القاهرة ـ «القدس العربي»:
«للفتى
أن يحلم حتى يشيخ
للفارس
أن يرفع السيف بلا معركة
للجماهير
أن تملأ الشاشة
للكاهن
تأويل الشهداء لصوصاً وهلكى
لي رؤيا
فأدفن
الآتي ماض،
الآن هباء».
بمناسبة صدور ديوان «غرب الحب الميت» للشاعر أحمد سراج، أقيمت ندوة في (منتدى الشعر المصري) في حزب التجمع في القاهرة، أدارها الشاعر علي عطا، وبمشاركة الشاعر عيد عبد الحليم والناقد محمد السيد إسماعيل.
الشاعر والقارئ
بداية قدّم الشاعر علي عطا السيرة الإبداعية للشاعر أحمد سراج، الذي تنوعت كتاباته ما بين الشعر، كما في ديوانه الأول «الحكم للميدان» ورواية «تلك القرى» وعدة نصوص مسرحية، منها.. «زمن الحصار» «القرار» «فصول السنة المصرية» «القلعة والعصفور» «زاد» و«فخ النعامة». كما أسس مشروع (أدب المصريين) و(النحو البسيط). وفي ما يخص ديوانه الجديد «غرب الحب الميت» يرى عطا أن الديوان تتنوع من خلاله زوايا النظر في النصوص، لتكشف عن الرؤية الفكرية، خلف شبكة العلاقات اللغوية، ليكون القارئ بذلك شريكاً في العملية الإبداعية، من حيث إعادة إنتاج النص حسبما يمتلكه من ثقافة ووعي.

جانب من الندوة
التراث والأساطير
ويرى الشاعر عيد عبد الحليم بداية، أن لغة الديوان طغت على الفعل. من ناحية أخرى يبدو التساؤل هو السمة الغالبة على القصائد، هذه التقنية هي التي تتيح بدورها المجال أمام القارئ للتأويل، فهذه اللغة المكثفة وكذلك البعد الرمزي في القصائد يحتاج إلى قارئ يمتلك خلفيات ثقافية متعددة الروافد. وما يؤكد ذلك الحمولة الأسطورية التي بنيت عليها نصوص الديوان، من يونانية وآشورية وفينيقية، وهي أساطير تلقي ظلالها على الرؤى والقضايا المعاصرة، كأقنعة أسطورية تماثل جهامة الواقع، فهزائم اليوم هي تجليات لهزائم الأمس. ففي مقطع بعنوان (جواب) من قصيدة (معارك العدم) يقول:
«جلس الحكاء الموهن
غرب الحب الميت
يذكر إخوته الهلكى
يبكي
فتجيب الأمواج
منحورة».
فالتذكر هنا يمتد للأسطورة، بحثاً عن نجاة، وفي الأخير لا نجد سوى صورة مأساوية في النهاية.
ويضيف عبد الحليم بأنه وإن كان الجزء الأول من الديوان جاء مشبعاً بالأساطير، إلا أن الجزء الثاني يأتي وقد غلب عليه الشكل المسرحي، فكل العناصر الشكلية متوفرة، سواء الديالوج، أو المونولوج الداخلي، أو حتى المونودراما، وصولاً إلى حالة المزج بين الشكلين لتتحقق تقنية تعدد الأصوات، دون نسيان فكرة الكورس المُستمدة من المسرح اليوناني.
محاكمة الواقع
بدأ الناقد والأكاديمي محمد سيد إسماعيل من عنوان الديوان، الذي رآه يخلق حالة من التضاد مع القصائد. هذه المفارقة تتحقق إما من كثافة المجاز أو شعرية الحياة اليومية، والشاعر ينتمي إلى الحالة الأولى، التي تشبه شعراء الستينيات كعفيفي مطر، ومعظم شعراء السبعينيات. فتمكن سراج من اللغة جعل الأمر يخضع لتبعات ذلك، حيث اللغة والمجاز والإيقاع، ومن ثم بناء الصور الشعرية. من ناحية أخرى تأتي (المرأة) كمخاطب دائم، وتتباين دلالاتها، وصولاً إلى دلالة عامة تتمثل الوطن، فيقول على سبيل المثال في قصيدة (اعتراف مكرر ومتأخر)..
«ليلى
نامي فوق الطرقات
نادي الغجر/الهمج/
التتر/الخصيان/الخونة
نامي تحتهم
نحن الغجر/الهمج/
التتر/الخصيان/الخونة».
ملمح آخر يُشير إليه إسماعيل وهو (شعرية الرفض) التي تتميز بها أعمال سراج في المجمل، على تنوعها من سرد وشعر ومسرح. وما حالة الفرار هنا إلا شكل آخر من أشكال المفارقة، فهو ابتعاد عن المشهد بقدر ما، حتى يمكن محاكمته جيداً وإعادة النظر مرّة أخرى في ما يحدث في الواقع، من أجل تجديد الرؤية.
الشعر والحالة المعاصرة
وجاءت عدة مداخلات من أهمها مداخلة الناقد والأكاديمي خالد عزب، الذي رأى أن الشعر كعملية إبداعية لا بد من أن يكون أكثر تعبيراً عن الحالة المعاصرة، وأن يحمل دلالات أخرى، بعيداً عن صور واستعارات قديمة، وكذلك استدعاء بعض من الرموز التي أصبحت بعيدة عن الواقع كالخيول وما شابه من دلالتها العربية القديمة. ويستشهد عزب بحالة أمير الشعراء أحمد شوقي، الذي جدد في الشعر من خلال استخدام لغة حيّة ومعاصرة في زمنه، حتى لو استند إلى التراث أو الأساطير، فاللغة والصور الشعرية كانت جديدة تماماً ومُبتكرة في وقتها، بخلاف الكثيرين من مجايليه الذين وقعوا أسرى الماضي في لغته وبلاغته وصوره الشعرية.
وفي الأخير نختتم بهذه الأبيات من قصيدة (الصدى)..
«هل ترى ما أرى؟
نازفاً دون أن
فكأن الصليب يحن!
هل ترى ما أرى؟
مذبوحاً بلا صرخة
فكأن السيوف تئن!
هل ترى ما أرى؟
لا أرى
لا أرى».