عن الفلسفة التي قد تشبه مطرقة نيتشه

قد نحتاج الفلسفة لكي نمنح المعرفة قوة، ولكي نمنح جهازها المفاهيمي قابلية العمل والتداول، ولتنشيط فاعليتها في تأهيل الاسئلة التي يمكن أن نثيرها حول مصائرنا ووجودنا وصراعاتنا، وبإتجاه أن تكون قابلة للاستعمال و«غير عدائية» مع الكثيرين الذين يشكّون بتاريخها وبادواتها، واجراءاتها.
من الصعب عزل الفلسفة عن عقدة علاقتها القديمة ب«الحكمة» رغم أن العلاقة تظل ملتبسة، وقد تكون غير موجودة، وهذا مايجعل البحث عن وظائف فاعلة ومتعالية لها شبيها بجعلها تشبه«المطرقة» كما قال نيتشه، إذ يمكن لها أن تكون جزءا من ارادة القوة، ومن موجهات المعرفة والوجود، أو ربما تتحول إلى تمرين كما سماها الن باديو، وهو يكتب عن اهميتها الحاسمة في مقاربة الاسئلة والتناقضات، وباعتمادها كخيار معرفي لتأهيل الخطاب، ولتمكينه، ولتعظيم فاعليتها في السيطرة على تاريخ «الرثاثة الثقافية» وعبر بيان دورها في صياغة المناهج ومفاهيمها، وحتى في تنشيط المتخيل السردي كما فعلها جان بول سارتر في «الغثيان» والبير كامو في «الغريب» إذ يمكنها أن تكون «حدثا ثقافيا» بأسانيد فلسفية، أو مجالا لأنسنة المفاهيم، بوصف الفلسفة نسقا لصياغة تلك المفاهيم كما يقول دولوز، إذ يتوسع عبرها المدى الاستعمالي للمفهوم، على مستوى توظيفه في تشغيل المعرفة والسياسة وعلم النفس والانثربولوجيا والاجتماع، وعلى مستوى شحنه بقوة جديدة تساعد على الحركة والتحوّل، وعلى «ابتكار مشكلاتٍ جديدة تدعو الفيلسوف لتركيب جهاز المعرفة، وللتدخل في لحظةٍ ما في مقاربة قراءة الوضع – سواء كان تاريخيًا، أو سياسيًا، أو فنيًا، أو عشقيًا، أو علميًا، والتي تتبدى له بشكل إشارات، إشاراتٌ تحتم ابتكار مشكلة جديدة» كما قال ألن باديو..
هذه المعطيات تستدعي مقاربة تشغيلية للعلاقة مابين الفلسفة والثقافة، فرغم تلازمهما، فإن الفلسفة تظل ذات نطاق محدود، لأنها تستقرىء افكارا فائقة، لا علاقة بيوميات الناس ومصالحهم، في حين أن «الثقافة» هي الاقرب لليومي، والاجتماعي، وقربها من المرجعيات انثربولوجية، ويجعلها أكثر اهلية لممارسة تدخل فيها الفعاليات الذهنية بالاجتماعية والسياسية والتعليمية، كما أن هذه المعطيات ستكون فرصة لاعادة توصيف الفلسفة ذاتها، وتقويض تاريخها الميتافيزيقي، ووضعها في سياق يجعلها أكثر صلاحية للاستعمال، وأكثر قربا من مشاكلنا الوجودية..

نحن والفلسفة

العقل العربي يشتغل على اليقين، وليس على الشك بمعناه المعرفي، وهذا مايجعله أكثر نأيا عن الفلسفة، وأكثر قربا وتماهيا مع «التخيّل» بدلالته التاريخية والسردية، وحتى في التعاطي مع المفاهيم التي تخصّ قضايا اشكالية مثل السياسة والاقتصاد والعلم والانثربولوجيا.
وبعيدا عن مشكلاتنا السياسية، وعقدنا الهوياتية والثقافية، سيبدو توصيف العقل الفلسفي، شبيها بتوصيف «حالة مرضية» مشدودة إلى لعنة الفكرة الغامضة، وإلى علّة السبب، وإلى الخوف من الشياطين، ولأنه –في هذا السياق- سيكون عقلا محكوما بقوى «ميتافيزيقية» وسينظر من خلالها بريبة إلى وظيفة الفيلسوف، لأنه خارج مداها، وبعيدا عن سيطرتها وكشوفاتها، كما سيرتاب بالفلسفة، لأنها مصدر للشك، وللتجوهر حول الذات المفكّرة والعنيدة، وهذه الثنائية الملتبسة تُثير حولها اسئلة تخص علاقة العقل بالوظائف العامة التي تصنعها السلطة، وبقوانينها النافذة، مقابل علاقته الاشكالية بالمقدس، والتاريخ، والميتافيزيقا، إذ ستكون تلك العلاقة محكومة بمعيارية النظرة الدينية التي ترى العقل محدودا، وأنه اداة قابلة للعطل، وبالتالي فإن النظر إلى الفلسفة سيقع في تعقيدات هذا السياق الاشكالي، وأن العمل على وفق «تمارين الن باديو» المعروفة، والتي اراد منها ادوارا أكثر فاعلية للفيلسوف، لاسيما بعد فشل السياسي في أن يكون معرفيا، وعجز الاقتصادي عن معالجة أزمات الجوع والفقر والمرض، وتحول الديني إلى صناعة الاحكام والحدود والنصوص المغلقة، لاسيما بعد تغوّل خطاب الجماعات الارهابية، كما أن حدث اجتياح «كوفيد-19» اسهم في اختلال توازن النظم التي فرضتها هيمنة رأسمالية السياسة والسوق والمشفى والسجن على العالم، مقابل غياب الفلسفة أو تراجعها في ادارة العالم، واكتفائها بوظيفة الكرسي الجامعي، والتحرير الثقافي، ومراقبة العالم على من خلال ثقب باربوس، وهي وظائف معزولة، وتقوّض القوة الاخلاقية التي يمكن ان يصنعها الفيلسوف إزاء اخطار مقبلة وأشد رعبا، ومن ابرزها ازمات العنصرية، والمناخ وهيمنة الصناعات الباعثة للكاربون.. ولعل من اخطر مظاهر مؤتمر غلاسكو هو غياب مناقشة الأفكار والسياسات التي تسببت في هذا الرعب المناخي، فالاكتفاء بالحضور السياسي، هو اشارة إلى خطورة رعب الرأسمالية، وإلى ربط مصير العالم بخططها المتوحشة وصناعاتها الثقيلة، وبرعب حروبها التي تلوث العالم اخلاقيا وبيئيا.

الفيلسوف العربي، مع جواز التسمية، كائن ملتبس، غامض، معزول، لكنه يحلم بالتغيير، واحسب أن أي مراجعة لعلاقة هذا الفيلسوف بالعالم ومتغيراته ستكشف لنا عن هوس كبير بالبحث عن المتغير.

الفلسفة بين الذاكرة والجدّة

حديث الفلسفة هو حديث الماضي، وأن ذاكرة افلاطون مازلت تشبه «صيدليته» التي تحدث عنها جاك دريدا، والتي اراد أن يربطها بفعل الكتابة، وبالتحفيز على التذكر، إذ يكون «الفارماكون» بمعناه الدوائي هو اداة هذا الفعل، وليجعلها من جانب آخر مصدرا لتقويض الاوهام الكبرى التي يتلبسها «الفكر الغربي» أي الدفع باتجاه الحركة، وتعطيل ماهو ثابت في الافكار والعلوم والمعارف، وهذا ماجعل تمرين باديو يبدأ من حيث « دفع الفلسفة إلى مواكبة العصر» وإلى ربط عمل الفسلفة بالواقع، أي بالمنظومة والحقول التي تحرّك العالم، ومنها مايتعلق بالسياسة، إذ اصبحت السياسة عملا ومعرفة، ودواء بالطريقة الافلاطونية.
فإذا وجد باديو في «البراديغم» الفرنسي مجالا لمواجهة العطب الفلسفي، بعد موت فلاسفة الثورة، والايديولوجيا والتظاهر والحقوق، فكيف يمكن لنا أن نجد مايجعنا نواجه اعطابنا المركبة، في السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة؟ لاسيما وأن طبيعة السلطة العربية مازالت تؤمن بفكرة «الصيدلية الحكومية» و«القائد الحكيم» والقائد المنتصر« وغيرها من استعارات القوة والبطش والهيمنة.
إن تقويض مفهوم السلطة، والقائد هما المدخلان لاعادة النظر بمفهوم القوة، واصطناع منظور جديد لادارة العالم، اقصد ادارة المؤسسات والنظم، بما فيها مؤسسات السياسة والتعليم والاقتصاد والأمن والاجتماع والصناعة، وعلى نحوٍ يجعل منها وجودا، وليس عدما، او جزءا من بنية السوق التي تقوم على ثنائيات الاستملاك والسيطرة، والقدرة والاستهلاك، والتي ستجعل مفهوم القوة مشوها، وعازلا وطبقيا، وتجعل من المثقف موظفا مسلكيا يؤدي التزاماته عبر الخضوع للرقابة والسلطة، وهذا تثبيت خطير للنظام الذي قال عنه دريدا بانهم انتظروا 25 قرنا لكي يقوضوا الاوهام القارّة لافلاطون.
قد يبدو صعبا أن تدعو السلطة المثقف لكي يصير جنرالا في الجيش، أو مسؤولا عن السجن العمومي، لكن ليس صعبا أن تؤسس له «بانثيون» ثقافي، له توصيفه الوظائفي/ المؤسساتي، وموازنته العامة، فالثقافة ليست مجانية، ولكي يكون هذا البانثيون مثل وزارة الخارجية او المعارف او العلوم، فإنه محكوم بالتواصل، وباعادة صياغة «المجال العام» لتنشيط القوى الفاعلة، ولكي يكون العقل التنويري قادرا على فعل المجاورة والمساءلة، ولكي يستعيد وظيفة انوار كانط في نزع الأوهام والسحر عن العقل السياسي..

وساوس الفيلسوف

الفيلسوف العربي، مع جواز التسمية، كائن ملتبس، غامض، معزول، لكنه يحلم بالتغيير، واحسب أن أي مراجعة لعلاقة هذا الفيلسوف بالعالم ومتغيراته ستكشف لنا عن هوس كبير بالبحث عن المتغير، لاسيما مع التحولات العاصفة في الافكار والفلسفات والعلوم، وطبيعة ما تُثيره من اسئلة، ومن اشكاليات تشتبك مع معطيات العولمة والتقانات التواصلية، ومع السياسة وازماتها، ومع طبيعة الأزمات والصراعات التي بدأت تفرزها مظاهر الاقتصاد الرأسمالي واسواقه، مقابل كثرة جياعه وفقرائه، فضلا عن مايرافقها من أزمات بيئية وصحية واخلاقية واعلامية، منها أزمة المناخ والطابع الكارثي لكوفيد-19 وكذلك مع أزمات المهاجرين والسياسات العنصرية، مع التحديات التي تطرحها الهيمنة الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي وقيم مابعد الحداثة والنسوية وغيرها على الوجود الانساني.
البحث عن «العلاج الفلسفي» كما سمته لطفية الدليمي سيصطدم بالفلسفة ذاتها، وبمحدودية وظائفها، وبتاريخ الخوف منها، وربما بتورطها مع السياسة والايديولوجيا، ومع الفلاسفة الذين لا براءة لهم، ومع نزعاتهم العصابية والاكراهية ونظرتهم للافكار والانسان والاخلاق والدين والمعرفة، بدءا من نيتشه وهوسرل وهيدغر وريكور وغادمير وسارتر وكامو وحنه ارندت ودولوز وجماعة مدرسة فرنكفورت بجيليها، وليس انتهاء بهابرماس وميشيل فوكو وجورج باتاي وامبرتو ايكو وسلافوي جيجك وغيرهم
فهؤلاء ممسوسون بعقدٍ خطيرة، وباوهام أكبر، وبأنهم تخلوا عن الادلجة الاصلاحية للعالم والجمهور، لكنهم تورطوا بافكار غاضبة أخرى، إذ اعادوا تكريس المركزيات الحاكمة، حيث الميديا، الحرية والرغبة واللغة، العنصرية، والجندر والحرب والتسلح والمصحات العقلية والسجون والاندماج والهجرة وقوانين اللجوء والمجتمعات المغلقة، وصورة الغرب المتعالي، والتواصل على طريقة هابرماس داخل المجال العمومي للبرجوازية الغربية.
وبقطع النظر عن المعالجات الطارئة، أو حتى اشاعة بعض النزعات التطهيرية، لاسيما مايتعلق بجوائز التي منحت للسود والافارقة الذين يعانون من عقدة التابع، ويتحدثون كثير عن الهجرة والجماعات المقصية والمهشة والعنصرية، فإن كثيرا من الظواهر العنصرية مازالت تكشف عن خلل بنيوي في العقل الفلسفي والحقوقي الغربي، وفي قطاعات ثقافية، و«جماهيرية» مثل كرة القدم، والوظائف واللقاحات وغيرها.
وساوس الفيلسوف الغربي، قد تشبه وساوس نيتشه، ونظرته للعالم، والاله، والقوة، وقد تشبه أيضا نظرة ميشيل فوكو في نظرته للسلطة، وللآخر، وللسجن والعقاب، إذ تتحول هذه النظرات إلى دوافع، لقراءة الانسان الحديث ولمواجهة ازمته، وقد تبلسته أضحوية الاغتراب والقربان الرأسمالي، وفقدان مركزيته، وانسحاقه تحت سلطة العنف والكراهية والقوة واستعصاء المعيش، وأحسب أن «فيلسوفنا العربي» سيجد نفسه أمام رهابات أكثر تعقيدا، بدءا من رهاب التاريخ والسلطة، والجامعة، والخطاب الديني والجمهور الشعبوي والخرافة والجهل وتشوه القوانين والمؤسسات، وهذه بطبيعتها تنتج «بنى متحيزة» من الصعب الثقة بها، والانخراط عبرها بالعمل، والتعايش ومجاورة الآخر بعيدا عن ذاكرة الغابة والعصاب والايديولوجيا الحاكمة…

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية