بيروت – «القدس العربي» : «أبو رخوصة» مجدداً في ساحة الشهداء، تسوق وديّ وشعبي امتد من العاشرة إلى السادسة من مساءً.
عاد أبو رخوصة بعد غياب، محاولاً بث الروح في مدينة يلفها النسيان والخراب. تزامنت العودة مع قرار مجلس شورى الدولة أبطال التمديد لشركة سوليدير، وكانت النهاية سنة 2019. اعتمد السوق مدخلاً وحيداً لضبط إجراءات الوقائية من كورونا، قياس للحرارة وتعقيم لليدين. ونال السوق مباركة محافظ مدينة بيروت القاضي مروان عبود الذي تفقده معلناً فرحته بالإنجاز الذي أعاد الحياة إلى ساحة الشهداء، ودعم عشرات الباعة.
من بعيد وقبل الوصول إلى المكان جوليا بطرس تصدح «وين الملايين…ووووين وووين». يبدو أن القائمين على ثقافة سوق أبو رخوصة السمعية مسمرون عند مواقفهم الخشبية العتيقة؟ ولم يسمعوا بالموضة العربية الجديدة وعنوانها التطبيع المجاني!!
«ملتقى الألوان الفني»
ميّز سوق أبو رخوصة الفنون التشكيلية بتخصيص بخيم على مدخله. بالنظر يميناً أو يساراً احتفالية ألوان تنادي الزوار. «ملتقى الألوان الفني» أحدها. منسقة العلاقات الفنية والثقافية في هذا الملتقى باسكال مسعود تقول تعريفاً: نحن حالة دائمة، نتواجد حيث يتاح لنا. نرسم على جدران المدراس. موضوعنا المستدام القضايا الإنسانية، والتعبير عن مشاعر الناس. نعرف أن الثقافة والفنون تغذي النفوس والعقول، وتمد الناس بالفرح. دورنا تزيّن المجتمع خاصة في ظروفة الصعبة. حضورنا في أبو رخوصة دائم، وأنا عضو اللجنة الإدارية في السوق. نتمسك به لأنه يحيي لساعات ماضي بيروت وأسواقها الشعبية من سوق النورية إلى سوق أياس. ويؤكد أن بيروت لكافة فئات المجتمع.
خيمة «طلاب معهد الفنون قسم العلوم التشكيلية السنة الثالثة» شغلت الجانب الأيمن. مريم مزرعاني من الداعمين لسوق أبو رخوصة منذ نشأته. تقول: يجب أن يعود وسط بيروت للناس وأن يكون شعاره أبو رخوصة. حركة الزوار كانت رائعة، فنحن نعود بعد سنة ونصف، وفي ظل الأزمة الإقتصادية وجائحة كورونا. الطلب على المونة البلدية يزيد في أيامنا هذه، والسوق أخذ هذا الأمر في الإعتبار خاصة لجهة الاسعار.
ماهر الحاج حظي مع معروضاته من الرسوم على كانفاس وورق في منطقة الوسط. تعددت ألوان وأحجام حنظلة بريشته. فاجأه حضور ناشر جريدة «السفير» طلال سلمان فأهداه إحداها وإلتقط معه صورة. نسأل الزميل سلمان هل هي زيارة خاصة أم صدفة؟ يقول: بل أتفقد السوق وناسه لكوني مرتبطا بموعد قريب من المكان. سعيد بهذه الهدية، فما أعز على قلبي من حنظلة سوى ناجي العلي. فكرة السوق عظيمة إكتشفتها للمرة الأولى، وسأزوره في كل مرة.
وعبّر الفنان ماهر الحاج عن سعادته بزيارة طلال سلمان لجناحه ووصفه بـ«ثروة قومية عربية وأحد صروح الصحافة العربية».
إلى جانب المونة البلدية والأشغال اليدوية للملبوسات الصوفية، وأخرى مخصصة لزينة المنازل برزت عدة أكشاك تهتم ببيع العملة القديمة، والأسطوانات ومقتنيات خفيفة الوزن من «الأنتيكا». ماذا عن العملات القديمة من يسأل عنها؟ يقول محمد عيتاني: مهما كانت الظروف يبقى علينا إطلاع الجيل الجديد على عملتنا الوطنية القديمة. أفتخر بأني احتفظ ببعض العملة الوطنية الفلسطينية تعود لما قبل سنة 1948. زوارنا في هذا اليوم كانوا كثر من لبنانيين وعرب وأجانب مقيمين في لبنان. وحركة البيع مقبولة.
يجلس ناجي فريحة أمام مئات من أسطوانات «33» تقول حالتها الخارجية أنها في عمر متقدم. يحدده بالقول: إنها من حقبة الستينيات وما تلاها. مضمونها الموسيقي جاز وروك. وبدخول عقدي السبعينيات والثمانينيات بدأت موضة الديسكو. وأسطوانات الموسيقى العربية تشمل المراحل كافة. هذه المجموعات الموسيقية مرغوبة من الناس وأسعارها محددة على شبكة الإنترنيت. بعضهم يهوى جمعها، ومنهم من يمتلك مكتبة موسيقية تضم 10 آلاف اسطوانة. إنها ثروة مع تضاعف الأسعار خمس مرّات. قبل الأزمة الإقتصادية كانت أسعار هذه الأسطوانات بين 3 و 20 دولاراً. أسعارنا الحالية مخفضة تسهيلاً للشراء، والحركة مقبولة.
لفلسطين حضورها في سوق أبو رخوصة. خيمة لجمعية «يافا العودة» غنية بكل المصنوعات اليدوية ذات الهوية الفلسطينية. الكمامة صارت من ضمن العائلة، تحمل نقشة الكوفية أو السلك. أو كمامة مناصفة من الكوفية، ومن قماش اسود يحمل شعراً مختاراً لغسان كنفاني أو محمود درويش وبخاصة. يقول ممثل الجمعية عماد مختار: دائماً نشارك في سوق أبو رخوصة في ساحة الحرية. ونعرض أعمالاً تلتزم بالوطنية والحرية، ونقدم إنتاجنا الفلسطيني الجديد والمتطور. وجديدنا بالطبع الكمامة التي تحمل جملة من أجمل ما قاله محمود درويش «على هذه الأرض ما يستحق الحياة» و«كانت تُسمى فلسطين وصارت تُسمى فلسطين». وأخرى من شعر غسان كنفاني. بالطبع إلى جانب كمامة الكوفية بالسلك الأسود، والكوفية الحمراء وكافة رموز الثورة. تراثنا معروض لتتعرف إليه الأجيال. جميعه من تنفيذ هذه نساء فلسطينيات، وزوجات شهداء ونساء تحتجن للدعم المادي. والعمل يتم في المنازل خاصة مع كورونا. وهل الكمامة صحية؟ يقول عماد مختار: بالطبع وليست رمزاً فقط. مؤلفة من ثلاث طبقات والفيلتر في الوسط، وقابلة للتطهير والغسل.
شركة سوليدير
حسين المسكي من مؤسسي سوق أبو رخوصة بدءاً من سنة 2015. يعود بالذاكرة إلى تصريح لعضو من الهيئات الإقتصادية ويقول: نشأ السوق كرد فعل على كلام طبقي أوليغارشي وبدأ في ساحة رياض الصلح. وهناك وجدنا أننا لا نزعج شركة سوليدير التي نهتم بإلغائها كمحتلة ومغتصبة للبلد وكان الإنتقال إلى ساحة الشهداء. وسوليدير انتهت بعد صدور قرار مجلس شورى الدولة الذي اعتبر التمديد لها باطلاً. بحثنا بإعادة إحياء السوق قبل القرار، والمحافظ الجديد القاضي مروان عبود تجاوب مع طلبنا، وزارنا اليوم داعماً ومرحباً بعودة الحياة إلى المدينة. ونوه بالتدابير التي التزمنا بها للحماية من كورونا. المشاركون في هذا المعرض جاءوا من كل الأرياف والأطراف لبيع منتجاتهم والإستفادة من عاصمة وطنهم. باعوا مباشرة للناس دون وسيط يأكل أكثر من ثلاثة أرباع أتعابهم. اجتمعوا في ساحة الشهداء من راشيا والهرمل وحاصبيا، ومن العديسة وكفركلا وكل أنحاء جبل لبنان. توزعوا على 76 خيمة. الحركة جميلة جداً ومشجعة. ومجرد التنفيذ نعتبره نجاحاً رائعاً.