لندن ـ «القدس العربي»: كما كان متوقعا، أعلن نادي برشلونة تعيين الرمز الخالد تشافي هيرنانديز، مدربا وعرابا لمشروع الرئيس جوان لابورتا، بعد انتهاء مهمة المدرب المؤقت سيرجي بارغوان، الذي حاول قدر المستطاع إنقاذ ما يُمكن إنقاذه، بعد وصول الفريق إلى مرحلة «الإفلاس الكروي» في أيام رونالد كومان الأخيرة في سُدّة حكم «كامب نو»، وسط حالة انقسام على قرار عودة المايسترو تشافي، سواء في وسائل الإعلام العالمية أو «السوشيال ميديا»، ما بين آراء وتحليلات تراهن على عودة فلسفة وشخصية «البلو غرانا» المفقودة منذ سنوات مع المدرب الجديد، وأخرى تشكك في نجاح المغامرة، لحاجة برشلونة الى معجزة من السماء، كي يستعيد أمجاد الماضي غير البعيد في المستقبل القريب.
حجج المشككين
لا أحد يشكك في عقلية تشافي، كواحد من أعظم من أثروا ملاعب كرة القدم في مركز الرقم 6، بل بالكاد أفضل من ارتدى هذا الرقم في كل العصور، لكن البعض يستبعد سيناريو نجاحه، سواء على المستوى القريب أو البعيد، أو بعبارة أخرى سيسير على خطى رونالد كومان، وليس كما يُمني عشاق النادي النفس، بإعادة تجديد محتوى الفيلسوف بيب غوارديولا، وذلك لعدة أسباب، منها وأبرزها صعوبة التعامل مع رفاقه القدامى، من منطلق أن القاعدة العريضة، تقول إن الابتعاد عن الأهل والأصدقاء مفتاح النجاح في أي عمل، ونعرف أن الأسطورة عاد إلى غرفة خلع الملابس في مهمة تاريخية، حيث يمر الفريق بأسوأ فتراته في العصر الحديث، والمطلوب منه، إعادة كرة «التيكي تاكا» المعروفة عن برشلونة، والتي كانت سببا رئيسيا في وصول شعبية الكيان حول العالم إلى مستويات غير مسبوقة في الألفية الجديدة، والسؤال الذي يفرض نفسه. هل سيكون تشافي على طبيعته وجريئا مع زملاء الأمس جيرار بيكيه، وسيرجيو بوسكيتس، وجوردي ألبا وسيرجي روبرتو؟ هذا في الوقت الذي سيكون فيه المدرب الجديد بحاجة لبسط هيمنته بشكل كامل على غرفة خلع الملابس، علما أن أغلب زعماء غرفة خلع الملابس، يواجهون انتقادات بالجملة، لغياب دورهم وتأثيرهم في ذروة تخبط الفريق بعد رحيل الأسطورة ليونيل ميسي. في كل الأحوال، سننتظر الإجابة من صاحب الشأن في المرحلة المقبلة، مثل رده على حملة التشكيك في علاقته بالرئيس لابورتا، استنادا إلى تلك الشائعات، التي كانت تتحدث عن تردد الرئيس المحامي في تعيين تشافي، كون الأخير ارتبط اسمه بالمرشح الرئاسي فيكتور فونت، ولا يخفى على أحد أن منافس لابورتا الشرس في انتخابات بداية العام، بنى حملته الدعائية على فكرة إعادة تشافي هيرنانديز، باعتباره الرهان الرابح، الذي يعرف كيف تُدار الأمور في النادي، وعلى دراية أكثر من غيره بما يريده الجمهور، بصفته واحداً من مؤسسي مدرسة برشلونة الحديثة، أو بالأحرى أحد قادة الجيل الذهبي الكتالوني، الذي أحدث ثورة في عالم كرة القدم، بأسلوبه الأنيق والممتع لعشاق الكرة الجميلة، والمرعب للمنافسين، بنقل الكرة من قدم لقدم بشكل عمودي، بأفكار وجودة لاعبين نادرا ما يتواجدون في نفس الزمن.
صداع الجودة
على سيرة الجودة التي كانت تضع برشلونة في عالم مواز مع باقي المنافسين القاريين، وبدرجة أقل الغريم الأزلي ريال مدريد، الذي كان يعيش هو الآخر أعظم أوقاته بامتلاك كريستيانو رونالدو ورفقائه في جيل «العاشرة»، الآن تمثل عائقا وتحديا بالنسبة لتشافي، باعتبارها واحدة من أكثر المشاكل التي يعاني منها البارسا، من قبل حتى رحيل الهداف التاريخي ميسي، نتيجة لتراكم القرارات الكارثية على مدار قرابة العقد، باكتفاء مجالس الإدارة بمشاهدة الأساطير والنجوم يعتزلون ويرحلون، من دون إعداد أو تحضير بديل مستقبلي أو شراء بديل بنصف الجودة، مثلا منذ هروب داني ألفيش بعد انتهاء عقده، لم ينجح النادي في العثور على ظهير أيمن بالمواصفات المطلوبة لأحد أشهر الأندية على هذا الكوكب. وبالمثل، رحل تشافي نفسه وشريك رحلة النجاح الرسام أندريس إنييستا، وإلى الآن يتحسر الجمهور على أيام ثنائي الوسط الذهبي، هذا بخلاف كارثة الاستثمار الخاسر في مبلغ فسخ عقد نيمار جونيور بعد انتقاله إلى باريس سان جيرمان، حيث جنى النادي ما يقرب من ربع مليار يورو، ليهدرها في الهواء الطلق، بإرسالها إلى بوروسيا دورتموند وليفربول لانتداب عثمان ديمبيلي وفيليب كوتينيو، فكانت المحصلة، الصدمة التي لم يستفيق منها برشلونة وجمهوره حتى هذه اللحظة، بإدمان الأول للإصابات طويلة الأجل، والثاني يعاني من أزمة ثقة، ولا يعرف كيفية استعادة نسخته التي كان عليها تحت قيادة مدربه الألماني السابق يورغن كلوب في ليفربول، ناهيك عن صفقة أنطوان غريزمان الفاشلة، والاستغناء المجاني عن السفاح لويس سواريز، كهدية لأتلتيكو مدريد، ليقوده الى التويج بلقب الليغا، وذلك من دون أن تقوم الإدارة بتعويض الفريق ببديل على مستوى توقعات وطموحات المشجعين، فقط لتحسين الصورة، استعاروا لوك دي يونغ، كمجرد اسم على مقاعد البدلاء، والدليل على ذلك، أن مستواه أو الصورة التي ظهر بها في فترة دعم كومان، أثبتت بشكل قاطع، أنه لا يرتقي حتى للتواجد في فريق رديف برشلونة، الشاهد أنه بلغة المدربين والمحللين المصرية «القماشة ضعيفة»، أي الأسماء المتاحة لتشافي لا تملك من الجودة والخبرة ما يكفي لاستنساخ أسلوب برشلونة الذي جاء من أجله مدرب السد القطري السابق، حتى الحرس القديم، تجاوزا مرحلة الذروة في مسيرتهم الاحترافية، أو بعبارة أخرى يعيشون في خريف عمرهم الكروي.
التحديات والعصا السحرية
صحيح أن تشافي حصل على فرصة لا بأس بها، لاختبار مهاراته وموهبته كمدرب يطمح في السير على خطى أستاذه بيب غوارديولا، بعد تجربته الناجحة مع الزعيم السداوي، لكن كما أشرنا أعلاه، مهمته في «كامب نو» ليست نزهة أو مفروشة بالورود، بل على العكس تماماً، لكثرة التحديات التي يحتاج تجاوزها، ليضع حجر أساس مشروعه بالطريقة التي يريدها وينتظرها منه الجمهور، منها الاستفادة من هدايا كومان المتاحة، وذلك بالوثوق أكثر في العناصر الشابة، التي منحها المدرب السابق فرصة العمر، لتقديم أوراق اعتمادهم، كلاعبين يحملون «الجينات» الأصيلة لمدرسة وأفكار «لا ماسيا»، من نوعية ريكي بوتش وأوسكار مينغيزا ورونالد أراوغو وأليكس بالدي، وقبل الجميع الثنائي الذي يمكن البناء عليه، والإشارة إلى أنسو فاتي وبيدري، فقط يحتاجون الى من يفجر طاقتهم في المكان الصحيح، بعدما وضعهم المدرب الهولندي في منتصف الطريق، بتصعيدهم للفريق الأول ومنحهم فرصة اللعب، من دون أن يساعدهم على تطوير مستواهم بشكل جماعي لخدمة المنظومة، وربما يكون السبب، لأن مدرب الأراضي المنخفضة السابق، من نوعية المدربين الذين يُجيدون اكتشاف المواهب، ثم تركهم لمن يُجيد فك شفرتهم لإخراج أفضل ما لديهم، وهذا يبقى متروكا لتشافي، كواحد من التحديات الرئيسية في مغامرة المدرب الجديد، باكتشاف أبرز المواهب الخام في مدرسة «لا ماسيا» والاستفادة منها في مشروعه المستقبلي، بجانب تحدي التغلب على النغمة السلبية، أو ما تُعرف إعلاميا «قلة الخبرة»، وهذا يحتاج إنجاز أشياء ملموسة في المستقبل القريب، مثل محو الصورة القاتمة، التي حُفرت في أذهان المشجعين منذ رحيل آخر المدربين الأقوياء لويس إنريكي، وذلك بالجمع بين الأسلوب الأنيق المفضل بالنسبة للمشجعين، وتحقيق الانتصارات، أقربها الخروج من مأزق احتمال الخروج المبكر من دور مجموعات دوري أبطال أوروبا، بالتعامل مع مباراة بنفيكا المقبلة على أنها حياة أو موت، لتجنب حدوث أي شيء خارج التوقعات في زيارة «آليانز آرينا» الأخيرة في ختام مرحلة المجموعات.
وتشمل قائمة تحديات تشافي على المدى القريب، تحسين صورة وأداء المنظومة الدفاعية، بعد البداية الكارثية من حين الأرقام، والتي جعلت البارسا يصنف كواحد من أسوأ خطوط الدفاع في الدوريات الأوروبية الكبرى، باستقبال حارسه أندريه تير شتيغن لـ18 هدفا في 14 مباراة هذا الموسم، وإذا عرف المدرب الجديد من أين تؤكل الكتف، سيكون قد نجح في قطع نصف المسافة نحو الطريق الصحيح، منها سيعيد الهدوء والثقة والاستقرار إلى غرفة خلع الملابس، ومنها سيساعد الإدارة في الخروج من ضائقة الديون المتراكمة، التي يقال أنها تخطت حاجز المليار دولار، والمفتاح يكمن، في ضرورة الاستمرار في مسابقة ذات الأذنين بشكل أو بآخر، لضمان المزيد من المكاسب المادية في المراحل القادمة، وفي نفس الوقت، سيرفع شعار «مجبر أخاك لا بطل»، باستعادة نغمة الانتصارات على مستوى الليغا، لضمان العودة للمنافسة على المراكز الأربعة الأولى المؤهلة لدوري أبطال أوروبا. نعم عزيزي القارئ هذه حقيقة، في ظل الوضعية التي يعيشها الفريق، بتراجعه في جدول ترتيب أندية الدوري الإسباني، باحتلال المركز التاسع، بفارق 10 نقاط عن العدو الوصيف ريال مدريد، و11 نقطة عن الحصان الأسود المتصدر ريال سوسييداد، مع انعدام الثقة من قبل الجماهير، لشعورهم بأن الفريق ليس مؤهلا للمنافسة على أي بطولة في الوقت الراهن ولا حتى في المستقبل القريب، لوصول فارق الجودة والكفاءة والخبرة بين النادي وباقي المنافسين المحليين والقاريين إلى مستويات غير مسبوقة في زمن التكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعي، خاصة بعد فقدان السلاح الرادع ليونيل ميسي الصيف الماضي، بجانب صعوبة اللجوء للحل السريع، بإنفاق الملايين لتدعيم الفريق بصفقات «سوبر» في ظل الأزمة المالية الطاحنة التي يعاني منها الكيان من قبل أزمة كورونا، مقارنة بالعدو المدريدي، الذي عرف كيف يسير أموره في فترة الجائحة، وباقي أثرياء العصر على رأسهم مانشستر سيتي وباريس سان جيرمان، وفي المستقبل القريب نيوكاسل يونايتد، ولو أن هذا يعني بالتبعية أن تشافي في الغالب سيحتاج لفترة ليست بالقصيرة، لبناء إمبراطوريته بالطريقة المنتظرة منه، الأمر الذي قد يكون سلاحا ذا حدين، إما أن يحظى بالدعم والصبر من قبل الجماهير والإدارة، وإما يقع ضحية لعدم وجود كلمة «صبر» في قاموس أندية مثل برشلونة وريال مدريد، فهل ينجح تشافي في هذه التحديات؟ بما في ذلك تحدي التغلب على الآثار النفسية الناجمة عن ليلة الإذلال العظيم على يد بايرن ميونيخ بالثمانية في ربع نهائي دوري الأبطال في النسخة قبل الأخيرة، تلك المباراة التي لطخت سمعة النادي عالميا، وجعلت الجميع يتجرأ عليه، خاصة في سهرات الثلاثاء والأربعاء.
مميزات محفوفة بالمخاطر
بنظرة واقعية وحيادية لما قدمه تشافي في تجربته مع السد في الفترة بين يوليو / تموز 2019 وحتى وقت إعلان عودته إلى «كامب نو»، ليحقق حلم الطفولة الثاني، بقيادة الفريق الأول، بعد نجاحه في الفوز بكل البطولات القارية والمحلية في مشواره كلاعب، سنجد أن أفكاره لا تختلف كثيرا عن أناقة قدميه، كواحد من المدربين أصحاب الأفكار الهجومية الضارية، وهذا ما ساعده على حصد 7 ألقاب مع السد، بواقع الدوري القطري، والكأس السوبر القطري، وكأس نجوم قطر مرة واحدة، وكأس قطر وكأس أمير قطر مرتين، محققا الفوز في 62 مباراة، مقابل 16 هزيمة ومثلها تعادلات في 91 مباراة في مختلف المسابقات، لكن ما أُخذ عليه في كثير من المباريات، الضريبة الباهظة التي يتكبدها أمام الفرق التي تعرف استغلال الثغرات الدفاعية والمساحات الشاغرة، التي يتركها فريقه، بسبب أفكاره الهجومية المتطرفة «كرويا»، فهل يساعده فارق الجودة بين لاعبي البارسا والسد في التخلص من هذه المعضلة؟ أم سيراجع أفكاره على الأقل في بداية المغامرة لتجنب التعرض لهزيمة مدمرة للمعنويات؟ هذا ما سنعرفه بعد عودة اللاعبين من التوقف الدولي، أما القوام الرئيسي الذي سيعتمد عليه، ففي الغالب سيبقي على أندريه تير شتيغن، على أمل أن ينجح في إعادة ثقته بنفسه، بعد تدهور أوضاعه مثل الدفاع المتهالك، وأمامه سيعول على الظهير الأيسر المخضرم جوردي ألبا، وسيرجينو ديست في مركز المدافع الأيمن، وبينهما إيريك غارسيا وأراوخو في محور الدفاع، على أن يعود الهولندي فرينكي دي يونغ لمركزه المعتاد على دائرة المنتصف بدلا من اللاعب الثالث الحر في الدفاع، وسيكون شريكاه في الوسط بيدري وغافي، أما في الهجوم، فلا خلاف على صاحب القميص رقم 10 أنسو فاتي بعد تعافيه من الإصابة، ومعه الفرنسي عثمان ديمبيلي والهولندي ممفس ديباي، ويُقال أن تشافي يراهن على ثورة التصحيح التي يقوم بها على مستوى الطاقم الطبي والتأهيلي للنادي، بعد الاستجابة لطلبه الأول بإعادة الطبيب ريكاردو برونا، الذي عمل بين جدران النادي أكثر من عقدين من الزمان، على أمل أن يضع حدا لمسلسل كثرة انتكاسات اللاعبين طويلة الأجل، بجانب الهدف المنشود، برفع المعدلات البدنية للاعبين، بعد وضوح هذا العيب الخطير في مباراة سيلتا فيغو الأخيرة، التي شهدت انهيار الفريق في الشوط الثاني، باستقبال 3 أهداف، بعد إنهاء الشوط الأول بتقدم مريح بثلاثية نظيفة، فهل يا ترى سيتمكن تشافي من وضع يده على هذه النقاط ويعيد زمن برشلونة الجميل؟ أم قلة خبرته لن تسعفه على تحمل هذه المسؤولية الثقيلة؟