رحلت عن مصر حكومة غير مأسوف عليها لتحل محلها حكومة لم تنل الترحيب الواجب؛ وكانت حكومة حازم الببلاوي الراحلة قد تشكلت في 16 تموز/يوليو 2013 ثم انتهت مهمتها في 24 من شباط/فبراير الماضي، وحتى كتابة هذه السطور لم يكن رئيس الوزارة المكلف إبراهيم محلب قد استكمل تشكيل حكومته أو حلف اليمين الدستورية بعد، والحكومة الجديدة هي الثانية بعد ثورة 30 حزيران/يونيو 2013، ورحيل الببلاوي تأخر كثيرا رغم قصر مدته؛ ووُصِفت حكومته بالمرتعشة، وفقدان القدرة على المبادرة والخيال السياسي والحس الاجتماعي!.
والفروق الشخصية بين الببلاوي ومحلب ليست جوهرية. فالأول لم يستطع التفكير خارج دوائر اليمين ومصالحه المعوقة لنهوض مصر، ولا يستطع البعد عن المؤسسات الاقتصادية والمالية الإقليمية والدولية، وهو أسير الفكر الاقتصادي التقليدي، وضد تدخل الدولة في مجتمع مأزوم ومهدد بالإفلاس، والثاني لا يختلف كثيرا عن الأول في توجهاته ورهاناته، لكنه ذو حضور ونشاط وحركة، ولديه قدرة على المتابعة الميدانية المباشرة؛ بحكم خبرته السابقة في إدارة واحدة من أهم شركات المقاولات الكبرى، وكانت وما زالت حاضنة للإخوان المسلمين منذ 1971، وكانت قريبة من نشأة الجماعة الإسلامية في الجامعات في حقبتها السبعينية!!.
وكان الببلاوي يتعامل مع الأزمات بعقلية الخبير والأكاديمي اليميني، ومحلب يراها من منظور مقاول حركي ‘ديناميكي’، ويميني أيضا، ويتعامل معها بالحشد والمواجهة، ويهتم بالتفاصيل ومولع بمتابعة كل صغيرة وكبيرة بنفسه، وكان وزير الإسكان الأكثر نشاطا وحركة في حكومة الببلاوي، والخيال الاجتماعي للاثنين محدود إن لم يكن غائبا، ويواجه محلب تحديات وعقدا ليست سهلة؛ مثل الإضرابات والاحتجاجات الفئوية، وافتقاد الأمن والنظام، وتفشي الفوضى في الشارع، مع حدة الأزمة الاقتصادية الخانقة.
ومصر تشهد حاليا إحتجاجات وإضرابات واعتصامات واسعة ومستمرة؛ امتدت إلى الأطباء وعمال النقل العام والعاملين في الشهر العقاري، ومن الصعب أن يستثني المرء فئة أو مهنة مستقرة؛ كلها تبحث عن حلول حاسمة؛ تتسم بالجسارة والعدالة والشمول، بعيدا عن الحلول الجزئية أو المُسَكنات المؤقتة، وغياب هذه الحلول هو الذي عرى كل حكومات ما بعد ثورة 25 كانون الثاني/يناير حتى الآن، لأنها لم تعط اهتماما كافيا لأحد أهم أهداف الثورة وهو ‘العدالة الاجتماعية’، السبب الرئيسي في هذه الإضرابات والاعتصامات.
وهذه المشاكل لا تجد حلولا ما دامت الحكومات والجماعات السياسية تراهن على كبار رجال الأعمال والرأسماليين، ويقلدون الغرب بشكل أعمى وينقلون عنه ما يخدم مصالحهم، وفي الوقت نفسه يتأففون بشدة من الاشتراكية ونهجها في رفض الاستغلال الاجتماعي والاقتصادي، وهذه غير قابلة للتقليد أو النقل، وكل ما عداها مباح من وجهة نظرهم، حتى بعد أن امتزجت بالديمقراطية، وأضحت الديمقراطية والاشتراكية جناحين للحرية، ووصلت أحزابها إلى الحكم في كثير من بلاد الغرب عبر صناديق الاقتراع..
والاشتراكية مدرسة واتجاه يترجم قيم العدل والمساواة التي تدعو إليها الأديان السماوية، لكن رجال الأعمال يفرضون على الناس خيارا وحيدا لمواجهة الأزمات، ومن يتذكر مناقشات لجنة الخمسين على مواد الدستور الحالي يجد حجم الجهد الذي بذل من أنصار رجال الأعمال ضد الضرائب التصاعدية. لذا فإن العدالة الاجتماعية يجب أن تُعرف باسمها المعاصر دون خجل أو وجل، فالأخذ بآليات الاشتراكية الديمقراطية يعطي مساحة كافية لكل القوى والطبقات للتحرك في مجال التنمية، وتحصل على نصيبها العادل من حصيلتها، بما فيها ‘الرأسمالية الوطنية’، إذا مال خضعت لضوابط القانون، وقبلت بالحد من الاستغلال. والتزمت بالبعد عن الاحتكار، وابتعدت عن ممارسة الاقتصاد الأسود.
وأما تحدي استعادة الأمن وعودة الانضباط للشارع المصري هو مفتاح الاستقرار، ولا يجب ان يواجه هذا التحدي بالتفكير التقليدي، ولا يكفيه الحل الأمني، الذي يجب أن يتم بضمانات اجتماعية واقتصادية واضحة، وضوابط سياسية وقانونية محددة. ويبتعد عن ‘العشوائية المالية’؛ ويعمل على تنويع مصادر التنمية، دون رهان على جذب الاستثمار والمستثمرين الأجانب والسياح، وإهمال الإنتاج والعمل المثمر، مع عدم التمادي في تعميم الحرمان والعوز للسواد الأعظم، ورفض احتكار الرفاهية والبذخ والسفه لرجال الأعمال والمحتكرين، والكف عن تدليلهم ودعمهم، وكان حكمهم أكثر توحشا من الاحتلال الأجنبي المباشر، وهم في النهاية قلة لا تعيش إلا في كنف الاستبداد والفساد والتبعية، وهو ثالوث ما زال غالبا في حكومات ما بعد ثورتي كانون الثاني/يناير 2011 وحزيران/يونيو 2013، فالقرار ما زال لصالحه، والاستعانة دائمة به، ولا تدليل إلا لسواه، وليذهب الكل إلى الجحيم.
وعن التحدي الاقتصادي إذكر نفسي بدعوة وجهتها في خاتمة مقال الثالث من أغسطس 2013 على هذه الصفحة إلى ‘اقتصاد الحرب’، وكانت صرخة، مثل صرخة السيد المسيح عليه السلام في البرية، ولم تجد أذانا صاغية، فـ’اقتصاد الحرب’ يعني تعبئة الموارد، وحشد الطاقات، والحد من السفه الحكومي والاستهلاك الترفي، ووقف ‘النهب الاستثماري’، وضبط ‘المال السياسي’ الذي يغرق البلاد من كل فج. وعلى المرء أن يتأمل حال دولة تواجه خطر الإفلاس ومع ذلك ترتفع فيها المباني والأبراج الشاهقة في كافة الأحياء والمناطق، بما فيها العشوائيات، ومعنى ذلك أن الدولة المفلسة بها جماعات وأفراد مصابون بتخمة الثروات الحرام، ويمتلكون المليارات؛ البعيدة عن القنوات الشرعية، ويتم غسلها بانشاءات عقارية لتحصل على مشروعيتها، ويسهل تحويلها إلى مصادر تمويل للإرهاب والبلطجة الموجه لرقاب الجميع، وينتشر الاقتصاد الأسود بهذا الشكل المشوه وغير المشروع، وأحل ‘أغنياء السياسة’ محل ‘أغنياء الحرب’، هذا في وقت تكثر فيه الدعوة إلى إجراءات تحفيزية جريئة، ومبادرات شجاعة للتيسير على المستثمرين، وهي دعوة تهدف لإعادة إنتاج الحكم السابق، وزيادة معدلات الفقر والبطالة والجريمة.
وللأسف فإن هذا هو نهج الوزارة الجديدة؛ في تبريرها لعودة رجال الأعمال إلى مقاعد الحكم، فرئيس الوزراء المكلف لم يجد إلا رجل أعمال اسمه محمد شاكر ليتولى حقيبة الكهرباء، لأنه يمتلك شركة كبرى تعمل في نفس مجال الوزارة التي كلف بحمل حقيبتها، وتنفذ شركته أعمالا لحسابها، وعلى الفور أعلنت نقابة العاملين بشركات الكهرباء رفضها للوزير الجديد، وهددت بوقفة احتجاجية اليوم (السبت) إذا لم يُوقف هذا التكليف، وهذا رجل أعمال آخر يكلف بحقيبة التعليم العالي، واسمه أشرف منصور، ومؤهلاته أنه مالك لجامعة خاصة، وهذا استفز المجلس الأعلى للجامعات، الذي انعقد في دورة طارئة أول أمس (الخميس) رفض فيها الوزير الجديد، وحذر من تفاقم أوضاع الجامعات أكثر مما هي عليه، ورفضت اللجنة التنفيذية لمؤتمر 31 آذار/مارس تولي منصور المنصب، وطلبت فتح ملفات الجامعات الخاصة، ومخالفاتها للقانون، وإعادة النظر في أسعار الأراضي التي حصلت عليها، وميزانياتها ورسوم الالتحاق بها، وترويجها لمقولة أن التعليم العالي في الغرب ليس مجانيا، وعليهم أن يحصلوا على المعلومات الصحيحة عن التعليم في فرنسا وألمانيا وهولندا والدول الاسكندنافية وغيرها.
ونفس الشيء حدث مع العمال بعد تكليف ناهد عشري بحقيبة القوى العاملة، وتكليفها جاء تحديا للعمال وانتصارا لرجال الأعمال، ونشر موقع ‘اليوم السابع’ الألكتروني أن عشري أضاعت حقوق العمال خلال تفاوضها مع المستثمرين، ومعروفة بانحيازها الدائم لرجال الأعمال ضد العمال، وذكر بيان صادر عن ‘المؤتمر الدائم لعمال الإسكندرية’ أنه ‘بعد مرور ثلاث سنوات على ثورة يناير، فوجئ الجميع بتولي أحد أشهر المساندين لرجال الأعمال، وصاحبة مقولة ‘اخبطوا راسكم في الحيط’، أثناء توليها التفاوض بين العمال وأصحاب الأعمال.
من ناحية أخرى جاء رد الفعل غاضبا من الأوساط القضائية فور علمها بتكليف محفوظ صابر، رئيس مجلس التأديب بمحكمة استئناف القاهرة بتولي وزارة العدل خلفا لعادل عبد الحميد، واعتبر القضاة ذلك طعنا في ذمته وانحيازا لهشام جنينة، رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات المحسوب على الإخوان المسلمين.
وفي هذا السياق أبقى محلب على شريف اسماعيل وزير البترول والثروة المعدنية، وهو أحد أساطين تبديد ثروات وموارد الدولة وتقدر بالمليارت، وورثه محلب من وزارة الببلاوي، وتخصص اسماعيل منذ أن شغل المنصب في إسناد العمل المناسب للرجل غير المناسب، واستمر رغم اعتراضات الأوساط العلمية والفنية؛ أسند إلى الجيولوجي فكرى يوسف، وكيل أول وزارة للثروة رئاس شركة شلاتين للذهب، وعين الجيولوجي عمر طعيمة رئيسا لهيئة الثروة المعدنية، والكيميائي ماهر الحداد رئيسا لشركة السكري للذهب. وأسند للجيولوجي حسن بخيت منصب رئيس شركة حمش للذهب، وجعل الجيولوجي مصطفى القاضي رئيسًا للشركة المصرية للثروات التعدينية، ومنح الجيولوجي مسعد هاشم رئاسة شركة الوادي الجديد للثروة المعدنية والطَّفلة الزيتية. وتساءل علماء معنيون بالثروة المعدنية عن علاقة الحداد وغيره بمناجم الذهب، وقد عمل طوال حياته في النفط، والسبب أنه مقرب ‘جدا’ من وزير النفط، ولماذا لا يوضع الرجل المناسب في مكانه المناسب؛ في بلد يعاني تخمة في الكفاءات والخبرات العالية، وكل هذا مر وسوف يمر من غير حساب أو مساءلة.
وبهذا يعتبر محلب شريكا في التفريط المتعمد لموارد’وثروات مصر. وهل يجوز أن يتبوأ رجال مسؤولية إدارة مؤسسات وشركات بهذا الحجم والمستوى والأهمية بدون خبرة أو تأهيل مناسب؟
وهل يستطيع محلب أن يحاسب الوزير ويوقف هذا التبديد؟ وهل يُعجل بإصدار قانون الثروة المعدنية فيوفر للدولة حصيلة قدرها 24 مليار جنيه سنويا على اقل؟، حسب تقدير الأستاذ الجامعي والخبير الجيولوجي يحيى القزاز، الذي يسأل بدوره هل يستطيع الوزير أن يصدر قرارا يعيد هيئة المساحة الجيولوجية لتلعب دورها الحيوي في مجالات التعدين والمناجم.
إن المؤشرات تقول ان محلب يسير على نهج الصدام مع أساتذة وطلاب الجامعات والقضاء والطبقة العاملة وكل القوى الفاعلة، فضلا عن قبوله بتبديد الثروات، ويسير على نهج بدأته جماعات محسوبة على الإسلام السياسي، تعتبر أن مهمتها الأولى في الحياة الصدام مع المواطنين، وإسقاط الدولة، وهل معنى هذا هو مؤشر لاستمرار القوى القديمة بوجوه جديدة؛ فتعود أشد وطأة، وأرجو أن يخيب ظني!!
‘ كاتب من مصر