لندن – «القدس العربي»: لطالما ذهبت ترشيحات الفوز بكأس الأمم الأوروبية لأبطال العالم فرنسا. فهم على الورق المنتخب الأكثر كماليةً وشموليةً وإقناعاً من حيث الأسماء والنجوم. فمنذ تتويجهم بكأس العالم 2018 لم نر لهم منافساً حقيقياً قادراً على مجاراة غرفة ملابسهم المدججة بالذخائر. ورغم وصف بعض النقّاد للأزرق بأنه المنتخب الأقل إقناعاً من حيث الأداء للحصول على لقب بطل العالم، إلا أن ترسانته البشرية لطالما كانت قادرةً على مجاراة كبار منتخبات العالم وإيقافهم، نظراً لمهارتهم التقنية البارزة وحسّهم التكتيكي العالي الذي سمح بمرونتهم للتجاوب مع خصوم ذي أشكالٍ وأنواعٍ مختلفة. وبالحديث عن بنك أسماء منتخب الديوك فهو حرفياً كمن من يمارس «كوريير مود» على لعبة الفيفا ويأتي بصفوة نجوم العالم في المراكز كافة بفريقٍ واحد!
فقد أبى ديدييه ديشان مدرب المنتخب الفرنسي إلا أن يأتي بأفضل أسماء لبطولة اليورو الحالية التي لم تبد سهلةً من البداية. لكن الترشيحات لم تفارق منتخب الديوك للظفر بلقب البطولة، بفضل كمية نجومه، فخط الهجوم وحده كان يبعث بصداعٍ للمتابعين والمحللين خصوصاً بعد عودة كريم بنزيما الذي بات في أوج عطائه خلال الموسمين الماضيين.
وعند الحديث عن أي بيئة عملٍ تحمل الكثير من الموظفين المميزين الذين يأبون جميعاً إلا أن يكونوا الرقم واحد في مؤسستهم، تجد نفسك أمام جوٍ معكر يحمل معه طاقةً سلبيةً وملوثة تؤدي إلى انشقاقات وتفريقات في جسم المنظومة، ما يؤثر على أداء الموظفين الذين ينتابهم شكٌ مستمر في قدراتهم نظراً للضغوطاتٍ المحيطة.
إذ يمكننا القول أن هذا الاستنتاج هو جزءٌ من سبب خسارة الديوك أمام سويسرا، وهو المنتخب ذو القدرات المتوسطة والذي لا يملك نصف الذخيرة البشرية التي تملكها فرنسا. فرغم إبداع الديوك أمام المنتخبات الكبيرة إلا أنهم دائماً ما كانوا يخشون المنتخبات المتواضعة والمتوسطة التي يصعب تنبؤها والتي عادةً ما تذهب للمعركة ولا تحمل شيئاً تخسره.
السبب الثاني للإقصاء من سويسرا يكمن في المدرب الذي غيّر الرسم التكتيكي بأكمله بعد خسارته للاعبين اثنين في مركز الظهير الأيسر للإصابة، ما أدخل اللاعبين جميعاً في جوٍ ورسمٍ جديد يحتوي على خمسة مدافعين لم يعتادوا عليه. فكان بالإمكان الإبقاء على قلبي دفاع ووضع قلب دفاع أعسر كظهيرٍ أيسر متحفظ ككيمبيمبي أو لينغليه من دون الزج بثلاثة قلوب وخسارة لاعبٍ في الوسط لوضعه في مركز الظهير الأيسر، كما حدث مع رابيو. عدا عن سوء التبديلات وتوقيتها، فإخراج غريزمان، القلب النابض للفريق، قبل الأشواط الإضافية كان خطأ فادحاً من ديشان بحسب أسطورة التدريب جوزيه مورينيو. لكن السبب الأبرز والأهم في رأيي كان في لاعب الماضي والحاضر والمستقبل كيليان مبابي. حديث الشارع والإعلام اليوم وخاطف الأضواء أينما حل وارتحل. فهذا ليس غريباً نظراً لجودته الأعلى بالعالم والتي تجعله دائماً نداً قوياً لنجمي الكرة الأبرز رونالدو وميسي. إذ يعتبر كنزاً وفيراً من الطاقة المنتجة والمال لمن تمكن ويتمكن من الظفر بخدماته، نظراً لصغر سنه ولما حققه من إنجازاتٍ ليومنا هذا. لكن المتابع للتفاصيل الصغيرة في حياة مبابي يرى أنه لم يسيّر موهبته في الاتجاه الصحيح، بل أنه وقع في فخ الغرور المفرط داخل وخارج المستطيل الأخضر الى درجةٍ تصل إلى النرجسية! وكثيرة هي الأمثلة على ذلك، لكن ما يمكننا قوله هو أن مبابي وصل للعالمية بسرعة فائقة جعلت اختلاف بيئاته وفارق الشخصيات التي يحتك بها يومياً قبل وبعد الشهرة المفرطة تحوله إلى شخصٍ آخر. إذ تغيرت وجهته واهتمامته في الحياة بصورةٍ شاسعة، ونظراً لجو بيئته المتغطرس في الحياة الفارهة وعدم قدرة عائلته أو المقربين منه على السيطرة على انفجاره للعالمية وتوهج اهتماماته، تحول مبابي إلى الفتى الذي نعرفه اليوم.
ولعل أبرز مثال على ذلك كان في اليورو المنصرم. إذ شهدنا فيه ذلك النجم الساطع بشخصيةٍ ضعيفة تفتقد للحسم كما عهدناها. فقد يختلف النقاد والمحللون على سبب تيه مبابي في البطولة هذه، لكنني أرى أن رؤيته لنجوم تحظى باهتمام ومكانة أعلى منه في غرف الملابس نظراً لسيرتهم وخبرتهم الأطول والأعرق، كما غريزمان وبنزيما، لم تتناسب مع آماله وقناعته المتمثلة في أن يكون تسليط الضوء المستمر عليه وأن يكون الرقم واحد من دون منافس. ما جعله يشك في قدراته، فرأينا بطئاً منه في اتخاذ القرار أمام المرمى، إذ لم يسجل ولا هدف في البطولة بأكملها. إذ تيقنت من استنتاجي بعدما رأيت مبابي يتقدم لتسديد ركلة الجزاء الخامسة أمام سويسرا. فإن كان قراره الشخصي أو قرار المدرب، فهي خطوة استراتيجية تضع نجم الفريق الأول لتنفيذ ركلة الجزاء الأهم، فإما أن يسجلها ويأخذ الضوء بأكمله، وإن حدث ذلك فقد يكون ذلك ظلماً لمجهود باقي اللاعبين، فمبابي لم يسجل طوال البطولة، أو أما تأتي بالنتيجة العكسية وتضيع الركلة ويودي النجم بفريقه إلى الهاوية. لكن بغض النظر، فركلات الترجيح يملك فيها كل طرف 50% من الحظ، لكن المقصد أن مسلسل أحداث ضياع مبابي في هذه البطولة ختم بالطريقة المناسبة نظرا لتواضع أدائه.
بُعد مبابي عن العقلانية والمنطق وواقع أدائه والتفكير الزائد بالشهرة والأضواء والمركز الأول والصخب الإعلامي شتته في بطولة اليورو المنصرمة. فإن تغاضى عن تلك الأمور ووضع جل تركيزه على أدائه لتمكن من تسجيل الفرص الكثيرة التي أهدرها، ولتمكن من إنهاء البطولة وهو متوجٌ بالكأس. لا يمكننا تحميل مبابي كل أسباب الهزيمة بالطبع، لكن موهبته الفذة وقوة زملائه جعلت كافة النقاد والمحللين والمشجعين يرشحون فرنسا للظفر بالبطولة. لكن يبدو أن مراهقة مبابي المتأخرة وغروره الزائد أودى بأبطال العالم إلى الهاوية!