عن «تفاهة الشرّ» مجدداً: سميث أسقط أرندت بالضربة القاضية

حجم الخط
4

قبل حوالي 65 عاماً، تابعت الكاتبة الفيلسوفة اليهوديّة هانا أرندت محاكمة أدولف أيخمان، الموظف البيروقراطيّ الألماني، الذي اخطفته السلطات الإسرائيلية وأعدمته لاحقاً، بتهمة المشاركة في تنظيم ما أصبح يدعى بـ»الهولوكوست» أو الإبادة الجماعيّة، التي نفذها الحزب النازي بحق كل آخر مختلف: اليهود والغجر والمثليين والشيوعيين والمعاقين والمرضى.
وقد صاغت آرندت وقتها ضمن تقريرها عن المحاكمة لمجلة «نيويوركر» (1961) عبارة «تفاهة الشر» التي دخلت منذ ذلك الحين في قاموس كليشيهات الفكر المتداولة، وأصبحت بمثابة احتجاج لا بدّ من المرور به، كلما طرحت قضية المسؤولية الأخلاقيّة، والسؤال حول إذا ما كان للمرء أن يكون طرفاً فاعلاً في شر مستطير – مثل ارتكاب الإبادة الجماعيّة – دون أن يكون بالضرورة شريراً على المستوى الشخصيّ.

وهم فك الارتباط بين الشّر وفاعله

وجدت أرندت أن أيخمان «لم يكن منحرفاً ولا سادياً» لكنه «طبيعي بشكل مرعب». مجرد بيروقراطي عادي، مثقف ولطيف إلى حد ما، وتصرف في ما يتعلق بالإبادة الجماعيّة، دون أي دافع سوى تنفيذ واجبه كموظفّ، والسعي للتقدم بجد في حياته المهنية في إطار البيروقراطية الألمانية النازية.
وكتبت لاحقاً في كتابها «أيخمان في القدس: تقرير عن تفاهة الشر – 1963» أن أيخمان لم يكن وحشاً لا أخلاقياً، بقدر ما كان شخصاً سطحياً وجاهلاً ارتكب أعمالاً شريرة، دون امتلاكه نوايا شريرة، فـ»لم يدرك أبداً ما كان يفعله» بسبب افتقاره إلى القدرة المعرفية الخاصة للتفكير من وجهة نظر الآخرين، فشارك في جرائم مروعة «في ظل ظروف جعلت من المستحيل عليه أن يعرف أو يشعر بأنه كان يرتكب خطأ».
وكتبت بعد عشر سنوات على المحاكمة: «لقد أدهشتني الضحالة الواضحة عنده – أي أيخمان – لكن إذا كانت الأفعال وحشية، فإن الفاعل كان إنساناً عادياً وشائعاً تماماً، ولم يكن شيطانياً ولا وحشياً».
ومع أن آردنت قبلت شرعية المحكمة الإسرائيلية، وباركت حكمها بإعدام أيخمان، فهي اعتبرت دائماً – حتى رحيلها في 1975 – أن الرجل كان تجسيداً لـ»تفاهة الشر» مفتقراً إلى الضمير، وترساً صغيراً آخر في ماكينة كبرى.

مارك سميث الذي أطاح بـ«التفاهة»

تعرضت أطروحة «تفاهة الشر» إلى انتقادات عديدة، ووصف مفكرون غربيّون لاحقون سطحية تحليل آردنت التي استفادت دائماً من صهينة الأكاديميا الأمريكيّة، لنشر أفكارها بين المثقفين على نطاق واسع، دون تقييم نقدي كاف. لكن الضربة القاضية لمشروعها الفكريّ المرتبك لم تأت من دوائر المفكرين والمثقفين، بل من مارك سميث، الديبلوماسي البريطاني، والسكرتير الثاني في سفارة بلاده لدى إيرلندا.
سميث، الذي عمل مطولاً في الخارجية البريطانية، وكان في أوقات سابقة لموقعه الأخير مسؤولاً عن تقييم حكومة المملكة المتحدة لشرعية بيع الأسلحة إلى دول الشرق الأوسط، وفي مكافحة الإرهاب، قد استقال من منصبه احتجاجاً بسبب دعم بريطانيا لإسرائيل بعد عشرة أشهر من حرب الإبادة الجماعية، التي تشنها على الفلسطينيين.
وحسب الأنباء التي تناقلتها وسائل الإعلام البريطانية، فإن الاستقالة قدمت بينما كان ديفيد لامي، وزير خارجيّة لندن الجديد، يقوم برحلته الثانية إلى الدولة العبرية، منذ إطلاق ماكينة الحرب المتوحشة ضد الفلسطينيين في تشرين الأول / أكتوبر الماضي، وحذر في نصّها زملاءه بوضوح لافت: «لقد أعرب كبار أعضاء الحكومة والجيش الإسرائيلي عن نيتهم ارتكاب الإبادة الجماعية العلنية، وشاهدنا الجنود الإسرائيليين يلتقطون مقاطع فيديو، بينما هم يحرقون ويدمرون وينهبون الممتلكات المدنية عمداً». وأضاف في النص الذي سرّب دون علمه إلى وسائل الإعلام: «لقد تم هدم شوارع وجامعات بأكملها، ويتم حظر المساعدات الإنسانية، ويترك المدنيون بانتظام دون مكان آمن يفرون إليه، وتعرضت سيارات الإسعاف التابعة للهلال الأحمر للهجوم، واستهدفت المدارس والمستشفيات. هذه جرائم حرب».
وحث سميث الوزير لامي على «الاستماع إلى مخاوف موظفي الخدمة المدنية بشأن هذه القضية وإجراء التغييرات اللازمة» تجاه وقف تصدير الأسلحة إلى الدولة العبرية – التي تضمنت تراخيص تصدير بقيمة 576 مليون جنيه إسترليني منذ عام 2008 – حيث «لتصدير الأسلحة إلى أي دولة، يجب أن تكون لدى المملكة المتحدة قناعة كافية بأن الدولة المتلقية للأسلحة تتوفر على إجراءات محكمة لتجنب وقوع إصابات بين المدنيين وتقليل الضرر الذي يلحق بحياتهم في أوقات النزاع. ومن المستحيل القول إن (إسرائيل) تفعل ذلك».
سميث لم يكن البيروقراطيّ الوحيد في ماكينة الخارجية البريطانية الضخمة، الذي تبيّن أنه يمتلك ضميراً، ويمكنه كإنسان أن يفكّر ويرى الأمور من وجهة نظر أخرى، غير تلك التي تفرضها الأيديولوجيا المهيمنة للدولة، إذ كتب المئات من موظفي وزارة الخارجية إلى سلف لامي، ديفيد كاميرون، للمطالبة بنشر المشورة القانونية للحكومة بشأن الحرب التي تشنها إسرائيل على قطاع غزّة، وما إذا كان استمرار تصدير الأسلحة إليها يعد تورطاً في انتهاكات للقانون الدولي وجرائم الحرب، كما نقل خمسة موظفين في الخارجيّة عبر آلية خاصّة للإبلاغ عن المخالفات مآخذهم على سياسة الحكومة البريطانية حول ما يجري في قطاع غزة. وهناك معلومات متداولة وشكاو من جهات يهودية عن عدم ارتياح تجاه تصدير الأسلحة إلى حكومة تل أبيب في وزارة التجارة أيضاً، حيث يرفض بعض موظفي الخدمة المدنية هناك العمل على طلبات ترخيص تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، في حال أصبحوا مسؤولين شخصياً عن انتهاك القانون الدولي.

عن «عدم التفكير» شراً مطلقاً

بالطبع ليس سميث وبعض زملائه الشجعان الآخرين سوى حفنة من أصل أكثر من سبعة آلاف موظف في الخارجيّة البريطانية، هذا طبعاً سوى عشرات الآلاف الذين يعملون في الأجهزة العسكرية والاستخبارية والتجارية ومصانع الأسلحة، التي تتعامل مع الكيان العبري وتساهم بشكل فاعل في تمكينه من تنفيذ الإبادة في فلسطين، وهذا ليس مستغرباً لمن يعرف حجم انتهاكات بريطانيا للقانون الدّولي وتاريخ ازدرائها الممنهج لحقوق الإنسان، لكن مواقف هذه القلّة تصبح دليل إدانة حاسماً ضد من يتورطون بجرائم ضد البشرية ويتوارون وراء مهزلة ادعاء «تفاهة الشر».
فليس قادة الكيان العبري وحدهم المجرمون في تنفيذ مشروع إبادة الفلسطينيين، إذ لم يكن لهم أن يفعلوا دون المشاركة الفاعلة لملايين الموظفين والبيروقراط والعسكر – سواء في الكيان أو في الدول الغربيّة والعربيّة الداعمة له – والذين اختاروا عدم التفكير، والتخلي عن مسؤولياتهم الأخلاقية والمهنية، ووضع ضمائرهم في ثلاجة الموتى. لقد تسبب عدم التفكير هذا بكل المذابح الجماعية في التاريخ، وبـ»الهولوكوست» وهو السر في استمرار إبادة غزة أيضاً. إن «عدم التفكير» هو جريمة إبادة جماعية، يشارك فيها كل فرد، وتجسيد للشر المطلق، رضيت هانا أرندت، أم لم ترض.

إعلامية وكاتبة – لندن

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية