متابعو الفضائيات والشاشات التلفزيونيّة عبر المعمورة موعودون بكسر كليّ لروتين مشاهداتهم لأسابيع مقبلة، إذ تنطلق بعد أقل من عشرة أيّام الطبعة الأحدث من المونديال: بطولة كأس العالم لكرة القدم، والتي ستجري هذه المرّة استثناءً في الشرق الأوسط، ولأوّل مرّة في دولة عربيّة، وتستضيفها قطر، التي ستكون أصغر دولة مساحة وسكاناً نظّمت كأسا للعالم منذ نسخة الأوروغواي الأولى (1930).
وعندما تحضر كرة القدم تتراجع الموضوعات الأخرى كلّها إلى الخلفيّة، تاركة المجال مفتوحاً على آخره للساحرة كي تمارس سحرها على الكتل الشعبيّة في كل مكان من أول جزيرة تشرق عليها الشمس في اليابان إلى آخر طرف آلاسكا، حيث تغيب.
ما يريده العالم: ما تطلبه الجماهير
قيل الكثير عن تهوّر الاتحاد الدولي لكرة القدم في منح شرف تنظيم هذه الدورة لبلد من العالم الثالث، وتساءل عديدون عن قدرة دولة عربيّة على إدارة تعقيد بحجم المونديال، بل وعن توفر المرافق والخدمات اللازمة لاستضافة جمهور معولم. وشكك البعض بسعة صدر مجتمع مسلم محافظ لتقبّل سلوكيّات ليبراليّة متحررة، كثيراً ما ترافق بطولات كرة القدم في البلاد الأخرى.
واستغل البعض المناسبة لتصفيّة حسابات سياسيّة ومصلحيّة مع الحكومة القطريّة. لكننا الآن تجاوزنا ذلك كلّه، وكل شيء في الدّوحة معد، وعلى ما يرام لينطلق المونديال في موعده. فهلا تكرمتم أيّها السادة ووضعتم السياسة جانباً وتركتمونا لنستمتع بكرة القدم؟
لقد حان زمن الصرخة الإنسانيّة الأشهر العابرة للغات واللهجات: غووووووووول!
كرة القدم: على هذه الأرض ما يستحق الحياة
تلك الصرخة الثملة المتوحشة البدائيّة، غووووووووول، مذ سمعت لأوّل مرّة في 22 يناير/كانون الثاني 1927، خلال أول تعليق لكرة القدم على أثير هيئة الإذاعة البريطانية، أصبحت للبشر بمثابة إكسير يوحد إحساسهم بالوجود، ويعبر بهم من الفردانيّة والوحدة وعبث اليومي إلى مكان حالة وجد جماعيّ تكاد تكون صوفيّة. ولذلك، دعونا من خلافاتكم وحروبكم، أيّها السياسيّون، واسمحوا لنا مرّة كل أربع سنوات بالتحليق لأسابيع معدودات إلى آفاق أرحب من أزقتكم المعتمة.
أن تكون في ملعب كرة قدم ليس مجرد مشاهدة حدث رياضي آخر. إنها مشاركة في حقيقة اجتماعية كلية، وانخراط في أساطير ثقافيّة، وتماه مع عرض مسرحيّ هائل، ومساهمة فرديّة في عيش صناعة التاريخ، وعمليّة تصريف طاقة سيكولوجيّة فرديّاً وجماعيّاً، وتزاوج مذهل بين النظريّة والتطبيق، والشعارات والسلوك، والتجارة والمرح.
ولذلك فليس من قبيل المصادفة أن العديد من عشاق اللعبة يغرفون في متابعة عشيقتهم من رصيد ثقافتهم الدّينية: الدعوات، والتمائم، واللعنات، والسجدات والتبريكات والخرافات وحتى (يد الله) التي مدّت لتمنح الأرجنتين هدفها الشهير على إنكلترا أيّام الراحل دييغو مارادونا. إن العواطف الفردية والجماعية التي تثيرها هذه اللعبة في نفوس الناس لا يمكن مقارنتها إلا بالأحداث البشرية العظيمة والظواهر الطبيعية الهائلة الكاسرة للمألوف.
إنّك لو جرّبت الاستماع إلى لغة كرة القدم لوجدت أنّها ديوان ثقافة البشر الأكثر تعبيراً عنهم من كل نثر أو شعر أو تراتيل يقال. إنها لغة فجّة طازجة، فيها كل تفجّر المشاعر البدائيّة عند أبناء آدم. لكنّها تحمل معها أيضاً خليطاً من أحاديث الاستراتيجيات والتكتيك، والمراجعات الهندسيّة والحسابيّة، ومصطلحات علم الجمال والقداسة، وأجواء الموسيقى والرقص، مضافاً إليها فوق ذلك كلّه أبعد ما يمكن أن يصل إليه الخيال من الألفاظ النابية، والشتائم القاسية والتعبيرات العدوانيّة.
فقط في أجواء كرة القدم يقدّم الناس العاديّون أداء خارقاً: يلقون الخطب كزعماء، ويتناقشون كخبراء، وينظرّون كمهمين، ويهيمون كعشاق، ويتغزلون كشعراء، ويتكهنون كعرافين، ويفكرون كفلاسفة، ويستنتجون كعلماء، ويتوقعون كأنبياء، ويتفقون كأصدقاء، ويختلفون كأعداء، ويجادلون كمحامين، ويطلقون التهم كقضاة، ويشتمون كعديمي أخلاق، قبل أن تنتهي المباراة فيعود كل منهم وحيداً إلى حياته الرتيبة المملة مجدداً.
هل سيصغي السياسيون؟
المونديال: تاريخ سياسيّ أيضاً. هل من الممكن حقا فصل السياسة عن كرة القدم؟
لقد أقيمت أول بطولة كأس عالم لكرة القدم في أوروغواي في عام 1930، ترافقاً مع احتفال البلاد بالذكرى السنوية الـ 100 لاستقلالها. ونظّم الإيطاليّون الدورة الثانية في 1938 لجزء من استعراض القوّة الناعمة للدولة الفاشيّة، قبل أن يقدّم البرازيليّون أداء كروياً ساحراً في دورة المونديال الثالثة في فرنسا (1938) لتكتب صحافة تلك الأيّام عن أولئك اللاتينيين الموهوبين الذين منحوا الجماهير الأوروبيّة اليائسة والمتعثرة فسحة للفرح والمتعة والأمل.
لكن سرعان ما ألقت الحرب العالمية الثانية بظلالها القاتمة على هذا المزاج الإيجابي، فلم تقم البطولة في عام 1942، ولا في 1946 قبل أن ينقذنا البرازيليون مجدداً وينظموا كأس العالم في 1950.
فور انتهاء الأعمال الحربيّة كانت كرة القدّم من القنوات الأساسيّة التي عبرها شرع العالم باسترداد أنفاسه، فانتقل دينامو موسكو الشهير للعب في بريطانيا ضمن جولة بدأت من لندن أواخر عام 1945. وأشادت الصحف حينها بالجولة السوفيتية لأنها فتحت آفاقا جديدة للتعاون الدولي والدبلوماسية استنادا إلى تجربة التحالف الأخيرة ضد الفاشية والنازية.
لم تكن الحرب الباردة قد بدأت بعد، لكن النوازع الغربيّة كانت هناك، ولذلك كتب محللون غربيّون عن طريقة اللعب السوفياتيّة بأنها نتاج عمل جماعي وخطط مسبقة، ولذلك لا مجال فيها لإظهار المواهب الفرديّة.
كان ذلك بالطبع تسطيحاً مؤدلجاً للأمور وإسقاطاً لمواقف سياسيّة على منهجيّة لعب فريق رياضيّ، لكنّها كانت تشير إلى الحقيقة المؤلمة: أن كرة القدم لن تكون يوماً محايدة، ولن يدعنا السياسيّون يوماً للاستماع بسحرها دون تدخلاتهم الدّميمة. فهذه اللعبة وأكثر من كل الألعاب الأخرى ستظلّ الأكثر قدرة على تجميع البشر وعلى تفريقهم، والأكثر طائفية والأكثر توحيدا، إنها معرض الصراعات الطبقيّة والإثنية، وأداة النخب لإدارة الترفيه والهويات والثقافة والهندسة المعمارية وسيكولوجيا الجماهير، واستمرار للحرب بوسائل أخرى، وإن كان البعض يراها بديلاً حميداً للمواجهات والصراعات.
إذن لا مهرب من وعثاء السياسة في عمل الساحرة. لكن فليتكرم علينا السياسيون ويتركوا ألاعيبهم تلك للكواليس، وليدعونا ولو لفترة قصيرة نتفرغ لاستعادة متعة وفرح متابعة فرقنا الكروية المفضّلة وهي تنازل الخصوم. من أمام الشاشات وعلى مدرجات الملاعب، سنصرخ في وجوهكم لقد تعب العالم من أربع سنوات متتالية من الهراء، وحان الوقت لننشغل بالأهم. فهل تعرفون مثلاً بأن قطر ستلاعب الإكوادور في مباراة الافتتاح؟
إعلامية وكاتبة لبنانية – لندن