دمشق – «القدس العربي»: أحرزت فصائل المعارضة السورية المدعومة بغطاء صاروخي ومدفعي مكثف من قبل الجيش التركي، تقدما جزئيا على حساب النظام السوري في بلدة «النيرب» في ريف إدلب الجنوبي الشرقي، شمالي سوريا، وذلك بعد تدمير دبابات عدة للنظام السوري وإسقاط طائرتي استطلاع واحدة لروسيا وأخرى تابعة للنظام.
وزراة الدفاع الروسية قالت عبر بيان رسمي، إن مقاتلات «سو-24» الروسية دمرت دبابة ومدرعات عدة خلال المعارك الجارية في الشمال السوري، في حين أن وكالة «بلومبرغ» نقلت عن مصدر تركي في أنقرة، أن الأخيرة طلبت من الولايات المتحدة مضادات جوية من نوع باتريوت لـ»ردع» روسيا في إدلب.
وقالت وزارة الدفاع التركية إن ضربات جوية قرب إدلب في سوريا أسفرت عن مقتل جنديين تركيين وإصابة خمسة، كما لفتت «الدفاع» التركية إلى أن الضربات الجوية التركية قرب إدلب نفذت ضد قوات النظام السوري، منوهة إلى مقتل ما لا يقل عن 50 عنصراً إثر ردها على الغارة.
«الروس أخطأوا»
وقال العميد الركن السوري المنشق أحمد رحال إن المحادثات التي أجريت في موسكو يوم الاثنين «كانت مُهينة لتركيا» وأثارت غضب أنقرة. وأضاف لوكالة رويترز أن الروس «أخطأوا». وتابع «نحن نسير نحو عملية عسكرية تركية في سوريا متى تبدأ؟ لا أحد يعرف. قد تكون بأمواج، وليس بزخم حرب مباشرة وتتدرج لتشكل ردعاً».
والعملية العسكرية التي أطلقتها المعارضة في بلدة «النيرب»، تخللها قصف مدفعي وصاروخي تركي على بلدة سراقب بحسب مصادر معارضة، وتحظى بلدة النيرب بموقع جغرافي حساس في الشمال السوري، إذ تقع البلدة شمال غربي مدينة سراقب الاستراتيجية الواقعة على تقاطع الطريقين الدوليين الرئيسيين في سوريا إم-4 وإم-5. فيما تحاول قوات النظام السوري وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان، صد الهجوم واستعادة زمام المبادرة، في حين أن القوات التركية، نفذت قصفاً مكثفاً على مدينة سراقب وآفس ومعارة عليا بريفها كتمهيد ناري مكثف وترقب لشن هجمات عليها فيما إذا بسطت سيطرتها على النيرب، بدورها وصلت تعزيزات عسكرية لقوات النظام إلى المنطقة، فيما تشن طائرات النظام وروسيا غارات على قميناس وسرمين ومناطق أخرى بريف حلب الغربي.
العلاقات بين أنقرة وموسكو وصلت إلى مستويات حرجة وتركيا تستعين بأمريكا عسكرياً
التصريحات الروسية والتركية المتبادلة تحمل في طياتها رغبة من الجانبين بعدم انزلاق مدمر للعلاقات بينهما، رغم صعود الخلافات بينهما إلى الواجهة مؤخراً بشأن الشمال السوري، فموسكو دعت أنقرة عبر خارجيتها إلى تجنب التصريحات شديدة اللهجة حول إدلب.
وعلقت المتحدثة باسم الوزارة، ماريا زاخاروفا، على توجيه الرئيس التركي، رجب طيب اردوغان، مطالب إلى دمشق بسحب قواتها إلى مواقع سابقة لبدء هجومها في إدلب، قائلة: «فيما يخص هذه التصريحات.. فثمة دول عدة تحسب أن بإمكانها الإدلاء بها، مع أنه، من وجهة نظرنا، ينبغي في مثل هذه الظروف، تفعيل قنوات الخبراء قبل كل شيء، فلهذه القنوات إمكانات هائلة».
أما تركيا التي تبدو أنها متمسكة إلى حد بعيد بمطالبها بما يخص منطقة خفض التصعيد في الشمال السوري، فقد أعلن متحدث باسم الخارجية التركية، أمس، بأن أنقرة لم تؤكد بعد مشاركتها في القمة الثلاثية مع إيران وروسيا حول سوريا، المقرر عقدها في طهران.
إلى ذلك قال وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو في تصريحات صحافية لقناة تركية: «أبلغنا الجانب الروسي أفكارنا، والاتصالات ستستمر، لم نصل إلى النقطة التي نريدها بعد.. روسيا لم تفرض علينا خريطة الواقع الميداني في إدلب، بل تبادلنا الأوراق التي توضح مواقعنا… وهناك لقاء مرتقب بين الرئيسين التركي والروسي».
فيما نقلت رويترز عن مسؤول تركي لم تذكر اسمه: أن بلاده تناقش مع الجانب الروسي تسيير دوريات مشتركة في إدلب شمال غربي سوريا كأحد الخيارات لضمان الأمن في المنطقة. ولفت المسؤول إلى أن وفداً روسياً قد يأتي إلى أنقرة قبل الاجتماع في طهران لإجراء مزيد من المحادثات حول إدلب.
في حين أن مصدراً في الخارجية الإيرانية، أشار إلى عدم وجود موعد محدد لقمة الدول الثلاث الضامنة لما يعرف بـ «مسار أستانة» حول التسوية في سوريا، مشيراً إلى سعي إيران مع روسيا وتركيا، لعقدها في القريب العاجل.
وتابع المصدر الإيراني قائلاً: «إذا لم يوافق الأتراك في الوقت الراهن، فنحن سننتظر حتى يتم الاتفاق على تاريخ جديد بيننا وبين الأصدقاء الروس والأتراك لعقد القمة.. لكن يجب أن تشارك الدول الثلاث.. إنها قمة ثلاثية».
طريق مسدود
الخلافات بين روسيا وتركيا حول العديد من الملفات المتعلقة بالشأن السوري ستبقى، وفق ما قاله الباحث السياسي السوري عبد الرحمن عبارة لـ «القدس العربي»: التحدي الرئيسي الذي يواجه قيادة البلدين في إطار نمو العلاقات الثنائية وزيادة رقعة المصالح المشتركة بينهما. ومن الجدير ذكره أن العلاقة بين البلدين منذ عام 2016 لم تصل إلى نقطة حرجة، كما وصلت اليه الآن خصوصاً بعد توجيه أنقرة تهديداً مباشراً إلى النظام السوري بسحب قواته إلى حدود اتفاق «سوتشي» بنهاية شهر شباط الحالي، وحشدها غير المسبوق لآلاف الآليات والمعدات والجنود في منطقة إدلب.
ويبدو أن المباحثات الأخيرة بين وفدي روسيا وتركيا في موسكو قد وصلت، بحسب المصدر إلى طريق مسدود، وبالتالي كان على أنقرة المبادرة من خلال عملية النيرب إلى توجيه الرسائل باتجاه دمشق أولاً وموسكو ثانياً. وفي حال رغبت الأخيرة باحتواء التصعيد عبر الطرق الدبلوماسية فمن الوارد أن تتوقف العملية عند هذا الحد، ليتاح المجال لعودة وفدي البلدين إلى طاولة المباحثات للوصول إلى تفاهمات ترضي تركيا وتؤمن مصالحها في إدلب، وتعيد الاعتبار لنقاط مراقبتها وفق اتفاق سوتشي.
يقول الباحث السوري لـ «القدس العربي»: نظراً لطبيعة العلاقة الاستراتيجية بين موسكو وأنقرة على أكثر من صعيد، فمن المرجح وصول الطرفين إلى تفاهمات جديدة بشأن إدلب، ومن شأنها انهاء التصعيد الميداني الأخير أو يؤجله. وقد تتضمن التفاهمات تعديلات على اتفاق سوتشي الخاص بإدلب أو إضافة ملحق خاص به بناء على آخر التطورات الميدانية، يحقق لتركيا الحد الأدنى من مصالحها في إدلب بالإضافة إلى حفظ ماء وجهها قبل انتهاء المهلة المحددة بنهاية الشهر الحالي.