عن أحمد الغزّي وفي جيبه مفتاحان للعودة

حنين حمدونة ومحمد عيسى
حجم الخط
0

غزة ـ «القدس العربي»: لا يملك أحمد جميل أحمد المقوسي، البالغ من العمر سبعة وستين عاما، سوى مفتاحين: أحدهما لبيت لم يعشه، والآخر لمنزل دُمّر فوق ذاكرته. الأول حمله والده من قرية دمرة شمال شرق غزة، بعد تهجير أهله القسري في نكبة عام 1948، والثاني هو ما تبقى من منزله في مدينة غزة الذي سويّ بالأرض خلال حرب الإبادة الإسرائيلية. كلا المفتاحين لا يفتح بابا اليوم، لكنهما يختصران قصة لجوء ممتدة ومتكررة، وذاكرة لم تنقطع.
يقول من خيمة نزوحه في مدينة غزة «المفتاح يربطني بالماضي، بمفتاح أهلي وماضينا عام 1948. كان المفتاح قديما كبيرا وله وزن وصوت مميزين. أما الآن، وبعد مرور الزمن، أصبح صغيرا، لكنّه ما زال مفتاحا، وما زال يرمز إلى العودة، إن شاء الله».
دمر الإسرائيليون خلال النكبة قرية دمرة، واليوم هي عبارة عن منطقة عسكرية، ووفق موقع «فلسطين في الذاكرة»، لقد «سيج معظم الموقع، وهو يستخدم مرعى للمواشي. ولم يبق من القرية شيء يذكر تقريبا سوى حوض مياه حجري متداع، وأنقاض الإسمنت من المنازل وحائط مهدم. وقد أقيم مستقى ماء للبقر على ما يبدو أنه كان قطعة إسمنتية من أحد المنازل. أما البئر، فتعلوها مضخة قديمة وغير صالحة للاستعمال. وثمة المزيد من الركام في قسم مشجر من الموقع، يقع قرب مقبرة يهودية. وينمو في الأراضي المجاورة بعض نبات الصبار الذي كان يستعمل في الماضي سياجات، فضلا عن العوسج والنباتات الشائكة». وفي سنة 1949 أسست مستوطنة «إريز» على جزء من موقع القرية، حيث يقع أيضا حاجز «إريز» أو معبر بيت حانون.
وأحمد، الذي وُلد لاجئا بعد تهجير عائلته من دمرة، عاش طفولته في معسكر الشاطئ غرب غزة. تنقّلت أسرته بين الخيام، وتعلّم منذ سنواته الأولى كيف تُملأ الجرار من «الطرمبات» اليدوية، وكيف تُوزّع المساعدات الغذائية على دفعات محدودة، وكيف يُبنى البيت الفلسطيني على الانتظار. يقول: «عاش أهلي النكبة، وخرجوا من البلدة التي ترعرعوا فيها، ولجأوا إلى غزة، وعاشوا فترة طويلة في الخيام، حتى أنشأت وكالة الغوث المخيمات. انتقلنا من هناك إلى معسكر الشاطئ، وأقمنا فيه سنوات طويلة».
ويروي بعضا مما أخبره به أهله، عن فلسطين قبل النكبة، فـ»أكثر ما كانوا يذكرونه عن قريتهم هو راحة البال. كان الناس مترابطين، يحب بعضهم بعضا. أما اليوم، يا للأسف، فلا شيء من ذلك. نعيش وضعا اقتصاديا صعبا، نعاني من المجاعة، ومن كل أنواع الأزمات، ولا نستطيع تدبير أبسط احتياجاتنا». ويضيف «كانت لوالدي أراضٍ يزرعها ويأكل منها، وكانت الحياة ميسورة. كل شيء كان متوفرا. أما اليوم، فنحن نعاني حتى نحصل على رطل طحين، لا كيس طحين، بل رطلا فقط، ولا نجده».

الطفل والكهل في المخيم
ويضيف «في طفولتي، عانيت من نقص المياه والغذاء. كنا نعيش في معسكر الشاطئ، وننقل الماء من الطرمبات الموجودة داخل المخيم. كنّا نملأ الجرار الفخارية ونحملها إلى البيوت. كانت تلك أياما صعبة، ولكنها، رغم كل شيء، كانت أرحم من هذه الأيام». رحلات التهجير مع أحمد لم تنته، بل ربما عاد إلى نقطة البداية. فمع بداية الحرب في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، اضطر إلى النزوح مجددا، بعد أن دُمّر منزله كليا، ودمرت أو تضررت أكثر من 92% من الوحدات السكنية في القطاع، وفق أرقام الأمم المتحدة مطلع العام. يقول أحمد إن الخيمة التي يعيش فيها اليوم لا تختلف كثيرا عن تلك التي لجأ إليها أهله بعد النكبة، سوى أن الخوف أكبر، والماء أقل، والطعام نادر. يقول «اليوم أنا نازح، لا أملك بيتا. أعيش في خيمة، وكأننا عدنا إلى عام 1948. لا ماء، لا طعام، لا عمل، لا شيء متوفر. حتى النوم يخالطه الخوف، أخاف من السرقة أو الاعتداء، فالخيمة لا تقي من شيء، وقد يقتحمها أي شخص في أي لحظة». ويتابع «نحن جالسون، كما ترون. لا توجد مياه صالحة للشرب. عندما أسمع صوت شاحنة المياه، أخرج مسرعا لأملأ القليل مما يمكنني شربه لتسيير حياتي. المياه غير متوفرة، أعاني في الحصول عليها، خاصة المياه العذبة».

حرب الإبادة

قطاع غزة، وفق تقارير الأمم المتحدة، يشهد واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخه. منذ اندلاع الحرب، قُتل أكثر من 52 ألف فلسطيني، نحو 70 في المئة منهم من النساء والأطفال. كما نزح أكثر من 1.7 مليون شخص من بيوتهم (ما يعادل 90 في المئة من الغزيين)، وتحوّلت المدارس والمستشفيات إلى مراكز إيواء غير صالحة للسكن، في وقت تعاني فيه المنظمات الإنسانية من عراقيل الوصول وتقييد توزيع المساعدات، جراء الحصار الإنساني المفروض على القطاع من جانب الاحتلال. وذكر تقرير صادر عن الأمم المتحدة وجهات دولية أن قطاع غزة بأكمله يواجه خطرا كبيرا لحدوث مجاعة، وقد اشتد الجوع وسوء التغذية بشكل حاد منذ منع دخول جميع المساعدات في 2 آذار/مارس من العام الحالي. في هذه الأجواء، يعيش أحمد ظروفا لا تختلف عن تلك التي وصفها له أهله في دمرة، قبل سبعين عاما، بل هي ربما أسوأ بكثير، كما يقول. لم يكن يتصور أنه في هذا العمر سيحمل مفتاحا جديدا، ويُعيد رحلة التشرد ذاتها. «بيتي الأصلي دُمّر بالكامل. لم يتبقَ منه سوى مفتاح الباب، وهذا المفتاح أصبح اليوم مثل المفتاح الأول، دليلا على أن المكان كان، وأننا كنّا». وأكثر ما يخشاه أن يصبح واقع النزوح دائما. لكنه يرفض فكرة مغادرة البلاد مهما كان الثمن. «أنا خائف من أن نُجبر على الاستقرار في هذه الخيام، وأن تتكرر النكبة، لكن حتى لو انتهى كل شيء لن أخرج من خيمتي، وسأبقى فيها، ولن أهاجر إلى أي مكان آخر. من المستحيل أن أخرج من خيمتي، مهما كانت الظروف، وأن أهاجر إلى منطقة أخرى. لا». داخل الخيمة، يقول أحمد إنه يعاني من كل شيء: الماء، والكهرباء، والطعام، وحتى النوم. «لا أشعر بالأمان، أخاف من الاعتداءات، من السرقة، من أن أدفع ثمن النزوح مرة أخرى». يتنقل بين المساعدات المحدودة، ويؤكد أن الأطفال هم الأكثر تضررا. «هؤلاء لم يعرفوا بيتا ولا شارعا. حياتهم بدأت في الخيمة، ولا أحد يضمن كيف ستنتهي». ويضيف «نأمل أن يرسل الله لنا من يوقف هذه الحرب عنا، لكي نعيش حياة طبيعية، ويعيش أطفالنا كما يعيش الأطفال في الدول الأخرى. هذا ما نريده. ونأمل من الله أن يبعث لنا أهل الخير. فليس هناك بيت لم يُدمَّر، ولا عائلة لم تتأذَ. الجميع نال نصيبه من الجراح والمعاناة».
في ذكرى النكبة السابعة والسبعين، التي توافق الخامس عشر من أيار/ مايو، لا يطالب أحمد بالكثير. كل ما يريده هو ألا يتكرّر هذا المصير على أبنائه وأحفاده. «نحن عبرنا النكبة الأولى والثانية، لكن ما الذنب الذي ارتكبه هؤلاء الصغار؟ أليس من حقهم أن يعيشوا كما يعيش أطفال العالم؟».
يقول: «الخامس عشر من الشهر، ذكرى النكبة، وهي ذكرى تشمل الجميع، تشمل كل من قال: «أنا فلسطيني». ونأمل من الله ألا تتكرر هذه النكبة، وأن نعيش كما يعيش باقي الناس. هذا هو مطلبنا. نحن لم نعد نريد شيئا من هذه الدنيا، لقد انتهى وقتنا، لكننا نريد أن يعيش أطفالنا الصغار حياة كريمة كما يعيش الأطفال في البلدان الأخرى».

إذا ما استطعنا إليها سبيلا

ثم يتساءل بحرقة « نحن لم نعد نطلب شيئا من الدنيا. نحن انتهت أعمارنا، لكن أطفالنا الصغار، لماذا يُحرَمون من حقهم في الحياة؟ لماذا لا يعيشون كباقي أطفال العالم؟ نريد فقط من يعطينا حقوقنا. إن كان لك حق عندي، خذه، وإن كان لي حق عندك، فأعطني إياه، ودعنا نعيش ما تبقى من عمرنا، وليعش أطفالنا بسلام. لهم الحق كما لك، ولي الحق كما لك. دعونا نعيش، ودع أولادنا يعيشون».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية