لا تزال ظلال الكورونا الثقيلة، هي الأوضح في مشاهد الاستعداد لعيد الأضحى، فالقاهرة التي كانت تزدان بالأنوار ولافتات الإعلان عن أهم العروض المسرحية والسينمائية وأفيشات الدعاية للأفلام الجديدة وبرنامج السيرك القومي، باتت مظاهر الاحتفال بها لا تزيد على مجرد افتتاح لمقهى هنا ومطعم هناك، وتنظيم محدود لرحلات سياحية للمدن الساحلية كشرم الشيخ والغردقة والإسكندرية ومرسى مطروح والإسماعيلية، حيث لم يعد متاحا أمام المغامرين من عشاق السفر والتنقل غير فرص قليلة للخروج بعيداً عن الجو الحار بالعاصمة خلال أيام العيد، وهي فترة تنزه قصيرة الأجل يعود بعدها المواطنون إلى محلات سكنهم وإقامتهم ليواجهوا مخاوف الوباء وتحذيرات منظمة الصحة العالمية من أخطار انتشار العدوى.
لقد أدت نغمة التحذير والتوعية التي تتبعها الجهات والهيئات المعنية إلى خلق حالة من الإحباط العام والرتابة، فما كان قبل عدة شهور نوعا من المحافظة على الأرواح وضماناً للسلامة، صار اليوم في اعتقاد البعض مصدر إزعاج ومحض خوف حقيقي يسكن القلوب من حدوث انتكاسة قد تعيد الفيروس القاتل إلى شراسته الأولى بعد أن بدأت درجات الخطورة في التراجع وهبوط معدل الإصابة إلى أكثر من 50 في المئة، وربما التأكيد على ارتداء الكمامة وضرورة التباعد هو ما زاد من وسواس الخوف ووضع الغالبية من المواطنين في حيرة من أمرهم إزاء الرغبة في الاحتفال بالعيد وممارسة الطقوس المعتادة لشريعة الأضحية، بخلاف التزاور وإقامة الأفراح وليالي السمر والسهر.
ويزيد من تردد المصريين في الخروج خلال أيام العيد دواعي الضبط والربط المشددة والمتبعة في المناسبات، والتي بدت واضحة وجلية في عيد شم النسيم وعيد الفطر كمناسبتين سابقتين طُبقت خلالهما نظم مُحكمة للحيلولة دون وجود كثافة عالية في المناطق الحيوية والمزارات السياحية والمتنزهات. غير أن البُعد الأهم في هذه المسألة تمثل في العزوف عن شراء الملابس الجديدة للأطفال بنسبة ملحوظة نظراً للخوف من انتقال العدوى عن طريق الملابس في المحال التجارية وبروفات القياس والتبديل، بالإضافة إلى ضعف القوة الشرائية الناتجة عن تهافت المستوى الاقتصادي وتراجع معدلات الدخل لدى القاعدة العريضة من الجمهور.
وليست وحدها حركة بيع وشراء الملابس هي التي تأثرت بالكورونا، وإنما جرى ذلك أيضاً على شعيرة ذبح الأضاحي وتوزيعها على المستحقين لها، فقد حدث نوع من التحول في التعامل مع الشعيرة ذاتها بالتعويض عنها مالياً بدفع مبالغ عينية كصدقة تفادياً لأخطار الذبح والسلخ والتلوث والاختلاط والتزاحم على محلات الجزارة بالمناطق الشعبية، خاصة في المدن والعواصم الكبرى المكتظة بالسكان، وفي هذا الإطار جاءت بعض الفتاوى مُعززة للفكرة ومشجعة لعملية إسناد مهام الأضاحي وما يتعلق بها من إجراءات التوزيع الشرعي لحق الفقراء والمحتاجين إلى أصحاب الخبرات في هذا المجال كالجمعيات الخيرية والمتطوعين بأداء الخدمة لصالح المستحقين من دون أجر أو بأجر معلوم.
ولما كان هناك حظر في السابق على الحدائق العامة ومواطن التجمع المعهودة كحديقة الحيوان وحديقة الأسماك والمتاحف والمولات التجارية، فقد قلل ذلك من حماس العامة وجمهور البسطاء للخروج، تحاشياً للإصابات المحتملة، وهي درجة متقدمة من درجات الوعي المعول عليه في التخلص من الوباء الذي طال أمده وتسبب في حالة مزمنة من الاكتئاب.
وقد أدت تداعيات الأزمة الصحية العالمية إلى استمرار غلق دور السينما والمسرح بقرار من الجمهور نفسه بالرغم من الرفع النسبي للحظر على المستوى الرسمي فلا تزال صالات العرض في جميع المحافظات مُظلمة تشكو هجر الرواد وانصرافهم الكامل عن متابعة الجديد من الأفلام والمسرحيات، وهي الأزمة الكبرى التي تواجهها صناعة السينما وحركة الفن المسرحي وتضار منها بقية الأجهزة ذات الصلة، إذ لا سبيل لحل المشكلة وإعادة الإنتاج إلا بعودة النشاط بشكل كامل بعيداً عن المسكنات والحلول المؤقتة التي لا تُسمن ولا تُغني من جوع.