عيش وملح: الشعر زادٌ يومي

عن الدار المصرية للطباعة والترجمة والنشر في القاهرة، صدر ديوان «عيش وملح» للشاعر المجري إشتفان فوروش ترجمة كل من عبدالله عبد العاطي النجار ومحمد سعد ليلة. فوروش ليس شاعرا فقط، بل هو كاتب ومؤلف مسرحي وناقد ومؤرخ أدبي شهير ولد في العاصمة المجرية بودابست عام 1964، ونال جائزة جوزيف أتيلا، أرفع جائزة شعرية في المجر.
في بداية حياته كان إشتفان فوروش مهتمّا بالعلوم الطبيعية، لكنه بعد أن صار على عتبة عامه الرابع عشر أصبح الأدب هو أكثر شيء يهمه، وراح حينها يقرأ كثيرا حتى صار مولعا بالأدب. فوروش يكتب الشعر ويترجم، وقد صدر أول كتاب شعري له وهو في الرابعة والعشرين من عمره. أنجز فوروش أكثر من عشرين كتابا ما بين الشعر والرواية والنثر وكتب الأطفال. يقول: سعيت إلى طرق معظم أبواب الأدب، في الواقع كل فكرة تعزز الأخرى، والأشياء تلهم المرء، حينما تُدرّس وتشتغل بالأدب تأتيك فكرة فتُدرسها ثم تكتبها في عمل أدبي كرواية مثلًا.
ومما قاله الشاعر للمترجمين: أنا سعيد في كل الأحوال بأن كتابي سيظهر بالعربية. قد يكون تأثير الكتاب الشعري بطيئا، ليس كالرواية مثلًا، لكن ربما يقرأه ناقد عربي ويكتب عنه شيئا، سيكون ذلك من دواعي سروري.
في «عيش وملح» نجد انحياز فوروش إلى القصيدة القصيرة التي تُسمى بقصيدة الومضة، مع وجود بعض القصائد التي تتجاوز مساحتها الصفحة ونصف الصفحة.
هنا يكتب فوروش شعرا إنسانيّا، واضعا الإنسان بكل مشاعره في محور قصائده وبؤرة اهتمامه:
لعل أياما طوالا بلا نهاية
قد تأتي برحالها
عندما أتجول في غرفتي
فقط من بعيد
على إيقاع أحدث أبياتي
كسجين محطم الوجه ضائع الهوية
في ساحة السجن.
كاميرا راصدة

هنا أيضا يكتب فوروش عن الوحدة وما تفعله بالإنسان:
الوحيد ينام بعينين مفتوحتين
حتى تنبلج أحلامه
ويتأرجح خياله.

في جل قصائد «عيش وملح» نجد عينيْ فوروش الشعريتين تتأملان الأشياء والأحداث من حوله، وترصدان ما يدور أمامهما كأنهما كاميرا لتسجيل وتوثيق هذه الأحداث، التي تتحول بعد ذلك إلى ذكريات تظل في الذاكرة ويتم استدعاؤها وقت الحاجة إليها.
الوقوف في الغابة منفردا أفضل
حيث يخرج من الأرض شريان دقيق
هكذا نمسك رسائل
من العالم الآخر أيضا
نرفع أنظارنا
إلى الأشجار لترى الحدآت السوداء
الضاربة في عنان السماء.

فوروش يكتب قصائد عن الألم والمرض، عن السفر، عن الخيال، عن المطر، عن العيش والملح، عن البطيخ، عن الفئران، عن الحياة بكل تفاصيلها، وعن الشعر، وعن تفاصيل يومية أخرى:
شوال من البصل في المطبخ
بدلًا من الغسيل الكبير
ساق بصل
مقصوصة بالمقص
وسيارة لا تزال تقف
أمام المنزل.
المعتاد

في قصائده هذه يميل فوروش إلى البساطة، إلى الكتابة عن اليومي المعتاد، لكن دون مباشرة تحيل الشعر إلى كلام عادي لا روح ولا شاعرية فيه:
كل يوم أشرب في الصباح
كوبا من الماء
على نحو إلزامي
كأنني أتناول به
دواء.

هنا نجد إشتفان فوروش الشاعر المجري الذي يكتب بعض قصائد الهايكو، مُحمّلًا إياها حكمته وفلسفته في الحياة، متسائلا كثيرا أين تبدأ الحياة؟ ملتزما ببساطة اللغة ونقاء الصورة الشعرية ومهتمّا بالتقاط مشاهد لا يراها من لا يمتلك عينين شعريتين. كما يرى أن الشعر زاد يوميّ على الشاعر أن يقتات عليه وأن يتعاطاه حتى يكمل حياته على الوجه الذي يأمله ويهفو إليه، وليساعده الشعر كذلك في تجاوز الأزمات التي قد تحيط به ذات حين.

كاتب مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية