وليس نيسان وحدَه يا شاعرَ “الأرض اليباب”، لأن نيسان، كما تقول “يُخرج الليلكَ من الأرض الموات”. ولكن كانون عندنا، مثل سابقه نيسان الصقيع العربي “يغذي حياةً ضئيلة بدَرَناتٍ يابسة”. أين ليلَكُ الأربعينات والخمسينات في ثقافة العراق من أدباء وشعراء وفنانين؟ لقد غيّب الموت أكثرَهم، والبقايا “تقاسَمتها البلادُ”، مع الاعتذار من روح الكبير نزار الذي قال: أكلَ الحُب من حُشاشةِ قلبي/ والبقايا تقاسَمتها النساءُ. بلى، كانون عندنا يُنبت فيُخرج درناتٍ يابسة من أدباء وشعراء لم يدركوا ليلكَ الأربعينات والخمسينات ولا زنابقَه، بل إنه يحرِّك شيطاناً ليدعوني إلى تذكّر قول الشاعر الجاهلي الأفوَه الأودي (توفّي50 سنة قبل الهجرة): “لا يصلُح الناسُ فوضى لا سَراةَ لهم/ ولا سَراةَ إذا جُهّالُهم سادوا” فأكاد أردّد، مع الشاعر الأموي دِعبِل الخُزاعي: إني لأفتح عيني، حين أفتَحُها،/ على كثيرٍ ولكن لا أرى أحدا. وتقول لي ها قد عُدتَ إلى التشاؤم. وأقول لك: كيف انتهى شاعر كبير مثل السيّاب ومثل النوّاب ومثلهما الجواهري اللا يتكرر؟ هل ضاق بهم الوطن؟ أم أن النكِرات غير المقصودة من جُهّالهم الذين سادوا لم يتحمّلوا من هو من غير طينتهم الفاسدة فسَعوا لإزالتهم عن الطريق؟ لم يستطع الوطن توفير علاج للسياب فاضطُر أن يكون “غريباً على الخليج” بمساعي إنسان ليس من أصحاب الحَلّ والعَقد، ولكنّه يحب الشعر فتكفّل بعلاجه في المستشفى الأميري في الكويت، حيث بقى يحلم بالعودة إلى العراق “وهل يعود من كان تُعوِزُه النقود؟” فلما أعادوه جثماناً إلى مقبرة الحسن البصري في الزبير بظاهر البصرة “كانت السماء… تسحّ ما تسحّ من غيومها الثقال… ويهطل المطر” الذي طالما تغنى به في حياته وها هو يلاحقه في مماته ولكنه لا يستطيع أن ينعم به.
وكانون في نهايته مُثقلٌ بذكريات حزينة. هل ضاق الوطن بشاعر مثل مظفر النواب أصابه مثل ما أصاب السيّاب من شلل في الأعصاب أقعده عن الحركة، فلما “تحرّكت” مدينتُه الكاظمية “لتكريمه” بما لا يزيد عن خُطب غير عصماء راحَ أربعةُ رجال “يشحطونه” إلى موقع الكلام غير المفوَّه ولم يستطيعوا أو لم يفكِّروا بتجهيز كرسي بعجلات لتوصيله سالماً إلى حيث يتلقّى الكلمات الخُلَّب. لكن أحد مشايخ الخليج، الذي يحب الشعر والشعراء، تبرّع بتوفير العناية الطبية له في مستشفى الجامعة في الشارقة، فبدأت الأفواه اللا مُجدِية تتقوّل على الشاعر كلاماً في غاية السُخف من أنه قد مدح الشيخ بقصيدة. وهذا هُراء لا يستحق حتى أن يُذكر. لماذا يبقى “أولو الفضل في أوطانهم غُرَباءُ”؟.
تخرّج السياب في دار المعلمين العالية ببغداد عام 1948 والتحقتُ أنا بقسم اللغات الأجنبية في السنة اللاحقة، ولم أجتمع به شخصيّاً، ولكني وجدتُ شعرَه على كل لسان، والكلُّ يتحدث عن “ديوان شعر كله غَزَلُ/ بين العذارى بات ينتَقِل. كانت العالية الكلية الوحيدة في العراق التي تدرِّس الآداب واللغات. وبعد سنتين في قسم اللغة العربية انتقل السيّاب إلى قسم اللغات الأجنبية، وكان ذلك ممكنا في تلك الأيام، وكان يأمل أن يتعلم شيئا عن الشعر الإنكليزي أو الأوروبي، لكي يرفد موهبته الشعرية ومعرفته بالشعر العربي. لكن الواقع أن القسم لم يكن يقدم الكثير عن الشعر الإنكليزي بل كان التوكيد على الكتابة بالإنكليزية حسب قواعد اللغة، لأن القسم كان يحضِّر الطلبة للتدريس. لكن السيّاب كان من الجيل الباحث عن المعرفة والتوسّع بالثقافة والإطلاع على ما لدى الغرب منها، وهو جيل قد انقرض في العراق أو كاد، وخصوصا في العقود الثلاثة الأخيرة. لكن السيّاب وجَد ضالَّته في مصاحبة الأستاذ جبرا ابراهيم جبرا، الذي كان قد وصل إلى بغداد حديثاً وتحلّق حوله عددٌ من الأدباء والشعراء والفنانين منذ نهاية الأربعينات من القرن الماضي، وبقي يرفد جميع طالبي المعرفة في مجالات الآداب الأجنبية والفنون من رسم وموسيقى. وقد بقي السيّاب في صحبة الأستاذ جبرا وأفاد منه كثيراً، ولو أن الأستاذ لا يشير إلى ذلك في كتاباته ومذكراته، كرماً وتواضعاً.
كانت نازك الملائكة شاعرة العراق الأولى قد تخرّجت في قسم اللغة العربية في العالية قبل السيّاب ببضعة سنوات، ونشرت مجموعتين من الشعر قبل تخرج السيّاب. وفي مجموعتها الثانية نشرت قصيدةً بعنوان “الكوليرا” تتحدث فيها عن انتشار ذلك الوباء في مصر في حدود عام 1947. وتقوم تلك القصيدة على إعادة ترتيب التفعيلات والقوافي وأطوال الأشطر/ الأبيات بما تراه الشاعرة يناسب ما تقدِّمه من صورة أو فكرة، دون الالتزام بالشكل التراثي لبحر المتدارك وعدد تفعيلات “فَعِلُن” في الشطر الواحد: طلع الفجر: فَعِلُنْ فَعْلُنْ. وقد أطلقت على ذلك النظام اسم الشعر الحُر، وهي تسميةٌ تُجانب الدِقّة، لأن الشعر الحُر مستورَدٌ أجنبي من الشاعر الأمريكي والت ويتمان الذي نشر مجموعة طريفة من الكلام الجميل الذي يخلو من الوزن والقافية ولكنه مُثقل بالشحنة الشعرية. لكن هذا يتعارض مع تعريف الشعر في التراث العربي. وقد تلقّف الشعراء المعاصرون والشباب منهم بخاصة هذا الأسلوب الجديد في كتابة الشعر وأوّلهم بدر شاكر السياب. وقد تسبّب ذلك بنشوء أنواع من الجدل العقيم عن أيهما أسبق في نظم “الشعر الحر” نازك أو السياب. وأحسب أن الأهم مَن الذي استمر في هذا الأسلوب وطوّر فيه دون النظرإلى الأسبقية، إن كانت هنالك أسبقيةٌ أساساً.
على الرغم من انتشار قصائد السياب في وسائل الإعلام، بقي السياب طوال حياته في عوز، لأن وسائل الإعلام في بلادنا لا تدفع مكافأة للأديب أو الفنان إلا في النَزر اليسير، ولا عِلم لي بشاعر عربي قد أصبح غنيا ًمما تدرّ عليه قصائده من مال، على النقيض مما نسمع عن بلاد الله في الغرب. وقد نُشِر الكثير من قصائد السياب في عدد من الصحف والمجلات العربية، ولكن الشاعر كان يشكو دائما أن ناشري شعره لا يدفعون له مكافأة، الا بعد إلحاح أو توسّط من أصدقاء الشاعر مثلا. وأذكر أني آخر مرة التقيتُ السيّاب عن قريب، وكان ذلك في “باص الأمانة” الأحمر النازل في شارع الرشيد في بغداد باتجاه الباب الشرقي. قلت له: إني مَدينٌ إليك باعتذار. فقد رجعتُ مؤخرا من جامعة هارفرد في مدينه كمبرج الأمريكية القريبة من مدينه بوستن التي يكثر فيها مهاجرون من سوريا ولبنان وما زالوا محتفظين بمحبة التراث العربي في الشعر والغناء وبعضهم يمتلك مطاعم لها ساعة على الراديو لغرض الإعلان عن المطعم أو الشركات اللبنانية السورية. وقد طلبوا مني مرّةً أن أقدِّم حديثاً عن الشعر العربي المعاصر، فتحدثتُ طويلاً عن “أنشودة المطر” وقرأتُ مقاطع منها بالعربية وترجمتها بالإنكليزية، مما نال إعجاب الكثيرين كما أخبرني صاحب ذلك المطعم فصاروا يعيدون اذاعتها مرات عديدة. كنتُ أتمنى لو استطعتُ الاتصال بك لأستاذنك في استعمال شعرك في حديث إذاعي. فقال لي: لا عليك، فعلتَ خيراً، غيرُك يسرق قصائدي ويدّعيها لنفسه، فأين التقصير في ما عملتَ أنت؟ بارك الله فيك.
لقد نُشرت بعض قصائد السيّاب مترجمةً الى الإنكليزية أو الفرنسية. ولكنّي قمتُ في السنوات الأخيرة باختيار 70 قصيدة من شعر السيّاب وترجمتُها إلى الإنكليزية ونشرَتها لي في كتاب أنيق دار أوستن ماكولي في لندن عام 2019، لعلّي أكون بذلك قد قمتُ بشيء من الواجب الذي يستحقّه شاعرٌ كبير مثل بدر شاكر السياب.