يعاني سكان قطاع غزة بشكل عام من ظروف معيشية صعبة، نتيجة الارتفاع المستمر في أسعار السلع الغذائية الأساسية، والمترتبة على تداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا، ولكن تعتبر الفئات المهمشة من الفقراء والمحتاجين الذين ليس لديهم أي دخل مادي ثابت، من الأكثر تضرراً في القطاع، وهم ضحية الواقع الاقتصادي المتقلب.
ومنذ اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا، بدأت بعض أنواع السلع الأساسية تشهد ارتفاعا كبيرا في أسعارها، ومنها الطحين والسيرج والسكر وبعض أنواع البقوليات الأخرى، إلى جانب ذلك شهدت أسعار الدواجن الأكثر استهلاكاً بين المواطنين، ارتفاعا كبيرا في أسعارها ما أثر سلباً على حياة الفقراء والمحتاجين، الذين باتوا عاجزين عن توفير مستلزماتهم الضرورية.
وشكل عدم صرف مستحقات الشؤون الاجتماعية المقدمة للفقراء والمرضى بغزة للعام الثاني على التوالي تعميقا للأزمة، فهناك ما يقارب من 80 ألف مواطن في قطاع غزة يعتمدون في تسيير أمور حياتهم على المستحقات التي تصرف كل ثلاثة شهور، لكن توقف السلطة الفلسطينية عن صرفها نتيجة الأزمة المالية الواقعة عليها، أثر على واقع المنتفعين، في حين تتفاوت قيمة المساعدة المالية التي تقدمها وزارة التنمية الاجتماعية حسب عدد أفراد الأسرة وإعالتها، وتتراوح الدفعات من 700 إلى 1800 شيقل لكل منتفع، إلا أن الوزارة لم تصرف لهم سوى دفعة موحدة بقيمة 750 شيقلا منذ العام الماضي وهو أمر فاقم من معاناتهم.
وأقام عدد كبير من منتفعي الشؤون الاجتماعية، خيمة اعتصام كبيرة أمام مقر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في غزة، احتجاجاً على تردي أوضاعهم المعيشية وعدم اكتراث الجهات المختصة لأحوالهم، خاصة مع توارد معلومات قبل أسابيع عن نية السلطة تقديم المساعدة المالية قبل شهر رمضان، لكن حتى هذه اللحظة ومع اقتراب حلول الشهر الكريم، لا توجد أي بوادر إيجابية لتقديم المنحة المستحقة للفقراء. وخلال شهر رمضان ترتفع معدلات الاستهلاك بشكل غير مسبوق، وعلى الرغم من كونه شهر الصوم للمسلمين، إلا أن معدلات الإنفاق فيه تزداد عن بقية الشهور، وتنتشر العديد من الحلوى والمأكولات الموسمية التي تنشط في هذا الشهر، لذلك يزيد اقبال المواطنين على شرائها.
في سياق ذلك قال المتحدث باسم الهيئة العليا للمطالبة بحقوق فقراء ومنتفعي الشؤون الاجتماعية صبحي المغربي إن واقع الفقراء والمحتاجين في قطاع غزة وصل إلى مراحل خطيرة جداً، في ظل صعوبة توفير لقمة العيش، بسبب توقف صرف المستحقات المالية منذ عام ونصف على التوالي، ومع شهر رمضان، تزداد معاناة الفقراء بسبب صعوبة توفير احتياجاتهم الأساسية، خاصة مع الارتفاع الذي طرأ على بعض السلع.
وأشار لـ«القدس العربي» إلى أن غالبية كبيرة من المنتفعين هم من كبار السن وأصحاب حالات مرضية غير قادرين على العمل، بالإضافة إلى وجود نساء مطلقات وأرامل، لذلك إذا لم تصرف لهم هذه المستحقات فهم لا يجدون أي بديل يوفر لهم لقمة عيشهم، إلى جانب ذلك هناك عشرات الأسر باتت تفترش الشوارع بسبب تراكم الإيجارات عليها، وهذا واقع مؤلم يهدد حياة الأسرة.
وأوضح أننا مللنا من الوعود التي تطلقها السلطة الفلسطينية بين الفينة والأخرى دون جدوى، لذلك قررنا إقامة خيمة اعتصام كخطوة تصعيدية للضغط على السلطة للإسراع في إعادة صرف مخصصات الشؤون قبيل حلول شهر رمضان.
وتساهم الظروف الاقتصادية الصعبة في ارتفاع معدلات التفكك الأسرى التي تنتهي في غالبية الأمر إما بالطلاق أو حدوث حالات قتل، وهذا ما تم رصده مؤخراً في قطاع غزة بعد التحقيقات التي خرجت بها الجهات الأمنية من جرائم قتل حدثت واستنتجت من خلالها أن بعض الحالات القتل جاءت نتيجة صعوبة توفير رب الأسرة متطلبات أسرته.
وأكد الخبير الاقتصادي معين رجب أن واقع الفقراء في قطاع غزة يزداد سوءاً وبات ذلك يظهر في الشوارع والطرقات العامة، فالعديد من النساء والأطفال المتسولين باتوا ينتشرون بصورة ملحوظة، كما أن الغلاء الفاحش الذي طرأ على بعض الأسعار مؤخراً، فاقم من معاناة المحتاجين الذين لا يقدرون على توفير الغذاء الأساسي لهم، وخاصة وأننا مقبلين على شهر رمضان الفضيل، والذي يشهد الاستهلاك للسلع الغذائية بشكل كبير.
وأوضح رجب لـ«القدس العربي» أن الفئات المهمشة تعتبر من الأكثر تضررا، والوضع الحالي أفضل نوعاً ما بما ستؤول إليه الأيام المقبلة، من عدم توفر للسلع أو ارتفاع حاد في أسعارها، فاستمرار الأزمة الروسية الأوكرانية ووصولها إلى مستويات خطيرة، سينعكس سلباً على الواقع المعيشي، كون أن أكثر من 50 في المئة من البضائع الأساسية، مستوردة من دول أوروبية قد تتأثر بعمليات الشحن والنقل البحري خلال المرحلة المقبلة.
وبين أن الخوف يزداد من تأثر المؤسسات الإغاثية العاملة في قطاع غزة من تداعيات الحرب القائمة، فالأونروا تغطي نسبة كبيرة من أعداد الفقراء اللاجئين الذين يتلقون شهرياً مساعدات غذائية مثل الطحين والسيرج والعدس والحليب من مراكزها المنتشرة في غزة، وهذه المساعدات حسب الأونروا تكفي لأشهر قليلة، وانقطاعها يعتبر كارثة حقيقية قد حلت على الغزيين وخاصة الفقراء منهم.
ودعا رجب السلطة العمل على دفع المستحقات المالية بما هو متوفر في الخزينة، كما طالب المؤسسات الإغاثية المختلفة في القطاع، بالعمل على توفير مساعدات سواء مالية أو تموينية عادلة للفقراء والمحتاجين، وطالب أيضاً الجهات الحكومية المختصة بمتابعة الأسواق وحالات التجاوز من قبل التجار والباعة في رفع الأسعار، حتى يتسنى لجميع المواطنين تأمين مستلزماتهم.