أعتقد أنه حان الوقت لنتكلم باهتمام أكبر على تجربة هشام البستاني، وعلى هذا النوع من الكتابة القصصية الذي يناور الواقع جمالياً من خلال نموذج «القبيح»، فيستفز فينا، بوصفنا نقاداً، ذلك السؤال الذي يجب ألا يغيب عند قراءة أي عمل أدبي، إنه السؤال عن ماهية الفن! ولا شك في أننا سنجد هنا إجابات متعددة، قد تعود بنا إلى أرسطو، وإلى فكرتي الصدمة والتطهير، اللتين تسببهما المعرفة في لحظة الكشف عن ظواهر الوجود، أو نزع الأقنعة التي يتقنع الواقع بها.
صدرت للقاص الأردني هشام البستاني خمس مجموعات قصصية خلال عشر سنوات: «عن الحب والموت» و»الفوضى الرتيبة للوجود» و»أرى المعنى» التي حصلت ترجمتها الإنكليزية على جائزة جامعة آركنسو الأمريكية عام 2014، و»مقدمات لا بد منها لفناء مؤجل»، وذلك قبل مجموعته القصصية الأخيرة «شهيق طويل قبل أن ينتهي كل شيء» الصادرة عام 2018 عن الكتب خان في القاهرة. يختار هشام البستاني في قصص المجموعة الأخيرة مقاربة لغوية عنيفة للواقع، فالواقع رديء دائماً، لذلك وجب انتقاده عبر مضاهاة رداءته. لكن هذا التكوين اللغوي بذاته ليس الأهم في نصوص البستاني، وإن كان صادماً بالنسبة لأولئك الذين تربكهم البنى الجمالية التي تخالف معاييرهم، لعل الأهم هو البنية القصصية التي يقود إليها ذلك التكوين اللغوي، والتي يمكن وصفها بالسينمائية. نعرف العلاقة الوثيقة التي تربط القصة القصيرة بالسينما، إذ تشتركان في شعريتهما القائمة على التكثيف، والترميز والكنائية، لكن هذا الشكل من القصص يفعّل الحاسة السينمائية لدى المتلقي بقدر ما يصنع مشهديتها في النص المكتوب، لذلك لابد من أن نستحضر خلال القراءة رؤية تاركوفسكي النقدية، ونستعيد السؤال الذي بدأنا به حول ماهية الفن.
يرى تاركوفسكي الفن وسيلة لاستيعاب العالم أثناء رحلة الإنسان نحو الحقيقة المطلقة، مثله في هذا مثل العلم، إلا أن المعارف العلمية تستبدل بطريقة متوالية، وقد يدحض بعضها بعضها الآخر للوصول إلى تلك الحقيقة المطلقة، في حين يحدث الاكتشاف الفني في كل مرة بوصفه صورة جديدة وفريدة للعالم. إن الفن يعبر عن الجميل مثلما يعبر عن القبيح بوساطة الصورة الكنائية، إذ يستعاض عن الشيء بشيء آخر، فللكشف عما هو حي يستخدم الفنان شيئاً ميتاً، وللحديث عن اللامتناهي يعرض المحدود والمتناهي… لكن صورة البستاني الفنية ليست كنائية، فهو حين يعرض القبيح يعرضه بذاته، ولذاته، وليس للكشف عن غيره، وهنا نلمس المغايرة التي تحتاج لغة عنيفة تصور الحياة بذاتها، لا أفكار وبراهين بشأنها، تصورها عبر الرصد والاختيار، وذلك ما يسميه تاركوفسكي في السينما نحتاً في الزمن، إذ يختار من الواقع ما يحتاجه (القبيح فحسب في حالة البستاني)، ويتخلص من الباقي، فيكون الذاتي من الموضوعي، بنزوع سيريالي، ونزعة ديوجينية، وثمة دائماً شيء غامض يمنح الشعرية، ويعول كثيراً على المتلقي في تفسيره وإعادة بنائه.
شيء مرّ، سيبقى أثره حتى لو نسينا الشخصية والحدث، وهذا ما سيحصل مع معظم القصص، لكن ستبقى المرارة مرافقة لاسم هشام البستاني، في نزوعه المجنون إلى ما فوق الواقع، باستعمال الغريب والفانتازي، وكل ما يصنع بنية غير مألوفة تجمع سوداوية (كافكا) إلى سريالية (ماغريت) التشكيلية.
شيء مرّ، سيبقى أثره حتى لو نسينا الشخصية والحدث، وهذا ما سيحصل مع معظم القصص، لكن ستبقى المرارة مرافقة لاسم هشام البستاني، في نزوعه المجنون إلى ما فوق الواقع، باستعمال الغريب والفانتازي، وكل ما يصنع بنية غير مألوفة تجمع سوداوية (كافكا) إلى سريالية (ماغريت) التشكيلية.
تنقسم المجموعة المكونة من مئة وعشر صفحات من القطع المتوسط إلى أربعة كتب كما يسميها، تحمل عناوين رئيسة ففرعية، تسهم بشكل فاعل في صناعة الفضاء الفانتازي وتعزز مفهوم القبيح: (كتاب الغرق، أو عن حياة طعمها كالملح)، وتبدو نصوصه متوالية قصصية تشكلها صور فنية من واقع الحروب والهجرات عبر البحر، وسنجد الحالة السورية مثل متن تتناص عناصره مع هجرات أقدم، كهجرة الفلسطينيين إلى موانئ كانت متاحة أثناء النكبة، ليبدو التركيب القصصي عبارة عن رحلة عربية، بل عالمية واحدة باتجاه النفي واللجوء والغرق، ولكن بفصول متعددة، وخبرات تراكمية. ثم سننتقل في النص الأخير إلى سكونية تامة، هي سكونية ما بعد العواصف، إذ يلتقي الموت والولادة، فبعد أن يغرق الجميع، تبدأ حياة أخرى بلا تاريخ آثم يثقلها، وبلا مبالاة بمن مضى، وتجلي هذه السكونية المستفزة ذلك القبيح مفهوماً جمالياً:
« لن يعرف المركب الذي ثبت تماماً في القاع، ولا الجثث التي كانت تتلاصق عليه قبل أن تتناثر ويُبصَق بعضها منتفخاً، بعد أيام، على الشاطئ، أن الريح شمالية معتدلة، وأن البحر هادئ، وأن النوارس تحلق مرحة على ارتفاع منخفض».
يهتم (كتاب الرعب، أو عن حياة طعمها كالجحيم) بنقد العلاقات الاجتماعية العربية: الزواج والطمع، واللهاث خلف الجنسية الأمريكية، وفساد القضاء، وفساد الحالة السياسية، وتردي الحالة الثقافية، وغوغائية السلطة، وتحولات الحداثة المشوهة للمدينة العربية، التي تمثل عمان حالة كنائية لها. أما (كتاب البلادة، أو: عن حياة بلا طعم) فهو تشريح لكل من التفاهة والسطحية التي يمنحها المظهر الرأسمالي للحياة العربية، من خلال استحضار نماذج فنانات مشهورات، وخادمات أجنبيات، وبطالة مقنعة، وتجمعات نسائية تبدد وقتها وطاقتها على قشور الحداثة وحياة الاستهلاك. وتختتم المجموعة بـ(كتاب اليأس، أو ملاحظات أخيرة لن تفيد أحداً)، وهو اعتراف باللاجدوى، وإعلان عن الانسحاب من عالمنا، ومقايضته بعالم اللجوء والمنفى، والخروج على القوانين والمنطق، عالم المجانين وفاقدي الذاكرة، واضطراب المفاهيم، حيث ستنال الظواهر والموجودات أسماء جديدة : فالبحر هو الكرسي الجلدي ذو الأذرع الخشبية، والأوتوستراد هو الرياح العاتية، والنزهة مادة شديدة المتانة، والبندقية طائر أبيض جميل. يتآكل المعنى المعتاد بعناوين الكتب تلك، وبالتسميات الجديدة للموجودات، وهذا التآكل هو الذي يبقى في وجدان المتلقي، بوصفه نتيجة للصراع بين رؤية الكاتب والمادة المأخوذة من الواقع، الصراع لنحت تلك الصور في الزمن كما يقول تاركوفسكي، بطريقة فردية، لعل مفرداتها عامة، لكنها خاصة جداً في تركيبها غير النمطي، إذا يفكك البستاني مفردات الواقع، القبيحة أصلاً، ويعيد تركيبها لتظهر في شكل أكثر قبحاً، وغير مألوف، ومنفر، وموجع، وتلك كلها مفردات جمالية، يقصد منها إيقاظ المتلقي من خدره، وإنقاذه من فخ الاعتياد الذي ينفي عنه سمة الإنسانية، ويلحقه بالقطيع.
٭ روائية سورية