غابي الجمّال: للأسف ذاكرة الجيل الجديد شفهية وتقف عند سنة 1975 والفيلم يشكل فسحة حوار

زهرة مرعي
حجم الخط
0

«اسهامات مهمّشة» وثائقي عن أثر اللاجئين الفلسطينيين المجنسين في حياة لبنان المعاصر وغربتهم

بيروت ـ «القدس العربي»: «اسهامات مهمّشة» فيلم وثائقي يعود إنتاجه لسنة 2007 عُرض في أماكن متعددة في لبنان لا سيما في الجامعات. في مكتبة السبيل ـ مونو كان عرضه الأحدث. فيلم من إنتاج «المنظمة الفلسطينية لحقوق الإنسان» يتناول اسهامات اللاجئين الفلسطينيين ودورهم في النمو الاقتصادي والمالي والثقافي والفني والتربوي والزراعي في لبنان. اسهامات كبيرة مطوية ومنسية، فالمعنيون بالشؤون اللبنانية السياسية والاقتصادية وسواها، دأبوا على استحضار التاريخ حسب المصالح والحسابات الضيقة، وخاصة الطائفية والمذهبية لطمس قضايا مطلبية محقة.

«اسهامات مهمّشة» فيلم وُلد بعد كثير من الأبحاث، أفضت لاختيار شخصيات ملمة تماماً بوقائع حياة الفلسطينيين في لبنان، وحياة اللبنانيين في فلسطين قبل النكبة. 34 دقيقة قدم فيها المخرج الفلسطيني اللبناني غابي الجمّال، مواطنين من بلده المنكوب بالاستعمار الاستيطاني، من الذين اكتسبوا الجنسية اللبنانية وكان لهم دورهم في نهضة لبنان، من دون أن ينسوا أرضهم ووطنهم فلسطين.
مع غابي الجمّال هذا الحوار:

○ لماذا قررت الآن بالتعاون مع نادي لكل الناس عرض فيلم «اسهامات مهمّشة» في مكتبة مونو؟
• مع اتساع وتواصل الإبادة بحق الشعب الفلسطيني في غزة، لاحظت غياباً تاماً لأي تضامن أو تنديد، لدى فئة من المجتمع اللبناني. وغياب أي موقف مما يجري خاصة لدى الشخصيات السيادية والتغييرية. وكذلك صمت مطبق لدى المرجعيات الدينية المعنية، رغم تدمير كنائس قطاع غزّة التاريخية، وقتل الغزيين المسيحيين كما سواهم. فتساءلت أين المصلحة اللبنانية في تجاهل ما يحصل؟ ألا يستحق أطفال غزّة قداساً لأرواحهم البريئة وهم بالآلاف؟ خاصة وأن نجاح الصهيونية في مشروع التهجير في غزّة، سيؤدي تباعاً لتهجير فلسطينيي الضفة الغربية، وتهجير فلسطينيي أراضي الـ48 إلى لبنان. للأسف التاريخ توقف لدى البعض عند سنة 1975.
○ هذه الهواجس دفعتك لعرض فيلم «اسهامات مهمّشة» مجدداً؟
• صحيح لأنه من المؤسف أن هذه الفئة من اللبنانيين ما تزال متمسكة بذكريات مرحلة مضت شهدت حروباً بينهم وبين الفلسطينيين. إلا أن تلك المرحلة رغم بشاعتها، لا يجب أن تمنع من يؤمن بقداسة قضيته، أن يتعامل مع القضايا المحقة الأخرى كحرب الإبادة التي تشهدها غزّة بالمنظور نفسه. فالشعب الفلسطيني استحصل من الأمم المتحدة على عشرات القرارات التي تؤكد حقه بدولته المستقلّة.
○ إن كنت ترى مناسباً الآن التذكير بحقوق إنسانية واجتماعية ومهنية للاجئين الفلسطينيين في لبنان فما هي الخطوة التالية بعد هذا الفيلم؟
• منذ إنجازه في سنة 2007 كان عرض الفيلم الأول دولياً وفي لبنان، حضره سبعة سفراء أوروبيين وممثلو المنظمات الدولية، وعشرات الجمعيات والشخصيات الرسمية اللبنانية المعنية بموضوع الفيلم. لاحقاً عرض بكثافة في الجامعات اللبنانية وأماكن أخرى كوسيلة تعريف، وأداة للضغط باتجاه إقرار هذه الحقوق. كمخرج للفيلم حرصت على عرضه للجمهور الذي لم تتوفر له فسحة حوار مع اللاجئ الفلسطيني في لبنان، فعُرض في جامعات عدّة منها اليسوعية والكسليك، وفي أحد مقاهي شارع مار مخايل، وزيكو هاوس، والجميزة – صالة داغر، وفي كل عرض كان النقاش يطول ويتفرّع.
○ ماذا عن ردود الفعل لدى عرض الفيلم لجمهور لديه «نقزة» من الفلسطيني ورآه متعلّماً وحاضراً في كافة المجالات في لبنان؟
• تشابهت ردود الفعل، عبّر الجميع تقريباً عن جهله التام لما قدّمه الفيلم من معلومات مغيبة ومهمّشة. وتبين أن الطلاب الجامعيين يعرفون عن الشعب الفلسطيني ما يتناقلوه عن أهاليهم عبر ذاكرة شفهية فقط. للأسف تلك الذاكرة يتناقلها كثيرون، ويعززها الإعلام بدون أن يقدّم سرديات أخرى، ولا يتم التعامل مع الماضي بحيث يساعدنا لفهم الحاضر بهدف العبور معاً نحو المستقبل. نتذكر بشاعة الحرب كي لا تتكرر، إنما يمكننا أن نسامح، وهذا الجانب كانت له مساحته التي يستحقها في النقاش مع الطلاب الجامعيين.
○ كمخرج لفيلم «اسهامات مهمّشة» هل أنت متفائل بإقرار حقوق اجتماعية وإنسانية للاجئ الفلسطيني فيما اللبنانيون مشدودي الوتر بين جبهة مساندة لغزّة وأخرى تعتبر لبنان غير معني بمحيطه؟
• تناولنا الحقوق الإنسانية للاجئ الفلسطيني في لبنان من جانب حقوقي بحت. ونظراً لأثر هذا الفيلم الإنساني طلبت الحكومة اللبنانية سنة 2011 إقامة عرض خاص للجنة من وزرائها فاعتبروه وثيقة مهمة، وبعضهم قال بأننا كفلسطينيين في لبنان بتنا ضحية المعادلات اللبنانية الطائفية، فكل طائفة أو مذهب تنظر الى مدى استفادتها من إقرار هذه الحقوق، ومدى انعكاس ذلك على حجمها في المعادلة اللبنانية، علماً أن القوانين الإنسانية مختصة بحقوق العمل، لا بالجنسية. في البدء وبعد النكبة منحت الحكومات اللبنانية جنسيات لآلاف اللاجئين الفلسطينيين ولم نسمع يومها من يتحدث عن بعبع التوطين. للأسف المنظمات الفلسطينية اهتمت بالسياسة، وتناست ضرورة إقرار الحقوق الإنسانية للاجئين.
○ كلاجئين فلسطينيين كيف تنظرون إلى من تبوؤا مناصب من الفلسطينيين المجنسين ويتجنبون الحديث عن اصولهن مثل منى الهراوي وسواها؟
• هذا يسيء لهم أكثر مما يخدمهم. وكثر تجنسوا ولم ينسوا أصلهم، ومنهم شخصيات الفيلم الذين عاشوا الغربة في لبنان رغم الجنسية. في الدراسة التي أنجزناها أسماء فلسطينية كثيرة ساهمت في الاقتصاد اللبناني، منهم توفيق غرغور صاحب امتياز شركة المرسيدس، وإدمون عودة صاحب بنك عودة، وغيرهم كثيرون. لا يستوعب الفيلم ذكر جميع العائلات التي أسست شركات في لبنان، وساهمت في ازدهاره فيما الدراسة البحثية توثقها. أذكر مما سمعته من الأهل أننا نزحنا من فلسطين مسيحيين ومسلمين ومن القرى نفسها إلى لبنان. وبوصولنا انصب اهتمام الكنائس المسيحية على المسيحيين الفلسطينيين، فكانت مخيمات مار الياس وضبية وجسر الباشا. وتم توزيع المسلمين منهم في مخيمات على الشريط الساحلي ليكونوا في خدمة البرجوازية اللبنانية كيد عاملة رخيصة، لأنهم أدركوا أهمية خبرة العامل الفلسطيني.
○ هل من عروض مقبلة لـ«اسهامات مهمّشة»؟
• لا نفوت فرصة سانحة لعرض أي من الأفلام الثلاثة التي أعددناها والتي تتحدث عن ظروف عيش الفلسطينيين في لبنان. وبالمناسبة فيلم «اسهامات مهمّشة» ترجم للإسبانية، والفرنسية والإنكليزية، واليابانية. وقد عرض في اليابان، السنغال، والعديد من البلدان الأوروبية، والمغرب، والأردن ودبي. وفي هذا الوقت بالذات ترددنا في عرضه، لكننا في النهاية رسونا على أهمية إبقاء القضايا ذات الطابع الإنساني والقانوني قيد التداول علها تفتح الباب لإقرار الحقوق والمصالحة.
○ فيلم «قبل الموت ما بعد الحياة» هل له صلة بمرحلة حياتك كمحارب سابق على الجبهات؟
• يعود هذا الفيلم لسنة 1994 وكانت بيروت في طور إعادة الإعمار. شعرت وكأن اللبنانيين لم يتعظوا من تجربة الحرب، فكان الفيلم الصامت، وصورته المعبرة. يتضمّن الفيلم زيارات للمدافن في منطقة السوديكو، وهي مقابر مسيحية وإسلامية ويهودية. في هذا المكان الطبيعي للموت كانت المفارقة أنّ الأبنية المحيطة بالمقابر بدت وكأن الموت تسرّب إليها، خالية وميتة بفعل الحرب. حفّار قبور قال في هذا الفيلم أنه جمع في قبر واحد مقاتلين عدوين من منطقتين مختلفتين. أحببت أنا المقاتل السابق في الحرب، والحامل على كاهلي عبثها وعدم جدواها، أن أصفع كل من يتظاهرون أن الأمور على ما يرام. «قبل الموت ما بعد الحياة» نال جائزة في مهرجان ساليرنو.
○ ماذا عن فيلم «فاقدوا الأوراق الثبوتية»؟
• حين ظهر هذا الفيلم سنة 2006 عُرض بكثافة للجمهور في لبنان والخارج، وكذلك على قناة «الجزيرة» وسيبقى يشكل وثيقة صالحة طالما هناك بشر بدون أوراق ثبوتية.
○ تتعاون في الأفلام الخاصة بفلسطين مع الموسيقي مروان عبادو لماذا؟
• أحرص على حضور موسيقى عبادو في الموضوع السينمائي الخاص بفلسطين. هو صديق عزيز ودائماً تكون لموسيقاه قيمة عالية.
○ هل من مشاريع أخرى للتصوير السينمائي؟
• نعم. أنا بصدد فيلم أتتبع خلاله يوميات شخصين أحدهما فلسطيني، والآخر لبناني، وأبحث في الامكانات المتاحة أمام كليهما، وهما لن يلتقيا أمام الكاميرا، لكن مشهد النهاية سيبرز مساواتهما في الإنسانية.
○ ماذا عن روايتك التي صدرت مؤخراً عن دار الفارابي؟
• هي روايتي الأولى «قبل الموت… ما بعد الحياة» ليست سيرة ذاتية، بل تجربة حياة شخصية ونوعا من جردة لمحطات ومؤثرات صبغت حقبة حياتي بايجابياتها وسلبياتها. هي رواية عن بيروت التي فقدت هويتها وعن لبنان المتغير، عن الذكريات الممسوحة، والحنين الى البلاد التي نزحنا منها، ومعنى الغربة في بلاد ألفتها وألفتني، ومعنى الإلفة في بلاد غريبة، كتبت هذه الرواية في اليابان بعد رحيلي عن بيروت.
○ في اللقاءات العامة يتمّ تعريفك بالمحارب القديم والمحارب الحالي من أجل السلام. السلام تعبير فضفاض يفصّل وفق مزاجات الدول والـ NGOS ما رأيك؟
• صحيح وهذا السؤال مطروح دائماً. هناك فرق بين مفهوم السلام والسلم الأهلي، امتشقت البندقية في عمر الـ12 سنة. خلال تلك الحرب شهدت على ويلات لا تُحصى، ولم يتحقق حلّم العودة إلى فلسطين. حالياً أنا عضو في جمعية «محاربون من أجل السلام» والتي تضم أفراداً من كافة الاتجاهات السياسية تبادلوا إطلاق النار بعضهم على الآخر، لكننا نقف اليوم كتفاً إلى كتف لنحاول منع أي حرب أهلية جديدة في لبنان. عملنا مع الكثير من الجامعات والثانويات في لبنان للتوعية، ومستمرون. أما السلام بما يعني الكيان الغاصب لفلسطين، فمقاربته ليست واردة على الإطلاق، وما يُسمّى بدولة إسرائيل عار على الكوكب برمته. ما يعنينا هو السلم الأهلي بين مكونات المجتمع الواحد في لبنان، كما في الدول العربية الأخرى.
○ وجدت على صفحتك على فيسبوك نصاً يقول: «نحو مفهوم ذكوري لتجنّب النزاعات… تمكين النماذج المجتمعية في لبنان» ما هو المقصود؟
• إنها محاولة جديدة للخروج من مفهوم ثنائية المرأة والرجل نحو مفهوم الإنسان. في موروثاتنا المجتمعية على الرجل أن يكون المنتج، القوي والحامي، ويرد الصاع صاعين، يُمنع عليه البكاء، بعكس الصورة السائدة عن المرأة، فهي العاطفية، لها حرية البكاء، ولنا واجب الحنان نحوها. صورة تحتاج لتعديل لمصلحة المرأة، للرجل الحق في أن يغضب، لكن لا يحق له اللجوء إلى العنف اللفظي أو الجسدي.
كادر
نموذج من حقوق الإنسان الفلسطيني في لبنان
أخبرني غابي الجمّال في دردشتنا بالتالي: أعرف طبيباً فلسطينياً اختصاصياً كان يعمل في أحد مستشفيات صيدا، ويتقاضى نصف راتب. في يوم وصل مراقب من وزارة الصحة فجأة، وكان الطبيب في غرفة مريضه فإذا بأحدهم من الإدارة يطلب منه نزع مريوله الأبيض والخروج من النافذة. لحسن الحظ أنه كان في الطابق الأرضي للمستشفى ووصل مباشرة إلى الحديقة. هذا ما حدث أمام مريضه الذي ذُهل للمشهد. لاحقاً التقى هذا الطبيب الفلسطيني بوزير الصحة اللبناني خلال زياته لمستشفى في لندن، وروى له ما حدث معه. أنه في القانون اللبناني.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية