعهودة.
الشعر في هذا الديوان يرتبط بالواقع والبشر بالرغم من انفتاحه على المعرفي والذاتي والشخصي، ولهذا هناك ثمة تبئير على سؤال مهم مؤداه: أين يسكن الشعر؟ وفي كل نصوص الديوان هناك إشارات للبشر بوصفهم نقطة الانطلاق الأولى في المقاربة الشعرية، وذلك من خلال الاهتمام بالفقراء أو بالنماذج البشرية المنتقاة بعناية. وفي كل ذلك هناك حركة بين أكثر من وعي، فالوعي الأول هو وعي تهويمي، يتمسك بالمثل المرتبطة برسالة الشعر والمتعلقة بالعدل والخير والجمال، ولكن هذا الوعي يتأثر تدريجيا ليحل محله وعي تجريبي، تتلاشى فيه المثل، ويلتحم بالواقع على جهامته متخليا عن عزلته التي كانت تكفل له مشروعية الوجود.
نصوص الديوان منفتحة على الحكائي الذي يكتسب سمة التواجد والدوران والتكرار، ويعيدنا إلى أطر إدراكية جاهزة تُستدعى لحظة القراءة، مثل نمط التجهيز لميلاد الشاعر بوصفه شخصا مغايرا في الوعي والإدراك، مما يفتح النصوص على المتداول، ولكن النص الشعري يوجّه هذا المتداول، وفقا لبنيته وأطره الفكرية، وإن ظلت بعض النصوص بالرغم من الجهد المبذول واقفة عند حدود الدلالة النمطية المتداولة، مثل صورة الدجال الذي يتحوّل إلى ولي في القرى، أو صورة القرية بين القديم البعيد والآني.
الوعي بين الفطري والتجريبي
قسم الشاعر ديوانه إلى جزئيات ثلاث، يحتوي كل جزء على عنوان وتصدير ومجموعة من النصوص، والمتأمل للديوان يدرك أن هناك اختلافا بين الجزئيات الثلاث، من خلال الوعي المختلف مع كل كتلة نصية في الديوان، وهو وعي مرتبط بالإنسان وعلاقته بالعالم وانعزاله عنه وفي انفتاح ذلك على الإيمان بمفهوم مثالي للشعر ورسالته، ووعي تال مشدود للانغماس في الواقع بعيدا عن المثال، ووعي أخير ناتج عن هذا النزال أو الصراع مع الواقع.
وبناء الديوان على هذا النحو المتتابع ليس إلا تشكيلا لوعي تصاعدي يبدأ بالتهويم والمعرفة الفطرية المثالية، وفق إدراك مثالي يحتفظ برسالة الشعر في بعدها السامي في الجزء الأول (قدر ما يبعد ظلّي)، وفي الجزء الثاني (من شرفة في الجرح) يتجلى الوعي التجريبي، حيث يندمج المثالي بالواقعي لتظهر سطوة الواقع وجهامته وقوته في تقليم هذه المثالية، وفي الجزء الأخير (ولكنهم سائرون) يحدث نوع من التفاوض بين الرؤية المثالية التهويمية والتجريبية الواقعية، حيث صعوبة أو جهامة الواقع لا تقضي على مشروعية الإيمان بالرسالة، ولكن تحيل هذه الرسالة إلى نوع من المراقبة.
يتجلى الوعي التهويمي للعالم في نصّ (مرّ قربي) من خلال التأسيس الخاص للبداية وللحظة الميلاد والشعور بالوجود، فالنص الشعري يقدم تأسيسا للحظة، وما صاحبها وتجاوب معها من ظروف وملابسات عليا جعلت تشكيل الظل يتمّ على هذا النحو، فالشاعر لا يتأسس وجوده إلا في إطار مغايرة واختلاف في مقاربة الأشياء والإحساس بها. فالنص يمثل سيرة شعرية لهذا القادم/الشاعر، من خلال رصد يستند إلى لحظة راهنة، وتتقاسمه الضمائر الثلاثة، وإن كان حضور المتكلم واضحا ولافتا.
يتأسس الوعي الفطري نصيا في إطار مجموعة من الجزئيات، ربما يكون أهمها ماثلا في تنضيد مقابلات وتباينات ضدية مثل (الصعود) و (الانحدار)، أو (الانتصار) و (والانفطار)، لأن التكوين في تلك الفترة مشدود إلى لونين أو خيطين، لا سبيل إلى دمجهما والجمع بينهما، يشكلان التمسك برسالة الشعر والانتصار لجانبها في بحثه عن المثل والمعاني التجريدية مثل الخير والصدق والعدل والجمال. وتتمثل الجزئية الثانية في الانعزال، وكأن في هذا الانعزال حفظا للوعي، ولو كان وعيا تهويميا، وكأن في الارتباط بالواقع نوعا من التدنيس، يحاول أن يتسامى عليه ويرتفع بعيدا عنه.
في الجزء الثاني من الديوان بداية من عنوانه (من شرفة في الجرح)، ومن التصدير الخاص بهذا الجزء من شعر أبي العلاء يتولّد أو يتشكل وعي جديد، وعي منفتح على العالم، لا يملك براح الانعزال الذي يطل وكأنه أصبح حلما بعيد المنال. فبيت أبي العلاء في تصدير هذا الجزء في قوله (يحطمنا ريب الزمان كأننا زجاج ولكن لا يعاد له سبك) يشير إلى حضور وفاعلية الزمن والمدى العمري، وفاعلية النمو والإدراك، وهذا يؤسس لفكرة الصراع الواردة بشكل لافت في نصوص هذا الجزء.
يمكن التوقف عند بداية نصه (احمرار المواقيت) من هذا الجزء، لكي تتأكد لنا قيمة المنحى التأويلي، يقول النص: (مددتُ له كف سلم.. ولم يمدد/ ولي في ضجيج الحياة عدو أهادنه يعتدي/ وينهي الحروب لكي يبتدي)، فالوقوف عند المقتبس السابق، وخاصة (ضجيج الحياة) للإشارة إلى الواقع الذي لا يمكن الانعزال عنه، يكشف عن بداية الصراع، والصراع زحزحة وخلخلة للمتخيل، وبعدٌ عن المثال، لأنه مجروح بالتورط في شيء مدنس دنيوي، ولهذا يشير النص إلى الانعزال الذي ربما كان فاعلا في الجزء الأول، في قوله (أكان على عزلة مثل هذي التي كنت آنست فيها السلام/ وطمأنت روحي بما سوف يأتي غدا/ أن تكابد تلك السياط على ظهر شباكنا الموصد).
مفهوم الشعر ومدار التواصل
السؤال المهموم الذي يهتمّ به أي ناقد يرتبط بمفهوم الشعر، وكيفية تجلي هذا المفهوم في آليات فنية تنطلق منه، وكل ذلك في إطار لا ينفصل عن الوعي بالعالم، فالشعر ومفهومه يتحددان من موقعية التوجه في مقاربة العالم. شعر محمد أبو العزايم في هذا الديوان يمتلك حرصا لافتا على التواصل مع المتلقي، لأنه ليس مشدودا إلى التجريب في مقاربة العالم أو في النظرة إلى الفن، بل نراه في كل قصائد الديوان لديه حرص على المشترك الإدراكي، ومع هذا المشترك الإدراكي الإنساني تتولد دلالة شبه واضحة، يُضاف إليها نوع من الحميمية في الرصد ومحاولة الاقتراب، ففي نصه (بالمهج الناظرة) هناك إجابة عن سؤال الشعر، هذا السؤال ثابت، وإجابته متغيرة من فترة إلى فترة.
ويمكن أن يرتبط الأمر بالملامح الأساسية لأية شعرية في مرحلة ما، هل تتجلى في أساطير الانبعاث لدى السياب، أم في تمثيل الآخر وتشكيل النماذج الفاعلة كما رأينا عند عبدالصبور، أم في الالتحام بحياة الناس وإشكالياتهم الحياتية المباشرة كما نجد عند أمل دنقل، أم في صورة المغني كما نجد عند محمود درويش؟ ولا يستطيع أحد أن يحصر الشعرية في توجه ما، لأنها مفهوم منفتح على التغيير والتحوّل من توجه إبداعي إلى آخر، فقارئ الديوان سوف تقابله محاولة الانتساب الواضحة في نصوص الديوان، بالرغم من خطورة هذا الانتساب في تقييد الحركة.
فالحضور الدوري في أماكن متفرقة لأمل دنقل لافت في الديوان، سواء بالذكر المباشر في الإهداء، أو بالتلميح إليه (بالجنوبي)، أو قصائد تشير إلى خصوصيته بوصفه أمير الرفض، أو من خلال قصيدة من أجمل قصائد الديوان في زيارة قبره للمرة الأولى، وهذا يشكل صورة لأمل دنقل شديدة الخصوصية، وحضورا متفردا من بين الآباء العديدين الذين يمكن أن نلمح حضورهم في نصوص الديوان، فأمل دنقل يأتي موازيا لفكرة الشاعر بحد ذاتها، وكأن هناك تطابقا بين الشاعرين.
ولكن الارتباط بأمل دنقل واعتباره النموذج الشعري اللافت، لا ينفي وجود ارتباط بشعراء آخرين، وإن تجلى الأمر بدرجة أقل، مثل حجازي وعبد الصبور. ويمكن أن نعاين من خلال هذا الارتباط الموقعية التي يتموضع فيها الشاعر، وأن نقترب من لغته وآلياته الفنية الخاصة التي تساوقت وتمازجت مع توجهه الكتابي في حرصه الدائم على الارتباط بالمتلقي وتشكيل مساحات ارتباط واضحة معه، والارتباط بالحياة بشكل عام.
وربما تكون الجزئية اللافتة للنظر في نصوص الديوان هي جزئية استخدام القافية والاتكاء عليها، بوصفها مظهرا إيقاعيا ودلاليا، يحقق نوعا من التواصل مع المتلقي، ونوعا من الغنائية اللافتة للنظر، بشكل قد يولّد لدى القارئ أو المتلقي حالة من التوزع بين شكلين، شعريين التفعيلي والعمودي. والأمر هنا لا يتعلق بالشكل الشعري وجموده، ولكن بطريقة الارتباط بالعالم، والانفتاح على بنيات وقواف جاهزة يتوقعها القارئ قبل أن يصل إليها، فهناك كتل بنائية وثيقة الصلة بالشكل العمودي تطلّ اثناء القراءة.
ففي نصوص الديوان هناك نوع من الغنائية الخافتة، يسهم في توليدها الإصرار الدائم على ورود القافية بشكل دوري، ويبدو للمتلقي ذلك واضحا حين تغدو القافية منبها إلى انتهاء الفقرة، وبداية توجه جديد، ففي هذا الديوان قد تكتسب القافية وجودا جديدا، في ارتباطها بإغلاق المقاربة لجزئية ما، والانتقال إلى جزئية أخرى، خاصة في ظلّ تعدد الجزئيات التي يحاول أن يعاينها النص الشعري، ويقترب منها، كما في نصه (لخصلة بيضاء)، ففي هذا النص نجد في ظل جدلية الخفاء والتجلي بينهما- أي الظل والإنسان- تتبدى جزئيات عديدة، مثل الرمل، والريح، والثابت والمنفي، والجرح.
وبوسع القارئ أن يتتبع هذه الجزئيات التي قاربها النص الشعري، وتجلى حضور القافية فيها واضحا، ليس بوصفها رابطا إيقاعيا ودلاليا، ولكنها بوصفها ضربة أخيرة أو جزئية بنائية لنهاية المقاربة الشعرية لفكرة ما، في ظل رصد مساحة الاختلاف بين الشعر/ والشاعر في شكلهما النموذجي المنعزل بعيدا عن التدنيس والالتحام بالواقع، وشكلهما متلبسين ومتأثرين بسطوة الواقع وجهامته على امتداد النص الشعري الذي يؤسس لمدارات الاختلاف والتحوّل، بين شعرية مؤمنة برسالتها، وشعرية مقهورة ترى أن هناك انكسارات وهزائم شتى تجعلها كسيرة تتأمل بشكل لافت هزائمها العديدة، والآثار التي تركها الواقع والتجريب على منطقها الإبداعي وتوجهها العام.
محمد أبو العزايم: «في احمرار المواقيت»
دائرة الثقافة، الشارقة 2022
115 صفحة.