رام الله- “القدس العربي”: تتوالى المناظرات الانتخابية المتعلقة بالمرحلة الثانية من الانتخابات المحلية التي تعقد في الضفة الغربية التي من المقرر لها أن تجري مطلع الأسبوع المقبل، لتكشف في طياتها الكثير من “أمراض” المجتمع الفلسطيني.
إحدى القضايا التي أثيرت في الأيام الأخيرة، ما أُطلق عليها اسم “عرف رام الله” و”عرف البيرة” وتعني أن “العرف” في المدينتين كان يتمثل في أن يكون رئيس المجلس البلدي من سكان المدينتين الأصليين، حيث يبلغ عدد سكانهما حوالي 362 ألف نسمة بحسب توقعات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.
وتمتاز المدينتان بأنهما الأكثر جذبا للسكان وتحديدا في مرحلة ما بعد أوسلو سواء من مدن الضفة الغربية الأخرى أو من قطاع وغزة وحتى من مناطق فلسطين 48، في ضوء أنهما أصبحتا مركزا للقرار السياسي والاقتصادي.
وبدأ الجدل بمُشادَّة كلامية خلال مناظرة انتخابية في مدينة البيرة، حيث اضطر القائمون على المناظرة بين القوائم المترشحة، إلى إيقاف البث المباشر ثم إنهائها قبل الأوان، وذلك بسبب مشادة كلامية وقعت داخل القاعة بسبب سؤال ورد من الجمهور ومفاده: “جرى العُرف في مدينة البيرة أن يكون الرئيس من جذور أهل المدينة، ماذا بخصوص أبناء البيرة وسكانها الآخرين، ولماذا يسقط عنهم هذا الحق؟”.
مرشح إحدى القوائم قال إن “العرف أن يكون رئيس بلدية البيرة من البيرة وليس في هذا عنصرية، البيرة تحترم وتقدر كل مواطن فيها وتشرك كل المواطنين في كل المجالات، ولكن احترام الرئيس الراحل ياسر عرفات، الذي أعلن أن رئيس بلدية البيرة يكون من البيرة، ورئيس بلدية رام الله من رام الله، وهذا احترام له، ولن نتراجع عنه، لأنه رئيسنا وقائدنا”.
وبعد أن حاول رئيس قائمة ليس من سكان أهل البيرة الأصليين تبرير ترشحه لرئاسة بلدية البيرة، قاطعه جانب من الجمهور، فوقعت مشادة انتهى على إثرها البث المباشر والمناظرة أيضا.
لم يتوقف الموضوع عند هذا الحد، بل حضر على الشبكات الاجتماعية وبين القوائم الانتخابية في مدينة رام الله أيضا، حيث ترفض “الكتلة المستقلة” المترشّحة لانتخابات بلدية رام الله، المشاركة في أي مناظرات انتخابية مع قوائم أخرى تتنافس على انتخابات بلدية رام الله، بذريعة عدم التزام قائمتين بـ”عُرف مدينة رام الله”، وخرقهما له.
وكانت القائمة المستقلة قد رفضت المشاركة في مناظرة رقمية محلية، وهو ما تكرر في مناظرة نظّمها “تلفزيون وطن” المحلي وشبكة معا.
وفي تصريحات صحافية، قال رئيس قائمة “الكتلة المستقلة” صليبا شحادة، إنّ سبب رفضهم المشاركة في المناظرات يعود لتمسّكهم بـ”عُرف رام الله” الذي يعدّ مقدسا بالنسبة لهم، ولا يتجزأ.
يذكر أن قائمة “الكتلة المستقلة” التزمت بما يسمى “عُرف رام الله” إلى جانب قائمتي “أبناء البلد” التابعة لحركة فتح، و”منارة رام الله” المحسوبة على اليسار، أما “رام الله المستقبل” المدعومة من “جبهة النضال”، و”رام الله بلدنا” المحسوبة على رجال أعمال، فلم تلتزما بهذا “العرف”.
الكاتب مروان طوباسي، وصف كلام البعض حول عدم “كسر العرف” بالكلام غير المسؤول الذي لا يؤدي سوى إلى الفرقة.
وأضاف في مقال حمل عنوان: “الانتخابات البلدية بين الدساتير والأنظمة ومقولة كسر العُرف”، إن “النازحين والمهجرين زمن جريمة النكبة لم يتركوا مسقط رأسهم برغبتهم، وعلى المتنافسين الذين ضمن لهم الدستور حق الترشح دون تمييز، أن يتحلوا بالقدرة على استيعاب حق التعددية والتنوع في إطار من الوحدة الذي يميز مدينتنا رام الله بجمالها، دون محاولات إقصاء أحدا لأحد”.
وأضاف: “التنافس لا يجب أن يكون شخصيا أو أصولياً وإنما بالقدرة على طرح الأفكار والبرامج التي ترى بها القوائم المتنافسة منهجا لتطوير المدينة وخدمة كل سكانها بالقطاعات الخدماتية والثقافية والعمرانية والشبابية”.
وشدد طوباسي أنه على الفائزين إيجاد القاسم المشترك الأفضل والأنسب من حيث الكفاءة والانتماء لاختيار وانتخاب رئيس المجلس على قاعدة المواطنة ووفق ما حدده القانون والنظام والمراسيم الرئاسية الواضحة ذات الخصوص ودون إضافات، وفقا للقاعدة القانونية التي تقول “لا اجتهاد بالنَص، فالتشريع يحوي جميع القواعد القانونية اللازمة لتنظيم الانتخابات”.
وتابع: “القول بنشوء عرف مخالف للدستور أو القانون، سواء كان عرفاً منشئاً أو كان عرفاً مكملاً أو مفسراً، وإنزاله منزلة القانون، من شأنه أن يشجع الناس على عدم احترام القانون والاستهانة بأحكامه، والاستمرار في الخروج على هذه الأحكام والاعتياد على ذلك”.
وأكد طوباسي أن الشعب الذي عانى وما زال من سياسات الاحتلال من التمييز العنصري والفوقية اليهودية، لن يستوعب اليوم ونحن بالعقد الثاني من القرن الواحد والعشرين اي شكل من “التفرقة او التميز بين مَن مِن هنا أو مَن مِن هنالك”.
بدورها، علقت الكاتبة والمحللة السياسية نور عودة، أن العرف هو أمر غير منصوص عليه بالقانون والعرف الاجتماعي، يتغير مع تغير الزمن والسياق والمفاهيم.
وذكرت مثالا من الولايات المتحدة، فقالت: “بعد إلغاء العبودية كان العرف هو عدم تسهيل ممارسة المواطنين السود لحقهم في الانتخاب والترشح لا بل ومحاربة هذا الحق. هذا العرف ألغي وحلّ محله مبادئ المواطنة رغم أن الطريق ما زالت طويلة هناك للوصول للمساواة. وحتى منتصف القرن الماضي تقريبا، لم يكن يسمح للنساء الالتحاق بكليات الطب في بعض الدول. هذا كان العرف لكنه طبعا استبدل بمعيار الكفاءة”.
وأكدت عودة: “في بلادنا أيضا كثير من الأعراف تغيرت أو ألغيت أو انحسرت، مثل عدم عمل المرأة في مجالات معينة، زواج البنات عند سن 12 و13، سفر النساء لغايات التحصيل العلمي، وغيرها الكثير من العادات الاجتماعية والاقتصادية”.
وشددت أن الثابت في حياة المجتمعات هو التغيير والتطور والمجتمعات الناجحة هي تلك التي تتبنى مبدأ المواطنة وترفض التمييز على أي أساس كان. الحديث عن العرف فيما يخص الانتخابات وضرورة أن تكون رئاسة البلدية لإحدى عائلات المدينة “الأقحاح” أمر يتناقض مع فكرة المواطنة ويشدنا إلى الخلف بطريقة تشوه العلاقات الاجتماعية بين أبناء المدينة الواحدة لأنها تشرعن التمييز والتفضيل على أساس لا صلة له بالمنطق أو الكفاءة أو المواطنة. وحده الناخب من يقرر من يستحق أن يتولى مسؤولية إدارة البلدية.
أما الأكاديمي والإعلامي نادر داغر، فيرى أن المدن التي دأبت المجالس البلدية فيها على حجز مقعد الرئيس لأقدم العائلات في المدينة، يتم خلق مجموعة تسمى نفسها “أصحاب البلد” تطلق اسم “الوافدين” على الآخرين، علما بأن الوافدين جلبوا معهم إيجابيات وسلبيات مثل التي وجدوها في المكان، لا أكثر ولا أقل.
ويرى داغر: “أن طابع المدينة شيء جيد فهو هوية وميزة، لكن الهوية الضيقة أيضا سيئة. والأهم هو أن هوية المدينة ليست بيد أحد، بل هي مجموع مكونات سكانها، وهو مفهوم متغير باستمرار، ولا يمكنه التوقف عند عيلة المختار. والتاريخ يا أخوتي ليس بالضرورة أن يكون المستقبل، فالتاريخ لا يُمحى، والمستقبل لا يمكن منعه”.
الكاتب محمود أبو هشهش، بدوره يتمنى رؤية عملية انتخابية للمجالس البلدية أكثر حيوية وتنويراً، وأكثر قدرة على اجتذاب انتباه كافة فئات المجتمع واهتمام المنشغلين بالحقول المختلفة، ويكون فيها مساحة واضحة لكل عضو داخل قائمة ما على إسماع صوته وتبيان مصوغات ترشحه، وبرنامجه الانتخابي كشخص مستقل وكفؤ بذاته داخل تلك القائمة.
وبرأي أبو هشهش فإن ذلك غير متحقق في الشكل الانتخابي الحالي الذي يقوم على تشكيل قوائم انتخابية، يجيء كثير منها ليعبر عن محاصصات واصطفافات حزبية أو عشائرية أو عشوائية، دون أن يستند، بالضرورة، على الكفاءة والأهلية كمنطلق أساسي لعملية الترشح.
ويؤكد أنه غالباً ما ينحصر تمثيل قائمة ما بلسان رئيسها، ليجد المواطن المقترع نفسه مجبراً على إما أخذ القائمة كاملة أو تركها كاملة.
وأضاف أبو هشهش لمَ لا يتم تطوير نظام انتخابي أكثر مرونة، بحيث يكون للمواطن الحرية في اقتراع عابر للقوائم الانتخابية، ولا يقوم على أخذ القائمة كلها أو تركها كلها. وتساءل: “ألن يساهم ذلك في تشكيل مجالس بلدية أكثر كفاءة وتكاملية وقدرة للنهوض بعمل البلديات وخدمة الناس؟”.
يذكر أن لجنة الانتخابات المركزية قبلت طلبات ترشح 259 قائمة انتخابية، حيث ترشحت أكثر من قائمة في 50 هيئة، وفي 23 هيئة محلية ترشحت قائمة واحدة فقط؛ في حين أن 28 هيئة محلية لم تترشح فيها أي قائمة. كما أنه من ضمن القوائم المقبولة 81 قائمة حزبية (أي مسجلة على أنها تمثل حزب سياسي أو ائتلاف أحزاب) و178 قائمة مستقلة. ويبلغ عدد المرشحين في جميع القوائم المقبولة (2,537) مرشحاً، من بينهم (678) امرأة بنسبة 26.7% من المجموع الكلي للمرشحين، ومن المقرر أن يكون الاقتراع يوم السبت القادم 26 من الشهر الجاري.