تظهر دُمية بابا نويل في أواخر شهر كانون الأول/ديسمبر من كل عام كعلامة دالة على الاحتفال بليلة الكريسماس وبشائر العام الجديد فتكتسي واجهات المحلات باللونين الأبيض والأحمر ابتهاجاً وفرحاً وتتجلى معاني الوحدة الوطنية بين عنصري الأمة باعتبار الاحتفال بعيد الميلاد المجيد طقساً اجتماعياً ومناسبة أقرب للأعياد القومية منها إلى الاحتفال الديني الخاص بالمسيحيين فقط، وهذا انعكاس صحي يؤكد لحمة الشعب المصري وذوبان الفوارق بين الفئات والجنسيات والأديان.
هكذا كان المفهوم والمعنى قبل أن يُبدد وباء كورونا فرحة المصريين السنوية بطلة بابا نويل على الأطفال الصغار وانتشائهم بوجود العرائس القطنية المُجسمة لشكله وملامحه وابتسامته السحرية الرائقة، غير أن دعاوى الاستنكار التي تصدر أحياناً عن بعض المُتشددين والمحافظين قد قللت كثيراً من ذلك الاهتمام المُعتاد في كل عام بالاحتفالات المُنتظرة، الأمر الذي يعتبره أصحاب المحال التجارية والفنادق والملاهي حرباً مُعلنة على أرزاقهم ومُقدرات أولادهم، لا سيما أن التحذيرات التي أطلقتها وزارة الصحة قد تناغمت مع فكرة رفض الاحتفالات لدى البعض فجعلت المسألة أكثر تعقيداً، فمن لم يخش الوباء اتبع مبدأ الاستنكار والتحريم فصار الإحساس العام بالمُناسبة فاتراً والحماس إلى تعليق الزينة وتجهيز المأكولات والمشروبات أضعف مما سبق.
والأمر ذاته ربما يكون قد أثر كثيراً على إقبال الجمهور من عامة الناس على الاحتفالات الشعبية خلال العام الماضي فترك انطباعاً سلبياً عند المهتمين باستثمار ليلة الكريسماس من التجار والسماسرة والمتعهدين بإقامة رحلات التنزه النيلية بالمراكب الصغيرة والعاملين على تقديم برامح الترفيه على مدار ساعات الليل في ختام الليلة الأخيرة من العام المُنقضي، حيث اجتمعت كل العوامل لتحول ليلة رأس السنة إلى ليلة عادية أو شبه عادية بالنسبة للطبقات الفقيرة والمتوسطة، كونها لا تستطيع تحمل فاتورة السهر في الفنادق الكبرى وحجز التذاكر في حفلات كبار المطربين والمطربات والمدعومة بمغريات الرقص الشرقي وحفلات العشاء وأفخر أنواع النبيذ.
لكن شيئاً من الاستعداد البسيط والمتواضع جرت طقوسه في البيوت المصرية بوازع شخصي رغبة في تغيير مود الخوف من العدوى والتغلب على حالة الرتابة والثبات التي حلت بالمواطنين البسطاء من غير القادرين على صُنع البهجة خارج جدران البيوت الباردة.
وبناءً عليه تم صرف النظر نهائياً من حال المبتدأ عن فكرة الخروج من الأساس والاكتفاء بما لذ وطاب من الترمس والفول السوداني والعصائر أثناء متابعة البرامج الترفيهية عبر شاشات المحطات الفضائية في محاولة لمعايشة طقوس الحفل بلا أدنى تكلفة، وهو حال الغالبية العظمى من النازعين للفرح المجاني والاستمتاع بطلة العام الجديد وترقب لحظات الوداع الأخير للسنة التي خلفت وراءها أحزانا كثيرة بفقد المحبين من الأقارب والأصدقاء والجيران فلم تدع كورونا فرصة لأحد لينعم بهدوئه واستقراره بعيداً عن عذابات الفراق والموت الواقف على الأبواب.
وحسب التصنيف الطبقي والفئوي انقسم المصريون حيال احتفالات رأس السنة ما بين مؤيد قادر ورافض مغلول اليد، إضافة إلى شريحة أخرى تُعلن رفضها لكل ما يمت لطقوس رأس السنة الميلادية بصلة وتصفها بالخروج السافر عن صحيح الدين والعقيدة، وهؤلاء بطبيعتهم غير مبالين بما يشغل المُحتفلين أو غير القادرين ممن يشكون العوز ويكتفون فقط بالمتابعة عن بُعد.
أما الأطفال الصغار المتفاعلون بالفطرة مع أجواء الاحتفال والفرح فلم يجدوا لنزوعهم الفطري متنفسا غير ارتداء القباعات الورقية الملونة والملابس الزاهية بلونيها الأبيض والأحمر كنوع من المشاركة الرمزية واستغلال الهامش الاجتماعي المُتاح من حرية التعبير عن ما يسرهم في براءة مُطلقة لا يساورها خوف الكبار ولا تُحيطها شكوك الإصابة بالوباء القاتل أو فتنة الخلاف في الرأي حول المسموح والممنوع والحلال والحرام.
إذن فالأطفال وحدهم هم الناجون من وسواس المرض الوبائي والمُرتقون فوق مخاوف ذويهم وأهلهم، بيد أن الحذر والحظر كعاملين أساسيين للوقاية من الوباء قد قوضا أيضاً نشاطهم رغماً عن إرادتهم فصاروا محكومين بنفس الاحتياطات التي تحكم الكبار والبالغين فصارت بهجتهم حبيسة القلق والخوف إلا القليل منها.
وبكثرة الحسابات وبدواعي الإجراءات الاحترازية تراجعت بالفعل مظاهر الاحتفال فباتت مُقننة ومسيجة بسياج التوعية الصحية وذلك الذعر القابع في النفوس والمُخالف لما كانت عليه جرأة الأمس القريب، حيث كان الاحتفال برأس السنة الميلادية طقسا عاما وفرحا مُقررا.